في الأدبين العربي والإنجليزي
للأستاذ فخري أبو السعود
نالت الآداب العربية من تشجيع الأمراء في مختلف العهود ما لم تكد تظفر به آداب أمة أخرى؛ ومن الأقوال المتواترة في كتب الأدب العربي وتاريخه أن ذلك التشجيع كان من أهم أسباب ازدهار الأدب، ولكن الحقيقة التي يراها المدقق أن ذلك التشجيع لم يكن له ذلك الأثر الطيب المعزوّ إليه، بل كان له في الأدب العربي أثر وخيم بعيد المدى.
ذلك بأن الأمراء حين شجعوا الشعر وقربوا الشعراء وأغدقوا عليهم لم يقصدوا إلى تشجيع الفن لذاته أو إكرام أصحابه، وإنما كانت لهم غاياتهم الشخصية ومأربهم السياسية المعروفة، فكانوا يريدون من أولئك الشعراء التزكية وإعلاء الصيت ومناضلة أعدائهم والذب عن دعواهم في الملك والسيادة، ولذلك لم يطلبوا عندهم سوى فن واحد من فنون الشعر هو المدح، ولم نعلم عن أمير أجاز شاعرًا لنبوغه في الوصف أو النسيب أو قول الحكمة وصرب الأمثال.
فالشعر الذي شجعه الأمراء هو المدح دون غيره، وليس المدح بخير فنون الشعر ولا هو من الشعر على الإطلاق لمنْ طلب في الشعر تعبيرًا عن شعور صادق قيم؛ وما كان المدح الذي أفشاه أولئك الأمراء في الشعر العربي إفشاء لا نظير له يحوي شعورًا صحيحًا ولا تفكيرًا مستقيمًا.
إن أول خصائص الشعر الجيد صدوره عن دافع وجداني داخلي، وهذه صفة كانت تنقص شعر المدح الذي كان لا يصدر إلا عن دافع مادي هو صلة الممدوح، وإن لم يحسَّ الشاعر بحب له ولا إعجاب به، حتى ولو أضمر له البغض والإزدراء. فلا غرو، وقد فقد شعر المديح هذه الصفة الأساسية أن خالطه الكذب وأسرع إليه التهويل والمبالغة والتهافت والإسفاف والإحالة، وأغرى معالجيه بسد نقص الشعور بالتلاعب باللفظ واصطناع محسناته، وأولعهم بالسرقة من متقدميهم وتعَاوُر معانيهم توليدًا وتخريجًا وابتذالًا، حتى لم تَعُدْ غاية قرض الشعر التعبير عن الشعور الصحيح - لأنه لم يكن هناك في الغالب شعور - بل عادت الغاية إبداء البراعة ومعارضة المتقدمين واستدرار أكبر الصلات.
[ ١٢٣ / ٣١ ]
وشعر المديح استتبع ضربًا آخر من الشعر ليس أقل منه حطة في المرتبة وبعدًا عن أغراض الشعر الصحيح، وهو الهجاء: لأن إرضاء الممدوح كان يستتبع ذم خصومه، ولأن المادح المخيَّب كان ينقلب في الغالب هاجيًا مفحشًا لممدوحه أو للشاعر الذي زاحمه ونال الحظوة دونه، ولأن بعض الأمراء كان يشجع تراشُق الشعراء ببذيء القول شَغْلًا لأذهان الناس، وكان من ثمار هذه الخطة مقذعات جرير والفرزدق والأخطل.
واستتبع شعر المديح ضربًا آخر من النظم بعيدًا عن الشعر الصحيح والشعور المستقيم امتلأ أيضًا بأنواع الأغراب والإغراق والإسفاف، ذلك هو النسيب الاستهلالي الذي ألتزمه الشعراء المدَّاحون من أهل الحضر تشبها بالمداحين من الجاهليين وإمعانًا في تقليدهم.
وكل هذه الرذائل التي تجمعتْ في شعر المديح - لخلوه من الدافع الوجداني والشعور الصادق - إنتقلت إلى ضروب القول الأخرى ففشت في الشعر كله عيوب التقليد والمبالغة والصناعة اللفظية ومحاولة إبداء البراعة.
