اكروبوليس أثينا
-
للدكتور أحمد موسى
الجمال في هذا الوجود كثير، ولكنه ليس رخيصًا؛ ولذلك كانت معرفته والاستمتاع به شان فئة معينة من الناس. وكان من أهم ما نظرت إليه الجامعات الأوربية الحديثة وجوب تدريس مادة علم الجمال ضمن دراسة الفلسفة، ومادة تاريخ الفن العام وعلم الآثار بعد إكمال دراسة التاريخ والجغرافيا؛ فبالأولى نتمكن من معرفة الجمال بقواعد تؤدي إلى ترقية حواسنا وتهذيب تقديرنا، وتقريب استمتاعنا من الكمال، وما ينبني على هذا كله من تمهيد السبيل إلى إكمال سلسة التطور الفني والوصول بها إلى الغاية المقصودة دون ركود أو انحطاط. وبالثانية نسجل ماضي الفن تسجيلًا علميًا نقيس به الحضارات ونعمل على ربط الحاضر بالماضي وبالمستقبل فيكون التطور طبيعيًا والتقدم منتظرًا
وإذا رجعت إلى حضارة أي شعب أو أمة، وجدت أن الآثار والفن من أهم مواد التسجيل لمقياس مدى هذه الحضارة؛ فكأننا بدراساتنا هذه نقصد الوصول إلى معرفة الوسائل التي بها نستطيع تكوين حضارة حقيقية ترجع في جوهرها إلى معرفة نواحي الجمال الفني، فضلا عن الاستمتاع واللذة نتيجة صدق التقدير.
وإذا نظرنا إلى مصر وجدنا أن الفن فيها عظيم، وان الطبيعة منحتها الكثير من جمالها، ومع هذا يجهل كثير من أبنائها ما فيها منه، وليس جهلهم هذا نتيجة مباشرة لجهلهم العام دائمًا، ولكنه نتيجة لإهمال مدارسنا لعلم يعد اليوم من أهم العلوم الدراسية في أوروبا التي نأخذ عنها الكثير.
والظاهر أننا بحسب مولدنا والبيئة التي نشأنا فيها قليلو التأمل فيما نراه - وأثر ذلك واضح في كثير من تصرفاتنا العامة حتى في مطالعتنا، ترانا نقرأ ما نقرأ بطريقة أوتوماتيكية خالية من الأخذ والرد تبعدنا غالبًا عن الاستمتاع.
وإذا نظرنا إلى الطبيعة فإننا قد لا نستطيع أن نتذوق ما يسميه الغير جمالًا؛ وإذا شاهدنا
[ ١٨٧ / ٦٢ ]
معبدا أو كنيسة أو جامعًا أو صورة صعب علينا التعرف على ما فيها من سر الجمال والإنشاء.
وإذا كان من نصيب البعض زيارة متاحف أو معارض فنية، وكان من شانه وصف ما شاهد، أو نقد ما عاين، أو تكوين رأي شخصي، تراه لا يخرج فيما يكتبه أو يقوله أو يقرره عن مديح وإطراء أو ذم وتقليل ليس فيه قيمة دراسية تعود على القارئ أو المستمع بأي تثقيف أو فائدة، بل على النقيض من ذلك قد تضر استعداده الفطري وتنقص منه؛ وذلك ما حدا لي في الواقع إلى الاتصال بالأستاذ الكبير رئيس تحرير هذه المجلة، بقصد التحرير في تاريخ الفن وتاريخ الآثار أجمالا، حتى أستطيع بذلك أن أقدم للقارئ تعاريف إجمالية تكوين خلاصة هذه الدراسات، إذ بها يمكن اكتساب المعرفة الحقة لعلمين مهمين يؤديان بنا إلى التعرف على ما في حياة الإنسان من تراث فني مجيد، ويكسبنا ناحية من الاستمتاع قد لا يمكن الوصول إليها دون المعرفة الدراسية ولاسيما وبيئتنا لا تزال تخلو من هذا النوع من التثقيف.
