للأستاذ ينولد نيكلسون
ترجمة حسن محمد حبشي
الفصل الثاني
ثم ملك بعده الحرث الأصغر بن الحرث الأعرج بن الحرث الأكبر؛ ومن ولد الحرث الأعرج أيضًا عمرو بن الحرث الذي كان النابغة سار إليه فارق النعمان بن المنذر؛ وكان يقال لعمرو أبو شمر الأصغر ومن ولده المنذر بن الحرث والأيهم ابن الحرث، والأيهم هذا أبو جبلة بن الايهم؛ وجبلة آخر ملوك غسان، وكان طوله اثني عشر شبرًا، وكان إذا ركب مسحت قدمه الأرض، وأدرك الإسلام فأسلم في خلافة عمر بن الخطاب ثم تنصر بعد فلك ولحق بالروم. وكان سبب تنصره انه مر في سوق دمشق فأوطأ رجلًا فرشه فوثب الرجل فلطمه فأخذه الغسانيون فادخلوه على أبى عبيدة الجراح فقالوا هذا لطم سيدنا. فقال أبو عبيدة: (البينة بان هذا لطمك؟) قال وما تصنع بالبينة؟ قال إن كان لطمك لطمته بلطمتك. قال ولا يقتل؟ قال لا. قال تقطع يده؟ قال لا، إنما أمر الله بالقصاص فهي لطمة بلطمة، فخرج جبلة ولحق بأرض الروم وتنصر ولم يزل هناك إلى أن هلك). وإن الأخبار العربية الخاصة بدولة الغساسنة لمحيرة موئسة، وقل أن تمد الباحث بأي مادة حتى يستطيع أن يؤلف من شتاتها هيكلًا تاريخيًا تقريبيًا بإضافتها إلى النتف المبعثرة في كتب المؤلفين البيزنطيين. ويظهر أن أول أمير مستقل من الغساسنة هو الحرث بن جبلة الذي اختاره جستنيانوس حوالي ٥٢٩م ليكون في جانبه ضد المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، وقد قضى الجانب الأعظم من حكمه الطويل (٥٢٩ - ٥٦٩) في حروب طاحنة مع منافسة الخطير الذي ذكر شيء عن دفاعه وموته في الواقعة الفاصلة واقعة حليمة التي أشرنا إليها آنفًا، وكان الحرث مسيحيًا يعقوبيًا، وقد دافع عن هذا المذهب دفاعًا شديدًا في حماسة منقطعة النظير في وقت كان التعلق بأهدابه إبانه مجازفة خطيرة. وان القصة التالية لتصور خلقه الخشن المخيف: ذلك انه في أخريات أيامه زار القسطنطينية ليتفق مع السلطة الحاكمة هناك عمن يخلفه من أبنائه، واستطاع أن يجتذب إليه عطف الكثيرين،
[ ١٨٦ / ٤٨ ]
وترك أثرًا عظيمًا في نفوس أهلها وخاصة ابن أخي الإمبراطور جستنيانوس؛ وبعد عدة أعوام حينما تقدم بجستنيانوس عمره وأصابه الجنون، خافه حجابه إذا اخذ يهذي بقوله: (هش سيأتي ارثاس ويأخذكم).
وخلف الحارث ابنه المنذر الذي ظهر على ملك الحيرة الجديد قابوس بن هند عام ٥٧٠م في الموقعة التي ربما كانت هي المعروفة عند العرب بعين أباغ، وربما يكون رفض الإمبراطور جستنيانوس إمداده بالمال مانعًا إياه (المنذر) من الاهتمام برعاية مصالحه؛ وكان ذلك فاتحة عداء بينهما، ولذلك تلبدت سماء صداقتهما بغيوم عداء ظل مستحكم الحلقات إحدى عشرة سنة؛ ومنذ ذلك الوقت حتى استيلاء الفرس على فلسطين سنة ٦١٢م ضربت الفوضى بجرانها، وعمت أرجاء مملكة الغساسنة، فأخذت القبائل المختلفة تختار رؤسائها الذين كانوا بطبيعة الحال، وفي كثير من الأحيان، من جفنة؛ ولكن الأسرة نفسها تحطمت تمامًا؛ وغير بعيد إن تكون قد استعادت قواها الداثرة وسطوتها الغابرة، حينما طرد هرقل الفرس من ارض سورية سنة ٦٢٩م إذ نجد الغساسنة مرارًا يحاربون المسلمين بجانب رومة، ويتفق المؤرخون العرب جميعًا على إن جبلة بن الأهيم الجفني - الذي كان له ضلع كبير في النزاع - هو آخر ملك غساني، وقد حكم حوالي سنة ٦٣٥م؛ وان الشاعر حسان بن ثابت الذي كانت تربطه رابطة القربى بالغساسنة قد زار في شبابه بلاطهم فصور لنا تصويرًا شاملًا دقيقًا ما يموج به من صور النعيم والترف والعظمة