انتحار
للكاتب الفرنسي جورج مورفير
سان رومانو! كم هو بلد جميل رائع! فيه يدرك الإنسان المعنى الذي تنطوي عليه كلمات فلوبير: هنالك بقاع في العالم يود المرء لجمالها وروعتها لو يضمها إلى صدره ضمة الوجد والحنين. . . بيد أن سان رومانو وا أسفاه تشبه أيضًا ثمرة لذة فواحة لا يجسر امرؤ على تذوقها مخافة الموت الذي يقطر من عصيرها.
ولسوء الحظ لا تستطيع مناظرها الساحرة الخلابة أن تدخل السرور والبهجة على قلب الناس؛ ففي جنبات المدينة تقابلك الوجوه الذاهلة والملامح اليائسة والعيون الحيرى الآسفة. . . وفي كل مكان منها تطالعك كلمات السخط والتبرم: ألا ليتني وضعت على رقم ٧!. . . آه! هذا الأحمر الملعون، لقد كسب عشر مرات متوالية، وبالرغم من ذلك وضعت على الأسود.
ولم يكن في البلد كله من يلقي أدنى التفاته إلى المناظر الساحرة الأخاذة التي تنبت فيه. كانت الأرض عندهم (روليت) ضخمة، والسماء صفحة كتب عليها أرقام ٣٠ و٤٠ و٥٠.
وقد كنت أنا أيضا ضحية هذا البلد الخطير؛ إذ خسرت مبلغا لم يكن جد كبير، غير أنه كان كل ما أملك. وأفقت من نومي ذات صباح كيلا أجد معي سوى اثني عشر فرنكًا مع أني مدين لصاحب المنزل الذي أقيم فيه بخمسة عشر فرنكًا؛ لذلك اختبرت مسدسي فألفيته يزخر بست رصاصات قواتل كانت في ظني كافية لتمزيق رأس فارغ كرأسي. وفتحت نافذتي، كان (صباحي الأخير) رائعًا جميلًا فالسماء زرقاء صافية والأمواج خضراء هادئة والنسيم يسبق بشذى زهر البرتقال والبنفسج.
وغادرت منزلي إلى الشاطئ لأملأ صدري المنفعل بهذا النسيم الفواح. . . بيد أنني كررت عائدًا بعد أن سرت قليلًا، إذ أحسست جوعًا شديدًا، وفي أثناء عودتي ابتعت صحيفة سان رومانو المحلية، وهي صحيفة مثيرة، مجللة بالسواد كأنها رسالة حزينة.
ورحت أقلب صفحاتها إبان الطعام فاسترعى نظري عنوان (إنتحارات الأسبوع) فجال بخاطري دون أدنى انفعال: هنا سيعلن خبر موتي بعد أيام قلائل) بل وددت لو أشكر سلفًا
[ ١٠٢٣ / ٦٣ ]
محرر هذا الباب الذي سيعلن نعيي في هذه الصحيفة.
وعلقت عيناي بخبر انفرد بعلامة الصليب في صدره فقرأت فيه (وجدت بالأمس جثة جوسو جاكوبسن - أمريكي الجنس - معلقة في إحدى النخيل الذي ينمو على الشرفة - وقد وجد في جيبه مبلغ ثلاثة آلاف فرنك - طبعًا).
جوسو جاكوبسن؟ إني أعرفه. بل لقد خسرنا كل نقودنا جنبًا إلى جنب. والأمس القريب حينما خسر آخر فلس معه رأيته يتنهد في عنف وحسرة، ثم أمسك بيدي وهزها بحرارة ونظر إلي في حزن ثم ابتسم وقال بصوت خفيض (لقد دمرت. . . دمرت تمامًا. . . وداعًا يا صديقي). . . ومن ثم ذهب فشنق نفسه.
إذن، كيف أمكن أن يعثروا في جيبه على ثلاثة آلاف فرنك. . . وماذا تعني بحق الشيطان هذه الكلمة (طبعا).
ولاح لي قبس كشف لي الأمر وأبان الطريق. . يالي من غبي! كيف لم أفطن إلى ذلك من قبل. . . لقد دس - ولا ريب - أصحاب الكازينو هذا المال في جيبه لتضليل الناس وحملهم على الاعتقاد أن انتحاره لا يرجع البتة إلى خسارته بل إلى أسباب شخصية ودوافع نفسية.
وعلى ضوء هذا الاكتشاف الفجائي رحت أفكر! كم يا ترى يدسون في جيبي إذا حزمت أمري وانتحرت على مقربة من الكازينو؟ لقد خسرت بقدر ما خسر جاكوبسن. . . وسربت إلى رأسي فكرة بأسرع مما كان مقدرًا أن تسرب الرصاصة.
ثم واصلت تناول الطعام بقلب ثابت أو يكاد يكون ثابتًا؛ وذهبت بعدئذ إلى صاحب الفندق وأكدت له أني سأدفع له حسابه هذا المساء ثم أضفت:
- هذا إذا بقيت حيًا. . .
- إنا نثق فيك كل الثقة يا سيدي.
- إذن فأقرضني مائة فرنك حتى المساء. . . إني أنتظر وصول مال من باريس.
- بكل سرور يا سيدي.