وقد فكرت كثيرًا في الخطة التي يمكنني السير عليها، ووجدت أن الملائم للقراء وجمهرتهم من الأدباء والمثقفين، إلا أنحو نحوًا مدرسيًا بحتًا قد يمل القارئ، فتراني مرة أكتب عن روبنز وأخرى عن جويا وثالثة عن رمبراندت، ثم تراني أنتقل فجأة إلى اكروبوليس أثينا، مع أن الصلة المدرسية أو المنهجية بين هذه المقالات وبعضها مفقودة تمامًا؛ كما أني لم اعرج على الفن المصري أو الإسلامي بعد، ولكني أتعمد هذا الأعراض مؤقتا، كما أتعمد الانتقال المفاجئ لأمرين: أولهما تشويق القارئ كل مرة بقراءة شيء جديد مخالف لسابقه؛ وثانيهما إعطاء الفكرة العامة عن ماهية تاريخ الفن وتاريخ الآثار في ابسط عبارة تؤدي إلى معرفة وسائل القياس بواسطة الفن المقارن، وبذلك تكمل حواسنا، وندرك الجمال على الوجه المتقدم.
على أنه كان ولابد من جعل الدراسة منتظمة، فهذا ما سيكون بطبية الحال في النهاية؛ إذ يمكن عندئذ، بعد عمل ترتيب بسيط، جمع فناني كل مدرسة على حدة، ووضعهم معًا وضعًا تاريخيًا، وهذا الترتيب يمكن أجراؤه فيما يتعلق بتاريخ الآثار أيضا.
واليوم أقدم إيضاحًا عن اكروبوليس أثينا الذي يعتبر آية من آيات الفن القياسي، إلا أني
[ ١٨٧ / ٦٣ ]
مضطر للإشارة إلى تاريخ أثينا نفسها قبل الدخول إلى اكروبوليس اضطرار من يريد تاريخ الأزهر مثلًا، فيعرج على تاريخ القاهرة وعلى ما كان لها من الشان أيام إنشائه
كانت أثينا من ناحية حضارة الإغريق مركز الحياة اليونانية، وكانت من الناحية السياسية من أهم بلاد الإغريق حينا، وعاصمة لها حينا آخر.
قامت هذه المدينة على مرتفع أكسبها بروزًا هامًا في مقاطعة أتيكا بين نهيري اليزوس وكفيزوس وعلى بعد خمسة كيلومترات من شاطئ البحر وسبعة كيلومترات من ميناء بيريوس. يرجع إنشاؤها إلى الملك ككروبس اختار لها هذا المرتفع لحسن ملاءمته. ثم أقيم مكان هذه المدينة بناء قلعة اكروبوليس الذي خصص للحفلات الدينية والحربية في عصر الحضارة الإغريقية، بعد إصلاح الأرض وتسطيحها ثم إحاطتها بسور عال من كل الجهات (ش ١) فكان بذلك أهم بناء في أثينا، وقد جعل المدخل في الجهة الغربية للمرتفع مكونًا من مداخل بعضها خلف بعض لتعزيز الوصول إلى اكروبوليس، ولأمكان عمل الرقابة اللازمة عند الدخول إليه أو الخروج منه، وسمي هذا المدخل في ذلك الحين بلاسجيكون نسبة إلى ما يقال من أن مؤسسيه كانوا البلاسجر (ش ٢)
وفي داخل المرتفع المحاط بالسور سكن ملوك هذه المنطقة من أتيكا، وبجوار تمثال الإله زويس بني معبد هيكاتومبيدوس وهو اقدم المعابد، وفيه أقيم تمثال أثينا بولياس وتمثال الإله ارشتايوس وعلى اسمه بني بعدئذ معبد ارشتايون، وتمثال بوزيدون إله البحر والزلازل.
كثر سكان أثينا وزحف جزء منهم تدريجيًا إلى جنوب وغرب المرتفع، فكان أمام المدخل وعلى بعد مناسب منه أول سوق تجارية
ونظرًا لاتحاد سكان اتيكا وتكوينهم مقاطعة متحدة الأطراف عملًا بإرادة الملك تيستوس اتسعت دائرة المدينة وزادت قيمتها الاجتماعية والسياسية فأصبحت العاصمة.
