وحي القلم
تأليف الأستاذ مصطفى صادق الرافعي
اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم
للدكتور عبد الوهاب عزام
أنا معجب بالرافعي منذ قرأت له. وأحذر أن يغطي الإعجاب على بصري، وتكل عين الرضا عن العيوب، وقد اتهمت نفسي، ولتكافئ التهمة الإعجاب، ويعادل الحب الارتياب.
الرافعي نسيج وحده؛ تقرأ له فتشعر أنك في اختراعه وتصويره، وبيانه وتفكيره، لا يذكرك بأحد، ولا يذكرك به أحد. وحسب الكاتب أن يكون كونًا مستقلًا يستملي الضمير، ويبدع في التصوير، وكثير من الكتاب قوالب تختلف أحجامها وأشكالها ولكنها صور مستعارة لا تفتأ تستعير مادة عملها.
بين شعراء الفرس شاعر تسمى (خلاق المعاني)؛ والرافعي في وحي القلم جدير بهذا اللقب. وما اعسر الخلق هنا وما اصعب الإبداع. يعمد إلى الحدث الصغير ذي المعنى المحدود فيحطم حدوده ويصله بالبشرية كلها، أو يشيعه في العالم كله، ويصوره صورًا تلقى القارئ بجدتها وروعتها: والكاتب الملهم يرى الخليقة أسبابًا متصلة، ومعاني متجاوبة، وصورًا متجاذبة، فما يبصر ذرة إلا رأى وراءها الفلك، ولا يمسك شعاعًا إلا جذبه إلى الشمس، وكأن كل شيء في الوجود عين تطل على العالم غير المحدود. تنثال عليه الفكر وتتزاحم أمامه الصور، فيكون همه أن يشق طريقه بين المعاني المتزاحمة ويحد سبيله بين الطرق المتشعبة، وان يطرد المعاني التي لا يريدها عن المعاني التي يقصدها. فهو من الخصب في نصب - نصب الكاتب المقلد من الأجداب والأجيال.
العالم أمام الرافعي كتاب مفتوح، يدرك فيه جمال الحروف، وحسن السطور، ثم ينفذ إلى ما لا ينتهي من المعاني. وما يزال يعرض المعنى الواحد في صور رائعة حتى يدع القارئ معجبًا حيران، قد اجتمعت على القراءة خفقات قلبه، ونظرات عينه، وأسارير وجهه. فلو أن الرافعي صور هذه الخفقات وبين هذه النظرات والقسمات لاسترد البيان الذي أفاضه
[ ١٨٦ / ٦٦ ]
على قارئه
والرافعي يغرب أحيانًا، أو يدق فينبهم معناه. وفي هذا ثورة بعض الأدباء عليه، ولكن الذي آمن بقدرته فيما وضح واستبان من كلامه يؤمن انه حين يغمض يتحيل لمعنى دقيق خفي لم ترضه الألفاظ، ولم يذللُه الكتاب، أو يتلطف لفكر نفور آبد ليختله. وكثيرًا ما يخيل إلي وأنا اقرأ آبدات الرافعي إني اتبع بصري طائرًا يرتفع في اللوح ثم يرتفع حتى تضمره السحب؛ فلا تراه العين ولكنها تعرف انه في جو السماء. فان قيل أن هذا حكم الإعجاب والرضى، قلت فإني اتهم نفسي فلا ادفع عن هذه الأوابد. ولكن وحي القلم بريء من الغموض والانبهام، وإنما اكتب اليوم عن وحي القلم.
وهذا الكاتب النابغة نزاع إلى الجمال، طماح إلى الفضيلة، مولع بكل خلق كريم، فلا يعالج أمرًا إلا حلق به إلى الجمال والرأفة والرحمة والإحسان والحرية والإقدام وهلم جرًا.
وقلبه فياض بالإيمان والطهر، فإذا كتب في الدين وما يتصل به ارتقى إلى حيث تنقطع المطامع. اقرأ مقاله: (سمو الفقر في المصلح الاجتماعي الأعظم). إنها تملأ القارئ إعجابًا، وتسمو به حتى يحسب نفسه ملكًا محلقًا يرى مآتم الناس ومصائبهم من حيث لا تتعلق به ولا تستهويه؛ ولا يوفق لهذا البيان إلا مسلم ملهم كالرافعي، يكتب في حقيقة علوية كالنفس المحمدية. ثم اقرأ في مقاله: (الله اكبر) وصف المسجد ونشيد الملائكة؛ لقد قرأت فكانت تنبعث التكبيرة من قرارة نفسي، فامسكها مؤثرًا الاستماع إلى هذا التكبير الذي يدوي به المسجد؛ فلما انتهى المقال لم املك إن رفعت صوتي بآخر كلمته منه (الله اكبر)
هذه النزعات العلوية، والسمو الروحي يتجلى في مقالاته: الإشراق الإلهي، فلسفة الإسلام، حقيقة المسلم، وحي الهجرة، فوق الآدمية، درس من النبوة، شهر للثورة، ثبات الأخلاق.
الرافعي كاتب الإسلام والعربية، يتناول الحديث الصغير في تاريخ الإسلام ومآثر العرب فيجعله عنوان فصل بليغ من الحكمة والموعظة، يسايره فيه القارئ متعجبًا: كيف ولدت الواقعة الصغيرة هذه المعاني التي تحاول أن تكون تاريخ جيل؟. اقرأ (زوجة إمام) و(السمكة). واقرأ (يا شباب العرب) و(يأيها المسلمون).