في قوله (لقد رأيت عشر قيان: خمسًا روميات يغنين بالرومية، وخمسًا يغنين غناء أهل الحيرة أهداهن إليه إياس بن قبيصة، وكان يفد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها، وكان إذا جلس للشرب فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين، وضرب له العنبر والمسك في صحاف من الفضة وأوقد له العود المندى إن كان شاتيًا، وان كان صائفًا بطن بالثلج واتى هو وأصحابه بكساء صيفية يتفضل بها هو وأصحابه في الصيف، وفي الشتاء الفراء والفنك وما أشبهه؛ ولا والله ما جلست معه يومًا قط إلا خلع على ثيابه التي عليه في ذلك اليوم وعلى غيري من جلسائه. هذا مع حلم عمن جهل، وضحك من غير مسألة، مع حسن وجه وحسن حديث، ما رأيت منه خنًا قط ولا عربدة)
ولم تكن إقامة الغساسنة ثابتة بعكس منافسيهم في الفرات، فقد حكموا الإقليم الذي حول
[ ١٨٦ / ٤٩ ]
دمشق وتدمر، ولكن هذه الأماكن لم تكن في حوزتهم أبدًا، وكانت عاصمة ملكهم البدوية (الحيرة) التي ظلت تنتقل معهم هنا وهناك، ولكنها كانت توجد عادة في الجولان جنوب دمشق، وقد استطاع الغساسنة إن ينشئوا حضارة اعظم من حضارة اللخميين لتأثر الأولين تأثرًا شديدًا بالثقافة الإغريقية، وللطبيعة البدوية التي كان عليها الآخرون الذين كانوا أوثق اتصالًا بالعرب الوثنيين الذين استطاعوا أن يسموهم بميسهم. وان بعض مظاهر هذه الحضارة لتتضح لنا من خلال الوصف الشائق لبلاط جبلة بن الأيهم، ذلك وصف الذي ينسب إلى الشاعر حسان. ولما صب النعمان الثالث ملك الحيرة جام غضبه على الشاعر الألمعي النابغة هرب إلى سورية حيث نظم قصيدة رائعة امتدح فيها الغساسنة في شخص مليكهم الحرث بن الأعرج، وبعد إن امتدح بسالتهم وشجاعتهم في ركوب متن الأهوال التي صورها في بيت واحد قوي يقوله فيه:
ولا عيب فيهم غير إن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
اخذ يقول:
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الجود والأحلام غير عوازب
محلتهم ذات الأله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب
رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب
تحييهم بيض الولائد بينهم وأكيسة الإضريج فوق المشاجب
يصونون أجسادًا قديمًا نعيمها بخالصة الأردان خضر المناكب
وتاريخ البدو أيام الجاهلية لا يخرج من كونه سجلًا لحروبهم، أو بالأحرى عن ذكر عصابات كانت تغير على القوافل بين آن وآخر للسلب والنهب، ولم تكن ثمة حاجة إلى الاستغاثة، بل كان كل فريق منهم يفخر بنسبه، ويرمي الآخر بوابل هطال من الأهاجي المقذعة وتؤسر الإبل والنساء، كما كانت المناوشات العدة تقوم بينهم، ولكن القليل منها يؤدي إلى نشوب حرب، وكان ذلك نوعًا من الحروب الهوميرية أتاح فرصة طيبة للقيام بأعمال تنطوي على البطولة. ويقول ثوريك في ذلك: (وإذا شئنا أن نكتب التاريخ الواقعي لمثل هذه المنازعات البدوية وجدنا ذلك اقرب إلى المستحيل. أما عن المصادر المعاصرة لها التي تستأهل عناية الباحث، فليس لدينا سوى القصائد والمقطعات الشعرية التي ظلت
[ ١٨٦ / ٥٠ ]
محفوظة، وطبقًا لما يذكره السيوطي كان العرب يطلبون من أي بدوي يقص حادثة تاريخية إن يقرنها ببعض أشعار تتعلق بها. وفي الحقيقة أن هذه الأقاصيص وأشباهها التي حفظت على مر العصور حتى وصلت إلينا قد تبلورت حول القصائد. ومما يؤسف له أنها قلما كانت صحيحة، وكثيرًا ما يتضح أن الأقاصيص قد اخترعت اختراعًا حتى توافق موضوع الأشعار).
حسن حبشي
[ ١٨٦ / ٥١ ]