واسترقَّت هباتُ الأمراء - للأسف الشديد - رِقَابَ معظم أقطاب الشعر العربي، فلم ينزِّه شعرَهُ عن طلبها إلا القليل جدًا ممن أبت لهم ذلك ظروف خاصة، كالشريف الرضي وأبي العلاء، وأضِيعَ جانبٌ من عبقريات أبي نواس والطائي والبحتري وابن الرومي والمتنبي وغيرهم من الفحول في نظم الأكاذيب والمفارقات طلبًا لجوائز الأمراء، فكان من أقوال هؤلاء الفحول:
تعود بسط الكف حتى لو أنه ثناها لقبضٍ لم تطعه أنامله
تكاد عطاياه يجن جنونها إذا لم يعوذها بنغمة طالب
وقد زعموا أن النجوم خوالد ولو حاربته ناح فيها الثواكل
وكشفن عن بَرَدٍ خشيتُ أذيبه من حر أنفاسي فكنتُ الذائبا
والمتأمل لهذه الأبيات يرى إلى أي حد من تفاهة المعاني وكذبها واستحالتها قد خرج المديح بالشعر وبفحول الشعر؛ بيد أن النُّقَّاد انساقوا في ذلك التيار، فعدُّوا هذا السفساف من غرر أولئك الشعراء وراحوا يقابلون بين هذه الأقوال ويفاضلون بين قائليها، والأديب الذي يريد من الشعر التعبير الصادق عن الشعور الصحيح لا يرى لأحدٍ من قائليها فضلًا بل يحذفها من عداد الشعر جملة.
[ ١٢٣ / ٣٢ ]
ولو أعرض أولئك الشعراء عن تلك السبيل وقَصَرُوا القول على بيان شعورهم الصحيح وأفكارهم الصادقة وتوفروا على الفن الذي حبتهم به الطبيعة جاعليه غاية لنفسه، إذن لربح الشعر العربي ربحًا جزيلًا ولَوَسَّعُوا من أغراضه وأوضاعه ورحّبوا من أطرافه وآفاقه.
هذا أثر تشجيع الأمراء للشعر وصلتهم للشعراء: إدخالٌ لفارغ القول وكاذبه وسفسافه، وإزاغة للنظرة إلى الغرض منه، وتقييد لأغراضه ومذاهبه، وقعود بهمم رجاله عن استيفاء غاياته، وصرفٌ عن جِدِّ التفكير ونافعه؛ ولو أراد الأمراء بالشعر خيرًا لكفُّوا عن رجاله صِلاتهم فطلب الشعراء الرزق من أبوابه التي يطلبه الناس منها، ونَّحوا الشعر عن المادة، وأبقوه كما يجب أن يبقى ترجمانا لمشاعر النفس ووصفًا لروائع الكون فجاء الأدب العربي أشد انطباعًا بطابع الصدق مما كان.
لم يكن للأدب الإنجليزي - لحسن حظه - مثل هذا الاتصال الوثيق ببلاط الأمراء، ولم يتخذ حلية من حلي القصور وآلة من آلات السياسة إلا فترة وجيزة في أواخر القرن السابع عشر خالطه فيها الضعف والاستهتار والمجون وملاحاة، ثم كانت للأدباء بالنبلاء في بعض القرن الثامن عشر صلة، ولكن شتان بينهم وبين صلة من تقدم ذكرهم من الشعراء بالأمراء من العرب: كان الأديب يؤلف فيما عنَّ له ونال اهتمامه من موضوع ثم يهدي كتابه عند نشره إلى النبيل الذي يتولاه برعايته، وليس في هذا ضرر يقاس بالأضرار التي تقدم ذكرها في الأدب العربي.
وقد نشأ منصب شاعر الملك في إنجلترا منذ زمان، ولكن الشعراء الذين شغلوه لم يتوفروا على الملوك توفر شعراء العربية، ولم يشغل المنصب من كبار الشعراء إلا القليل، وكان اختيارهم لملئه تقديرًا صحيحًا لسالف جهودهم في عالم الأدب، ولم يكن ما قالوه بصفتهم شعراء الملك بخير ما قالوا، ولم يكن بالكثير، ولم تزل وظيفة شاعر الملك تتضاءل حتى صار المنصب إسميًا فخريًا لا أكثر.
وقد جاء الأدب الإنجليزي لخلاصه من لوثة تشجيع الأمراء - أو بالأحرى تسخير الأمراء - وزلفى الأدباء إليهم حرَّ النزعة طليق الفكرة بعيد المرمى صادق التعبير، يعبر عن إحساسات الفرد ويترجم عن عواطف الجماعة، وانفسحت أمامه الآفاق إذ خلا من القيود، فتعددت أغراضه وتكاثرت أوضاعه، إذ كانت وجهته دائمًا وجهة كل الفنون الرفيعة:
[ ١٢٣ / ٣٣ ]
التعبير الجميل عن شعور الإنسان الصحيح بروائع الحياة، بعيدًا عن ذلك الغرض المادي الدخيل الذي تعثر الأدب العربي في قيوده طويلًا.
فخري أبو السعود
[ ١٢٣ / ٣٤ ]