للأستاذ جمال الزرقاني
أعجبت أشد الإعجاب بسلسلة مقالات (الجمال البائس) للأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي وتتبعتها بمجلة (الرسالة) الغراء؛ وأعجبت منها خاصة بتصويره للقانون في مقاله الأخير ورميه بالفجور وقوله على الأستاذ (ح): (فالحقيقة التي لا مراء فيها أن فكرة الفجور فكرة قانونية، وما دام القانون هو الذي أباحها بشروط، فهو هو الذي قررها في المجتمع بهذه الشروط). وهذه فكرة كانت ظاهرة خافية معًا؛ فهي في القانون ولم ينتبه لها أحد ولا من رجال القانون. وقد صار من حق (الرسالة) وقرائها عليَّ أن اكشف هذا المعنى كشفه القانوني ليعرف القراء كيف غُرس الفُجور غرسًا في قوانيننا المصرية.
لا مشاحة في أن قانون العقوبات قد اهتم لعقاب الجريمة بعد وقوعها اكثر من اهتمامه بالاحتياط لها والعمل على منعها قبل حدوثها؛ فمهمته في الواقع لم تخرج عن بيان الأفعال التي يعتبرها الشرع جرائم ومقدار الجزاء على كل منها، فهو يتضمن القواعد الموضوعية للقانون؛ بينما اهتم قانون تحقيق الجنايات (بالنظم والإجراءات) التي يجب أن تراعى لتنفيذ قانون العقوبات، أي لمعرفة الجاني إذا ما وقعت الجريمة، فهو يتضمن القواعد الشكلية فكلا القانونين اهتما كما قال الأستاذ الرافعي (لحالة الجريمة لا للجريمة نفسها) وتركا مسألة الجريمة وبلا احتياط لمنعها قبل حدوثها للقوانين البوليسية وللعقوبات الأدبية، وبهذا أضافا للخطأ خطأ آخر إذ أغفلا مسألة واقعة وهي أن العقوبة الأدبية قد أضعفتها عوامل المدنية الحاضرة ولم يبق في أكثر النفوس إلا سلطان القانون وحدوده. .
والسبب في تقصير القوانين الجنائية هذا التقصير الفاضح وخاصة في بلاد إسلامية تتخلق بأخلاق الفضيلة، هو أجنبية هذه القوانين فإنها فرنسية الأصل، فرنسية الوضع، فرنسية التطبيق، فرنسية المرجع، فمن ثمَّ لا يؤدي إلا ما تؤديه القوانين الفرنسية في بلادها. أما حالات الشرق الخاصة وتقويم تقاليده وأخلاقه، فهي عمياء عنه أو تخبط في عمياء؛ ومن البلاء أن نقل هذه القوانين كان من عمل متشرعين أجانب بعيدين عن المحيط القومي فنقلوا نقلًا ممسوخًا أضاع كل فائدة ترجى وخاصة في صميم المسائل الأخلاقية الشرقية. بل إن القانون وقف من هذه الأخلاق موقف الجامد الغافل أو المشجع المستهتر بالأباحة.
[ ١٢٢ / ٢٦ ]
ولو أنا عرضنا قانون العقوبات ووضعنا بعض المواد الصماء تحت نظر الفاحص لوضحت فكرتنا، فمن المعروف قانونًا أن حرية النيابة في (تحريك) الدعوى العمومية وفي استعمالها ليست مطلقة كل الإطلاق، فهناك أحوال تحد من تلك الحرية، ومنها ما يستوجب الإذن من صاحب الشأن كالحال في دعوى الزنا. والزنا في القانون يختلف عنه في اللغة وفي الشريعة، وبهذا اقتصر القانون على اعتباره كذلك إذا وقع من الزوج أو الزوجة وشريكيهما، وأحاطه بشروط خاصة ضيقة اشترط فيها قيام الزوجية فعلًا أو حكمًا. فالفعل الواقع من الزوج أو الزوجة أثناء الخطبة أو بعد الطلاق البائن لا يعتبر جريمة. وكأن القانون في نقله ذلك عن المواد ٣٣٦ - ٣٣٩ من قانون العقوبات الفرنسي قد أغفل الأخلاق الشرقية وتناساها وترك حبل الشيطان على غاربه، بل هو قد شجع على ارتكاب هذا العمل من غير الزوج أو الزوجة بالشروط الخاصة بجريمتيهما، بل أكثر من ذلك أتاح الفرصة للزوج أن يفعل فعلته النكراء في غير منزل الزوجية بلا عقوبة. وبذلك ترك الأسرة تتدهور بتدهور عائلها ووقف موقفًا غريبًا في صدد المساعدة على التدهور الأخلاقي، فجعل الحق في رفع دعوى الزنا للزوج وللزوجة وحدهما، فإذا رضي أحدهما عن فعلة الآخر وقف القانون مكتوفًا لا يمكنه التحرك إزاء العمل على سقوط الأسر واختلاط الأنساب والقضاء على الأخلاق، بل إنه يقف حائلًا دون الزوج نفسه في (تحريك الدعوى العمومية) إذا ما وقعت منه يمين الطلاق وهو في جنون غيظه من جريمة زوجته، وبذلك تتقي الزوجة وشريكها صولة القانون ويكون الطلاق كأنه محا الجريمة قانونًا مع أنه لم يقع إلا بها.