أما السكان الذين زاد عددهم كثيرًا عن قبل فقد امتدوا بمساكنهم إلى الأطراف خصوصًا إلى الجزء الغربي، حيث سكن صناع الفخار، ولذلك سمى هذا الموقع حي الفخارين
اشتغل الفنان بيسستراتوس وأولاده بتجميل المدينة مبتدئين بالجزء الشمالي الغربي منها، فبنوا هيكلًا شمل الاثني عشر إلهًا، كان بوضعه ملتقى الشوارع التي أنشئت وتقاطعت
[ ١٨٧ / ٦٤ ]
عنده.
ثم أبتدأ بيسستراتوس وأولاده أيضا في بناء معبد زويس الأولمبي بالطرف الجنوبي الشرقي وسموه معبد ألمبيون على أن بناءه لم يتم إلا بواسطة هدريان كما أنهم أضافوا إلى مباني معبد أثينا القديم مدخلًا مكونًا من أعمدة أقيم في أعلاها إفريز رسومات شملت تماثيل تبين مواقع حربية؛ أما المدخل العام للمرتفع فأنهم أدخلوا عليه كثيرًا من التحسينات البنائية، فأصبح مدخلًا فخمًا بكل معاني الكلمة.
ولم يترك بيسستراتوس البئر الموجودة بالسوق القديم دون تحميل، فبنى حولها بناء ظاهرًا، كما بنى الجهة الشرقية دائرة ليكايون لتقديس أبولون؛ على أن بناءها لم يتم إلا بواسطة بركليس. وقد تحولت هذه الدائرة فيما بعد إلى جمنازيوم أقيمت فيه الحفلات الرياضية منذ أيام الحاكم ليكورجوس
وبعد ثورة تيرانيس وانتصار الديموقراطية بواسطة كلايسثينس في نهاية القرن السادس قبل المسيح أصبحت أهمية أثينا عظيمة وقيمتها الاجتماعية أعظم.
وبعد عام ٥٠٠ ق. م. أقيم مكان خصص للرقص في الموضع المخصص للإله ديونيزوس في الجنوب الشرقي للمرتفع تطل عليه أماكن صنعت من الخشب لمشاهدة تمثيل المناظر الدراماتيكية التي مثلت أيضا في هذا المكان.
ظل الحال كذلك حتى جاء الفرس محاربين (٤٨٠ - ٤٧٩ ق. م) فدمروا المدينة وهدموا معظم مبانيها. وكانت فترة إقامتهم قصيرة، فعاد الأثينيون إلى أثينا نشطين، وأخذوا يعيدون الحال إلى ما كانت عليه مبتدئين ببناء سور جديد بطول ثمانية كيلومترات.
وواصل المهندس تيميستو كليس أعماله البنائية بميناء بيريوس وهي التي بدأها قبل الحرب الفارسية، ثم أنتقل إلى مواضع أخرى أنشأ عليها مواني أخرى غير بيريوس.
أبتدأ رؤساء المدينة بالإشراف على أعمال التأسيس والبناء، وأول ظاهرة لهذا اهتمام كيمون بتوسيع الجهة الغربية لمكان القلعة وبجوار مدخل اكروبوليس، وذلك ببناء أكتاف عريضة أقيم على جزء منها ومن المسطح الأول معبد أثينانيكا - الذي اتخذ منه الأتراك عام ١٦٨٧ طابية لهم؛ فتفككت أحجاره وتهدم، وظل كذلك حتى أعاد بناءه المهندسان الألمانيان شوبرت وهانزين تحت أشراف العالم الأثرى لودفيج روس عام ١٨٣٥.
[ ١٨٧ / ٦٥ ]
وبنى بايسيانكس أحد أقارب كيمون صالة رحبة على أجورا، وصور الفنان لوحات زين بها هذه الصالة.
انتهت أيام كيمون وابتدأ عصر بركليس الذي يعد أهم عصور أثينا فأنشأ الأوديون ثم التفت إلى تجميل اكروبوليس
وبنى اكتينوس معبد بارثنون (ش٢) وبعده قام البناء العظيم منيسيكليس ببناء المدخل الباهر للقلعة، وهو المسمى بروبيلين (ش٢).
هذا بيان موجز لنشأة أثينا وأكروبوليس وما أحاط بهما لم يكن منه بد.
للكلام بقية
أحمد موسى
[ ١٨٧ / ٦٦ ]