للأستاذ محمد محمود جلال
منذ عشر سنوات كنت أعالج (ضرسًا) لدى طبيب إنجليزي يقيم في مصر من زمان طويل بل لعله ولد بها. والعجيب من أمره أنه خالف سنة قومه فأكثر من معاشرة المصريين وأتقن الكلام بالعربية، واندمج في مختلف بيئاتهم، وهو على خفة في روحه وظرف في طبعه حلو النكتة حتى لتحسبه (ابن بلد).
ففي يوم من أيام العلاج، وقد أخذ يعد دواءً، أراد أن يروح عني من شدة الألم ومرارة الانتظار بنادرة مما حفظ فقال: إن أحد الشيوخ مر ذات يوم بشارع ضيق من شوارع القاهرة، وبينما هو في سيره إذ قفز من أحد المنازل ديك على عمامته فأتلفها وهوى بها، فاستاء الشيخ وبحث عن صاحب المنزل ثم رفع أمره للقضاء. ولم يشك المدعي يوم الجلسة في صدور حكم لصالحه، فحقه في التعويض واضح، زكته اعترافات المدعى عليه في أول إجابته.
بيد أنه ذهل إذ سمع المدعى عليه يدفع بعدم الاختصاص!! والخصمان مصريان والمحكمة مصرية، وصرخ عجبًا!! قال المدعى عليه (كل ذلك حق) ولكن الديك (رومي) فقضت المحكمة بعدم اختصاصها!!!.
إحدى الخراقات الفكاهية التي لا يعدو أثرها حين تطلق في مجلس أن تنتزع ضحكة، ولا نفيد منها إلا نصيبًا من الترويح، لكنها من خير ما يصور الأثر الذي تركه ذلك النظام في بلادنا، والطابع الذي أقامه في روح الحياة بعد أن نال من مصالحنا وكرامتنا وآدابنا.
فكم تعطلت إجراءات عادلة بدعوى أفاق، حتى إذا فصل في أمره كان الزمن قد ذهب بالمصلحة والغرض، وكم من عاث تعب في أمره رجال الأمن وهو كل يوم يظهر بحيلة جديدة، وكم من حقوق مصرية بحتة أخرجت من دائرتها الطبيعية ودفعت لمجرد شبهة في صالح أجنبي، إلى محاكم استثنائية.
يعيش بيننا كثيرون يسيئون إلى سمعة دولهم أكبر الإساءة. فهم يؤجرون للتعرض في التنفيذ ويتخذون ذلك مهنة لهم، وإني لأذكر واحدًا تعرض مرة في تنفيذ حجز على محصول لقاء مبلغ الإيجار - وكان المتعرض شخصًا معروفًا للناس تأنف منه الجالية التي
[ ٦٣ / ٢٦ ]
ينتسب إليها ولا يملك شيئًا إلا هذه المهنة - ومع ذلك فقد ادعى بأنه اشترى المحصول، وكان هذا وحده إشكالًا رجع معه المحضر ليتلافى الأمر من طريق الإجراءات - فلما أخذنا المتعرض بشيء من الحزم اعترف وأخرج من جيبه (جنيهًا واحدًا). قبضه أجرًا لتعرضه.
هذا وغيره كثير الوقوع وقد أصبح حديثًا مرددًا. ولكن اليوم تشاء سخرية القدر أن يقع ما هو شر من الخرافة.
قضت أعمالي أن أغيب عن مصيفي ببور سعيد في أوائل أغسطس الماضي، فلما عدت أخبرت أن ضابطًا مصريًا جاء إلى المنزل بأمر الحكمدار الإنجليزي، وأبلغ الخادم أن (ديكًا) يزعج الجار الأوربي، فهو يأمر بنفيه إلى (السطوح) أو ذبحه!!
ليس بالمنزل سلم (للسطح)، ومكان الطيور بالحديقة بناه المالك ولا يد لنا بتغييره، لأننا نشغل المنزل لموسم الصيف، وإذن نفذ الأمر، وذبح (الديك) مأسوفا عليه من الدجاج مسطرًا بدمه صحيفة عن آثار الامتيازات والعبث بالكرامة!! ضابط خلق لمهمات عالية من صيانة أرواح وأموال وأعراض، يحمله الرئيس الإنكليزي رسالة حقيرة في أمر حقير!!
عندما يحس الجار إقلاقا لراحته يكفي في دفعه عادة كلمة طيبة لجاره، وتقفه رسالة من خادم لخادم. هكذا نفعل، ولكن الاعتزاز بالامتيازات والاحتلال بدل الجوار الحسن تفرقة وتحكما.
ولست أشك في أن المناحة التي أقامتها الدجاج حزنًا كانت قوية مؤثرة تضاعفت معها حركة الأقلاق، مما جعل الجار يندم على شكواه والحكمدار يرفه عنه، ولعلهما نسيا بهذه الصيحات المزعجة صوت الديك (الفقيد).
وأمام ما تخيلت ثقة بوفاء هذه الطيور تساءلت: (ألم يتجدد الأمر بذبح البقية المقلقة؟) فلما أجبت بالنفي قلت: لعل الآمرين قد أُخذا بروعة الوفاء وصعقة الحزن فنسيا الجريمة!! أو لعل في ذلك إشارة إلى قرب الخلاص!! والله سميع مجيب.
على أن في بيت الجار التالي (دجاجًا) سمعت صوتها وصياحها ولكن الشاكي لا يتحرك!! والحكمدار الإنجليزي لا يهتم! والضباط المصريون لا يسخرون! لأن الجار يتمتع بالامتيازات، وما في كنفه تابع له، ولو أن الديك (بلدي).
[ ٦٣ / ٢٧ ]
ولقد هممت أن أكتب إلى الحكمدار - واحدة بواحدة - ولكني خشيت أن أكون سببًا في نكبة تحل بواحد أصله (مصري) وأنا الذي أفدي الوطن وما ينسب إليه بكل غال.
أنظر إلى ما حدث على تفاهته - انه سيصبح حديثًا يتناقله خادم طارئ عن خادم مقيم! وينشره الأول والثاني - ثم يصبح موضوعًا يتنادر به أكثر من جماعة في مقهى أو شارع أو مجلس، ثم تبني عليه نوادر وخرافات أصلها حقيقي عن أمر صدر من رئيس كبير وبلغه مرءوس كبير، ثم قل بعد ذلك ما شئت في التسلسل الطبيعي وأثره في البيئة وما ينشأ عنه من إكبار النفوس البسيطة للنفوذ الأجنبي - وما يتبع ذلك من صبغها بنوع من الخنوع أو نوع من الوجل.
ولكن الله ﷾ يتدارك الشعب بأبنائه النابهين وما أظن نافذًا بإذنه إلا مشيئة البلاد.
ولقد راجعت نفسي وواجبي فكتبت إلى الحكمدار منبها إلى كرامة الضباط وغرابة الحادث، ودخول البيوت بغير إذن، وهم العاملون المكلفون بطبيعة وظائفهم بالسهر على الحقوق.
وبعد: أليس في الخرافة الأولى حق وعظة؟
محمد محمود جلال المحامي
[ ٦٣ / ٢٨ ]