وقضيت سحابة النهار على الشاطئ حيث وضعت - بروية وإمعان - خطة السير بانتحار يعود علي بربح وفير.
[ ١٠٢٣ / ٦٤ ]
وفي مساء هذا اليوم بعينه ذهبت إلى الكازينو مرتديًا أجمل أثوابي وقد أبنت للملأ أني جئت أجازف بآخر ما بقي لي. . . وأني سأموت همًا وغمًا إن لم أربح.
وطارت المائة فرنك. . . فبدأ علي الانزعاج في بادئ الأمر. . . ثم انقلبت أتأمل غاضبًا حنقًا. . . وأخيرًا بدوت كالذاهل المأخوذ.
ورثى لحالي شاب قامت بيني وبينه معرفة، وسألني ما الخبر فأنبأته بنبرات حزينة يائسة أني أفلست، فأخذ يواسيني ويخفف عني ثم قال:
- لا تيئس فما زلت تملك نفقات السفر إلى وطنك، إن الكازينو - في هذه الحال - يتطوع. . . فقاطعته بيأس قائلًا:
- إن السفر الذي أزمعه لا يحتاج إلى (تذكرة) فنظر إلي مشدوهًا وقال:
- لا أحسبك جادًا في هذا القول. . . آمل ألا تكون قد جننت.
فظللت صامتًا، ثم أدرت له ظهري ورحت أجيل بصري ذاهلًا في أرجاء المكان بضع دقائق. . . وقد لمحت أصحاب (الكازينو) يراقبونني من طرف خفي، وانفرط عقد اللاعبين في الساعة الحادية عشرة، فقفوت أثر الخارجين بوجه يحمل علائم الذهول واليأس والتفكير.
وكانت الليلة رائعة جميلة والقمر بدرًا يلقي بأشعته الفضية الناعمة على الأرض الشجراء والبحر الأزرق الساكن. وبلغ سمعي أصوات كمان حنون ينوح نوح عاشقة يائسة وجعلت وجهتي - وقد أجمعت أمري - حرشًا قريبًا من الكازينو، بقعة هادئة تعد بحق أصلح مكان لتمثيل الدور الذي أزمعته؛ وكان ثمة تمثال من الرخام لغانية من غواني البحر بدا كأنه يبتسم وأنا أوشك أن أقوم بدوري.
ودوت فجأة طلقتان ناريتان، وسقطت على أحد المقاعد في وضع مهمل وانتظرت. واقتربت مني أصوات وسقطت على عيني المسبلتين ظلال المقبلين.
- يا إلهي!. إنه هو. . .
- يا للمسكين! لقد قضى على نفسه برصاصتين معًا وسمعت بعد ذلك أحد أصحاب الكازينو يقول:
- هلم. . . أسرع قبل أن يرانا أحد. تبًا له من شيطان! أما وجد غير هذا المكان!
[ ١٠٢٣ / ٦٥ ]
ثم انحنى فوقي فشعرت كأنما اندس شيء في جيبي، هنالك ارتعدت قليلًا. . . وتأوهت مرتين، ثم فتحت عيني ببطء شديد، ونهضت من مضجعي بعناية وحرص ناظرًا في تسائل وعجب إلى الجمع الحاشد ولي. وفي عدم اكتراث أخذت قبعتي والمسدس الذي كان ما يزال يلفظ الدخان من فوهته وانتصبت واقفًا.
وكان المحتشدون ينظرون إلي كأنني حيوان غريب الخلقة وقد امتزجت نظراتهم بالعجب والاستفهام. . . وقلت في غضب:
- عجبًا لكم يا قوم! ألا يستطيع المرء قتل نفسه بعيدًا عن فضول الناس؟ لم نسمع بمثل هذا والله.
واقترب مني أحد أصحاب الكازينو ينتفض من شدة الغضب وقال في تلعثم واضطراب:
- سيدي الفاضل. . . أرجو. . . هل. . . إذا. . . ماذا تقصد بهذه المهزلة؟ سأقودك إلى البوليس لتعكيرك الأمن.
- لتعكيري الأمن؟ قول ظريف سيغدو ولا مراء حديث الموسم.
قلت ذلك ثم أوليت المجمع ظهري واتخذت سبيلي ضاحكًا من هؤلاء الناس الذين اجتمعوا بدافع الفضول وحب الاستطلاع.
وعدت إلى الفندق فسددت ديوني من الآلاف الثلاثة التي أخذتها مقابل قيامي بدور الانتحار. وقد بذلت إدارة الكازينو أقصى الجهود لاستعادة المال؛ ولكني لم أكن قط قد فكرت في إعادته، إذ اعتبرت أن هذا المال من حقي، وأيقنت فضلًا عن ذلك أن ثلاثة آلاف فرنك لا تبدو ثمنًا كبيرًا لانتحاري.
وقد عمدت إلى إغاظتهم ببقائي في سان رومانو بضعة أيام أخر أعيش عيشة الترف والبذخ ثم رحلت بعدها إلى باريس. . . وقد سمعت أن المبلغ الذي دس في جيبي قد رد إلى الكازينو أضعافًا مضاعفة.
محمد عبد الفتاح محمد
[ ١٠٢٣ / ٦٦ ]