للأستاذ أحمد عبد الغفور عطار
نشرت في عدد مضى من هذه المجلة الكريمة وصفًا للمعجم المسمى (شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم) لنشوان بن سعيد الحميري، وقدمت صورة إلى الذهن هذا المعجم العظيم الذي لا يعرف، مع أنه معجم رحب دقيق صحيح، وذكرت في ذلك المقال: أن لهذا المعجم مختصرًا، اسمه (ضياء الحلوم) وهو بمكتبة شيخ الإسلام الإمام عارف حكمة الله الحسيني بالمدينة المنورة، وأن من الأصل نسخة بهذه المكتبة.
وعلمت بعد نشر مقالي الأول في الرسالة أن لهذا المعجم مختصرًا آخر اسمه (لوامع النجوم) فبحثت عنه حتى وجدته، ويستطيع قارئ هذه المجلة أن يدرك حقيقة شمس العلوم الموضوعية وطريقة تأليفه إذا ما وصفت له هذا المختصر الذي يسير في الطريق الذي سار فيه (الشمس).
وقبل أن نبدأ وصف الموضوع والطريقة، ننتهي من وصف النسخة وشكلها وما يتعلق بنعوتها المادية، حتى إذا أنجزنا ذلك انتقلنا إلى صلب الكتاب.
هذا المختصر الجديد أسمه - كما قلت - (لوامع النجوم) وعدد أوراقه ٣٥٨، وكل ورقة مكتوبة صفحاتها إلا الأولى والأخيرة فإنها من وجه واحد، وطول الورقة ٣٠ س وعرضها ١٦س، وفي كل صفحة ٣٨ سطرًا وفي السطر ١٨كلمة إلى ٢٠، والورق جيد إلا بعضه فقد اتكلت أطرافه، ومن جراء ذلك نقصت كلمات كثيرة في بعض الصفحات، إلا أنها تعرف من السياق.
أما الخط فعربي، ولكنه غير جميل، وإن كان مقروءا بتعب، والناسخ أهمل نقط كثير من الكلمات، كما وكما أغفل بعض الحروف كحذف همزة الوصل وحذف الألف في مواضيع كثيرة.
والخط بقلم الناسخ لا المؤلف، لأن في آخر الكتاب سطرًا مكتوبًا بالقلم الذي خط به الكتاب كله وهو هذا: (تم الثلاث عشر الخمس والثلاثين من ماء مبارك رمضان سنة خمس وثلاثين وتسعمائة) وهو يدل على أن كاتبه أعجمي، وأغلب الظن أنه تركي الأصل لأن تركيب الجملة يدل على ذلك.
[ ٩٣٢ / ١٩ ]
والنسخة وقف وقد كتب في أول صفحة منه (وقف الله تعالى) كما كتبت الجملة نفسها في صفحة ٣٤٨ أول باب الصاد - وهو القسم الثاني من هذا المختصر - وكتبت كلمة (وقف) في رأس صفحة ٧١٤ وصفحة ٧١٥.
ولم يذكر الناسخ اسمه، وإن كان قد ذكر تاريخ الفراغ من النسخ، وهو التاريخ الذي ذكرناه للاستدلال بصيغه على أعجمية الناسخ.
أما مؤلف (لوامع النجوم) فلم يكتب اسمه، وبحثت فيما لدي من مراجع فلم أجد أسمه ولا سنة تأليفه أو الفراغ منه، وسألت كثيرًا من أصدقائي العلماء فلم يعرفوا الكتاب ولا اسم مؤلفه ولعل لدى المشتغلين باللغة والعلماء علمًا به فيكتب في الرسالة ما يظهره ويكشف حقيقته.
وعكفت على الكتاب أقرئوه فلم أجد ما يشير إلى ومن المؤلف، ولم أجد ما يشير إلى شيوخه أو تلامذته أو أنداده فأهتدي بهم إليه. والمقدمة نفسها خالية من أسم المؤلف وهي في سبعة سطور، ولكن بعض كلمتها غير موجود، لأن موضعه من الصفحة قد أتكل، وها أنا ذا أنقلها بعد وضع النقط على الكلمات التي أهمل إعجابها، ووضع الكلمات المأكولة اجتهادا مني وجعلها بين أقواس للدلالة عليها.
وها هي ذي المقدمة: (الحمد لله الذي فضل الإنسان على سائر الحيوان ومن (عليه بالبيان) والسلام على رسوله أفصح من نطق بالضاد، وأفضل من أوتي الشفاعة (يوم التناد) وعلى اعترته وأحبابه. أما بعد فلما كان كتاب شمس العلوم مفيدًا في علم اللغة غاية الإفادة شكر الله سعيه في كل الإجادة، لم يوضع فيه كتاب على هذا الترحيل يأمن كاتبه وقارئه (من التصحيف) بحرس كل كلمة بنقطها وشكلها، وبجملها مع جنسها وشكلها. لكن كان محتويًا على (كلام العرب) ومشتملًا على بعض قواعد من علم الأدب وعلى شيء من منافع الأشجار (وعلى) بعض ما يتعلق بالأحاديث والأخبار، وعلى تفسير بعض الآيات، وتبيين ألفاظ مما لا تعلق (له) باللغة كل التعلق، ولا يدركه من لم يتعمق في اللغة كل التعمق، أردت أن (أختصر) اللغات فيه ليسهل تحصيله على طالبيه، فجاء بحمد الله مشتملًا على جميع (الأبواب) هناك مع ذكر بعض ما يتعلق به من الأمثلة أو غير ذلك وسميته لوامع النجوم).