وهذا الكاتب السماوي ابرع الناس تحليقًا بالحب الطاهر، وأعظمهم ترفعًا به، وأبصرهم بالمهاوي والمهالك التي يحلق عنها هذا الحب العلي الأبي. نظرة إلى السماء تصف العلاء
[ ١٨٦ / ٦٧ ]
والمضاء والطهر والسمو الروحي الذي لا يحد، ونظرة إلى الأرض تصف السقوط الحيواني، والهوى الشيطاني؛ فترى القارئ مدعوًا إلى السماء، مطرودًا عن الأرض، طائرًا إلى الخير، نافرًا عن الشر.
وإذا وصف صاحبنا الجمال، بث في العالم معانيه، ونقض عليه ألوانه، فكأنما خلق العالم خلقًا جديدًا. يخلق من الشعاع شمسًا، ومن القطرة نهرًا، ومن الوردة حديقة؛ ثم يغرد فلا يدري أهذا التغريد تفسير هذا الجمال، أم هذا الجمال تصوير هذا التغريد. . ولا يدري القارئ أهو في ربيع باهر، أم في بيان ساحر؟. وما أشبه قلمه وهو يشقق المنظر الغفل عن سرائر الجمال بإبرة الحاكية، تسلط على الصفحة الجامدة السوداء فتردها كلامًا وأنغامًا وألحانًا؛ واقرأ (عرش الورد) ترى كيف جعل ابنته على عرشها مركزًا يحيط بها الجمال فلكًا دائرًا.
ولله مصطفى حين يتغلغل في الجماعات، فيحس آلامها، ويصف أسقامها، ويعرب عما في ضمائر البائسين، وعما في رءوس المتكبرين؛ ولا يزال بالمعنى الذي يراه الناس جمادًا، يقدحه حتى يخرج منه النار والنور. ويأخذ الحادثة الصغيرة ينطقها بما وراءها، ويكشفها عما انطوت عليه حتى يقيم بها للإنسانية عرسًا أو مأتمًا. اقرأ (أحلام الشارع) تسمع أنات البشرية وتر عبراتها وتلمس مصائبها مصورة ملونة بدم المهج وماء العيون ونار الزفرات وحز الحسرات وسواد الفاقة والذلة؛ ثم تسع لعنة الإنسانية على لسان ما خلقت الإنسانية من قوانين. والعجب انك كلما أسال الحزن عبراتك طبع البيان الساحر على شفتيك بسمة إعجاب لا تملك نفيها. واقرأ (عربة اللقطاء) تر انه صاغ من أساريرهم حروفًا للهجاء تسع كل معنى، وتتمثل الآثام التي ولدت هؤلاء، والمصائب التي يحملها هؤلاء، والمفاسد التي سيلدها هؤلاء. وتقرأ (لحوم البحر) فتستمع إلى الشيطان والملك، كل ينشد أناشيده. ويستخرج الرافعي منها دعوة إلى الفضيلة ولعنة للرذيلة، وهو قادر تسخير الشيطان لبيانه. فقد أعطي في البيان ملك سليمان.
وإذا وعظ مصطفى الصادق نفذ إلى السرائر، وصور للإنسان فضائله ورذائله تصويرًا لا يدع له إن يختار إلا الأولى وان يهجر إلا الثانية. وهو لا يعمد إلى النذر يصبها على النفس صب السياط، يألم لها الجسم، ويموت القلب، بل يعمد إلى الحياة يصورها هنا على
[ ١٨٦ / ٦٨ ]
حقائقها نافيًا عنها تلبيس إبليس، وإلى القلب ينفخ فيه العظمة، ويبث فيه الفضيلة والطهارة والطموح إلى كل خير، والنفور من كل شر. واقرأ له (وحي القبور).
وهذه المقاصد الجليلة والنزعات السامية تخالطها دعابة دقيقة، وسخرية نافذة؛ ترى الكاتب يرتفع فوق العالم ثم يسخر مما عبد الناس من أباطيل وأهواء، فإذا التماثيل التي يسجدون لها تهاويل، وإذا الهول الذي يفزعون منه تهويل، وإذا العظمة والكبرياء والسلطان والجاه والغنى وكل ما عده الاجتماع عظمة لقوم وحقارة لآخرين، أضاحيك يخلقها الجهل، ويهدمها العقل، ويقدسها الإنسان حيوانا، ويحطمها الإنسان إنسانًا. . وأعوذ بالله من الرافعي إذا انطلق ساخرًا يرسل بيانه طعنات دراكًا وهو يضحك ضحك البرق في السحاب الراعد، أو لمع السيف في يد الضارب.
وبعد، فهذا وصف الروض في كلمات لو كانت أزهارًا ما مثلته، ونعت البحر في سطور لو كانت أمواجًا ما صورته. فأما الروض في بهجة جماله، والبحر في روعة جلاله، فهما ما خطه الرافعي. فإن شئت فقل جنات في صفحات، وعباب في كتاب؛ وان شئت فقل انه العالم في سطور قد انتظم، ووحي الهي سماه الرافعي (وحي القلم).
(ذلك الفضل من الله)
عبد الوهاب عزام
[ ١٨٦ / ٦٩ ]