ولا دلالة على نقل القانون المصري نقلًا جامدًا عن القانون الفرنسي أكثر من وقوفه بالمادة ٢٠١ عقوبات في جانب الزوج الذي يقتل زوجته في حالة التلبس بالجريمة، معتبرًا ذلك ظرفًا قانونيا مخففًا يعاقب فيه بالحبس فقط، ثم يأبى ذلك على الأب والأخ الذين يمتد إليهما عار الجريمة أكثر من الزوج، فالزوج يتخلص منه بالطلاق، أما هما فالعار قد لصق بهما. وهذه القاعدة الفرنسية كانت معقولة في فرنسا في وقت وضع قانون العقوبات الفرنسي إذ كان الطلاق وفقًا للمذهب الكاثوليكي غير جائز، وإذ كانت الجريمة من ذلك لاصقة بالزوج أكثر من التصاقها بأسرة الزوجة.
[ ١٢٢ / ٢٧ ]
ومن التخريجات الغريبة والتطبيقات التي تنشأ عن القانون الجنائي المصري في هذا الصدد، حالة ما إذا فاجأ الزوج زوجته وشريكها، فحاول قتلهما فقتلته الزوجة أو شريكها، فلا عقوبة على فعلهما لاعتبار ذلك دفاعًا شرعيًا عن النفس؛ ثم إنه بعد ذلك لا عقوبة على جريمة الزنا التي اقترفاها إذ فد مات الزوج صاحب الحق في الدعوى ضدهما. ولو حدث أن قتل الزوج زوجته سقط بذلك حقه في الدعوى ضد شريكهما، لأن حظ الشريك مرتبط بحظ الزوجة الزانية فيستفيد مما كان يفيدها. وقد ماتت فالشريك يعتبر بريئًا إذ لا عقوبة عليه إلا إذا حكم على الزوجة، وهذا غير متيسر لموتها.
وكذلك القانون لا يعاقب على جريمة الفسق ولا على تلك الجريمة النكراء الشنعاء: جريمة اللواط متى توفر الرضا إذا كان سنَّ الفتى أو الفتاة أكثر من ست عشرة سنة. فكأن القانون يشجع ذلك بعدم وضع الحظر عليه، بل أكثر من هذا فإنه يقف موقفًا غريبًا بالنسبة للقاصر إذا جاوز السادسة عشرة فإنه يبيح له أن يجني ويبيح الجناية عليه. . . . بلا قيد، بينما لا يبيح له الزواج أو التصرفات المدنية إلا برضا وليه أو وصيه حسب الظروف، وهذه مسألة من الخطورة بمكان عظيم إذ تترك الشبيبة الناشئة تتلاعب بها الأيدي والأغراض، وتجرها المفاسد إلى غير مستقر بدون رقيب عليها، وهي عدة المستقبل وآمال الأمة. فإذا كانت هذه الشبيبة على ما يحوطها من المفاسد ويغريها لا يحميها القانون فيا سوءة المستقبل، ويا ضياع الآمال، ومن الواجب المحتم أن يتنبه المشرع إلى هذا النقص التشريعي فيسارع إلى علاجه قبل استفحاله كيلا يتهم بالمساعدة على التدهور الخلقي وعلى إفساد الأمة في أساسها الحي الذي هو الفتى والفتاة.
هذا بعض من كل من الأمثلة الدالة على فُجر القانون والمشجعة لضروب المنكر_قد يقال إن روح القوانين الحديثة أن تتجه نحو الحرص على عدم التعرض بالعقاب للجرائم الأخلاقية إلا في حدود معينة، فلم يعاقب على الرذائل والآثام لذاتها؛ بل لما يترتب عليها من الضرر للأفراد أو للمصلحة العامة. ولكن الرد على هذا سهل يسير وهو: أنه ما من جريمة أخلاقية إلا أصاب الغير ضررها بالذات أو بالواسطة حالًا أو مستقبلًا، وذلك بانتشار الرذيلة الذي يتبعه تأثر الوسط وفقدانه حيويته؛ والذي يتبعه حتمًا كنتيجة مباشرة إنهيارُ البيئة الإجتماعية وتفشي الأمراض الخبيثة بينها وازدياد الأدواء المختلفة الجسمانية
[ ١٢٢ / ٢٨ ]
والأخلاقية، وبذا تتأثر المصلحة العامة؛ فلا حجة في تلك الحجة.
ومع ذلك فإن كثيرًا من القوانين الحديثة لا تزال تحرم الرذيلة لذاتها، والقوانين الإنكليزية والألمانية والنمسوية والمجرية تعاقب على اللواط ولو وقع بالرضا، كما تعاقب أيضًا على اتخاذ القيادة حرفة ومرتزقًا؛ والقانون السويسري يعاقب على البغاء.
وهذه هي قوانين الدول المسيحية؛ أما الدول الإسلامية فإن قوانينها ولا كُفران لله قوانين واسعة سمحة. فيا ليت الحكومات الإسلامية تعمل بهذه الطريقة العكسية فتضع للشيطان قانونًا على الضد من طباعه، وبذلك يجئ قانون الشيطان مصلحًا لقانون الإنسان. . . . . .
جمال الزرقاني لسانسييه في القانون
[ ١٢٢ / ٢٩ ]