[ ٩٣٢ / ٢٠ ]
وهو كشمس العلوم يسير على المعجم، وبدأ بحرف الهمزة ويسمي (كل حرف من حروف المعجم كتابًا، ثم جعل لكل حرف من حروف المعجم بابًا، ثم جعل كل باب من تلك الأبواب شطرين: أسماء وأفعالًا، ثم جعل لكل كلمة من تلك الأسماء والأفعال وزنًا ومثالًا، فحروف المعجم تحرس النقط وتحفظ الخط والأمثلة حارسة الحركات والشكل واردة كل كلمة بنائها إلى الأصل).
إنه سار على حروف المعجم، وسمي - مثل شمس العلوم - كل حرف منها كتابًا، فيقول مثلًا: كتاب الهمزة وكتاب الباء وهكذا حتى الياء، يذكر تحت عنوان كتاب الهمزة كل حرف مبدوء بها مقسمًا إلى أبواب، فالهمزة مع غيرها من الحروف باب، وهكذا الباء والتاء والثاء الخ.
وطريقته في مختصره أن يبدأ كل باب بحروف المضاعف مبتدئًا بالمجرد من الأسماء وزن فعل (بفتح الفاء وسكون العين) فيذكر في كتاب الهمزة باب الهمزة وحروف المضاعف، ويقول
(فعل بفتح الفاء وسكون العين الأب المرعي الأب القوة وهو الآد والأيد أيضًا الأس كان ذلك على أس الدهر أي قديمه الخ).
ثم يذكر (فعل بضم الفاء أو من أسماء الفاء أو من أسماء الرجال وأد أبو قبيلة س الأس الجمع أساس كأخفاف وكان على أس الدهر أي قديمه الخ).
ثم (فعل بكسر الفاء دالإد الشيء المنكر س كان ذلك على إس الدهر أي قديم ص لإص الأصل ل الإل الله ﷿ والإل العهد واليمين والإل القرابة).
ثم: (فعل بفتحتين الأمم القريب المقابل داره أمم دارى أي مقابلتها. وبضم الفاء: دأدد أبو قبيلة من اليمن).
وإذا انتهى من المجرد بدأ بالمزيد ويفصل بينهما بكلمة (زيادات) فيقول: (فاعل جئئت بشيء أد وآد بمعنى وبالهاء (أي آدة) الآمة الشجة تبلغ أم الدماغ).
ثم يذكره (فعال بالفتح ث الأثاث متاع البيت وأحدثه أثاثه، الفراء لا واحد له من لفظه، والأثاث كثرة المال الخ).
ثم (وبالضم ج الماء الأجاج الملح ويقال الحادح الاحاح العطش والأحاح الغيظ في صدره
[ ٩٣٢ / ٢١ ]
أحاح ن الأنان الأنين وبالهاء الخ).
ثم (فعال بالكسر ب في إبابه في جهازه ج الاجاج شدة الحر).
ثم يذكر (فعول بفتح الماء وضم العين وكذا جميع ما في هذا الكتاب من فعول غير محروس فإن أتى خلافه حرس بوزنه ص الأصوص الناقة الشديدة).
ثم (فعيل) وهكذا حتى ينتهي من الأسماء ليبدأ الأفعال فيذكر أبواب الثلاثي الستة فالرباعي المجرد ثم مزيد الثلاثي بحرف فحرفين فثلاثة ثم مزيد الرباعي وهكذا تحت عنوان (زيادات) يجعله بين السطور.
وفي الكتاب فلمان: أسود وأحمر، أما الأسود فالكتاب كله إلا بعض هذه الإشارات مثل هذه العناوين الداخلة بين السطور: (الزيادة، والأسماء، والأفعال) وبعض العلامات فبالقلم الأحمر، ومن هذه العلامات أنه إذا أراد أن يذكر فعالًا، في باب الهمزة كتب (ب) بقلم دقيق يرمز به إلى أن الكلمة الآتية من باب الهمزة أي مبدوءة بالهمزة يعقبها حرف الباء مباشرة مثل إب، وإذا انتهى من الباء وضع أو ث صغيرة الحجم جدًا وهكذا، وإذا لم يرد من وزن فعال ما فيه حرف التاء بعد الهمزة انتقل إلى الحرف أنتقل إلى الذي ورد من هذه الصيغة مثل: إجاج. ويضع الرمز بحرف جد صغير ودقيق هكذا ج الاجاج شدة الحر.
والكتاب جزءان في مجلد واحد، وإن لم يذكر المؤلف الناسخ ذلك. إلا إننا زعمنا هذا من مظهر الكتاب فهو يضع كل (كتاب) عندما ينتهي من سابقه في الموضع الذي ينتهي إليه بدون أن يجعله مستقلًا من أول الصفحة أو أول السطر، إلا أنه عندما انتهى من حرف الشين بقى ثلثا الصفحة فارغين أبيضين، وترك الصفحة على حالها من البياض وأنتقل إلى صفحة جديدة كتب في وسطها (كتاب الصاد) وهي توافق صفحة ٣٤٨ أو ظهر الورقة الرابعة والسبعين بعد المائة؛ ثم ينتهي الكتاب بحرف الياء مع الألف في الورقة الأخيرة التي يوافقها في الترتيب رقم ٣٦٨ أو الصفحة ٧١٥.
وفي الكتاب أخطاء جد كثيرة من الناسخ لا تخلو منها صفحة من صفحاته حتى أن غير المتمكن في اللغة لا يستطيع معرفة كثير منها مثال ذلك في الصفحة الثانية: (هو في إبانه في جهازه) وصوابها: (هو في إبابه في جهازه) (والأحاج الغيظ في صدره أحاج) والصواب: (والأحاج الغيظ في صدره أحاح) وفي صفحة ٢٠٧ (الدرك بالفاف الجند فوق)
[ ٩٣٢ / ٢٢ ]
وصوابها: (الدوق بالقاف الحندقوق) والحندقوق بفتح الحاء وكسرها بقلة كالغث الرطب نبطية معربة.
ويغلب على الناسخ قبل الهمزة في أسم الفاعل كطائر وقائم وصائم ونائم وبائع ياء فتصير: طايرًا وقايمًا وصايمًا ونايمًا وبايعًا، مثال ذلك ما ورد في صفحة ٢٢ (الباسوس طاير) وجاء في هذه الصفحة نفسها ما خطه الناسخ هكذا: (أبلح النحل صار فيه البحل) وصحته: (أبلح النخل صار فيه البلح).
ويسقط قلم الناسخ في كثير من المواضع كلمات لا تدرك إلا بعد جهد ممن رسخ في اللغة علمه، وقل من أخطائه ما يدرك من السياق لغير المتمكن الضليع، ومن أخطائه التي تعد أقرب إلى البيان والظهور ما أنقله كما كتب للدلالة على جناية الناسخ على المؤلف - رحمها الله -
جاء في صفحة١: (البلاط الحجارة المفروشة وكل شيء فرشت به الدارين حجره وغيره فهو بلاط ع اسم من التبليغ والبلاغ والكفاية).
فالناسخ أهمل نقط كثير من الخوف وسقطت من الحروف وسقطت منه كلمة وصحف أخرى، وزاد وغير ذلك، وصواب تلك الجملة خطأ وكتابة وتركيبها كهذا (البلاط الحجارة المفروشة، وكل شيء فرشت به الدار من حجر وغيره فهو بلاط غ البلاغ اسم من التبليغ والبلاغ والكفاية).
وبعد هذا أتجه إلى الحكومة اليمينية التي تتولى طبع معجم شمس العلوم من جديد لأطلب إليها ما طلبته في كملتي السابقة، لا وهو العناية كل العناية كل العناية بترتيب هذا المعجم العظيم وتنسيقه وتبويبه وأتفان طبعه وتأليف فهرس لألفاظه ويكون مفتاحا بيد المراجع ومرشدا إياه إلى ما يريد، وذلك مثل فهرس الجمهرة لابن دريد المطبوع في الهند، ثم أطلب إلي العلامة الشيخ عبد الله ابن عبد الكريم الجرافي الذي انتدب من حكومة اليمن لنشر شمس العلوم أن يطلع على هذه النسخة الخطية من (لوامع النجوم) إذا لم تكن في مكتبات اليمن القيمة نسخة منه.
وإنني سأبعث إليه مخطوطة هذا المختصر إذا رغب، وهي بمكتبة الأستاذ السيد عبيد مدني عضو مجلس الشورى بمكة والأستاذ السيد أمين مدني رئيس بلدية المدينة المنورة اللذين
[ ٩٣٢ / ٢٣ ]
استعدا بتقديم هذه النسخة إلى الشيخ الجرافي عارية مستردة للإطلاع عليها. وفي وسع الشيخ الجرافي أن يطلبه من أحد مالكي النسخة لأنهما مقيمان بالحجاز، أما أنا فمسافر بعد أسبوعين إلى أسبانيا للاطلاع على مكتبة الأسكوريال، ثم إلى باريس وبرلين ولندن والفاتيكان للإطلاع على مكتباتها التي تحوى نفائس التراث العربي الغالي اليمن، وأرجو الله أن يوفقنا جميعًا إلى خدمة لغة القرآن.
مكة
أحمد عبد الغفور عطار
[ ٩٣٢ / ٢٤ ]