شاعر العصر المرواني
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
- ٦ -
وقد كان هناك من لا يعذر الكميت في مدحه بني مروان بعد بني هاشم، ويصفه في ذلك بالتردد والرياء والنفاق، وكأنه لا يرى في هذه التقية التي يأخذ بها جمهور الشيعة ما يبرر العذر، ويمنع من توجيه اللوم
وإني لا أنكر أن التقية تدل على شيء من ضعف النفس، وأن التاريخ يذكر بالإعجاب والتقدير تلك المواقف الباهرة التي لم يأخذ أصحابها بالتقية، وآثروا تضحية النفس على الإذعان للخصم، ولكني أرى من الضعف ما قد يكون أجدى من القوة، ولهذا مدحت الحيلة كما مدحت الشجاعة، ومدحت المداراة كما مدحت الصراحة، وقد يكون في المداراة رجولة حرة كريمة جديرة بالعطف والرحمة، بعيدة من اللوم والمؤاخذة، وقد رثى المتنبي لمثل هذه المداراة في قوله:
ومن نكدِ الدنيا على الحرِّ أن يرى عدوًّا له ما من صداقته بُدُّ
فيا نكد الدنيا متى أنت مُقصرٌ عن الحر حتى لا يكون له ضدُّ
يروحُ ويغدو كارهًا لوصاله وتضطرُّهُ الأيام والزمن النكدُ
وكان أبو مسلم الخراساني ممن يأخذ الكميت بهذا الإذعان لبني مروان، وقد دخل عليه المستهل بن الكميت يومًا فقال له: أبوك الذي كفر بعد إسلامه! فقال: كيف وهو الذي يقول:
بِخاتَمِكم كرهًا تجوزُ أمورهمْ فلم أَرَ غَصبًا مثله حين يُغصبُ
فأطرق أبو مسلم مستحييًا منه
وذكر أبو الفرج الأصبهاني أن المستهل بن الكميت دخل على عبد الصمد بن علي فقال له: من أنت؟ فأخبره، فقال له: لا حياك الله ولا حيا أباك، هو الذي يقول:
فالآن صِرْتُ إلى أُميّ ة والأمور إلى المصاير
قال: فأطرقت استحياء مما قال، وعرفت البيت، قال ثم قال لي: ارفع رأسك يا بني، فلئن
[ ٢٤٥ / ٤٠ ]
كان قال هذا فلقد قال:
بِخاتَمِكم كرهًا تجوز أمورهُم فلم أر غضبًا مثله حينُ يغضبُ
قال: فسلى عني بعض ما كان بي، وحادثني ساعة ثم قال: ما يعجبك من النساء يا مستهل؟ قلت
غَرَّاء تسحب من قيامٍ فَرْعَها جَثْلًا يزيِّنه سوادٌ أفحمُ
فكأنها فيه نهار مشرق وكأنه ليل عليها مظلم
قال: يا بني هذه لا تصاب إلا في الفردوس، وأمر له بجائزة
والظاهر أن هذه الحادثة كانت قبل حادثة المستهل مع أبي مسلم الخرساني، وأن المستهل عرف من هذه الحادثة كيف يتخلص من أبي مسلم بهذا البيت الذي ذكره له عبد الصمد بن علي
وقد عرف المستهل بعد هذا كيف يؤول هذا البيت:
اليوم صرت إلى أمي ة والأمور إلى المصاير
حين عيره به أبو العباس فقال: أبي إنما أراد - اليوم صرت إلى أمية والأمور إلى مصايرها أي بني هاشم
ولا يبعد أن يكون الكميت قد أراد هذا المعنى الذي ذكره ابنه المستهل، فقد كان شاعرًا عالمًا يعرف مرامي الكلام، ولا يقول الشعر إلا بعد التأني والتدبر، وكان يصير في ذلك إلى الغرض البعيد، ويرمي إلى الغاية الخفية، ومن هذا ما ذكره محمد ابن أنس، قال: حدثني المستهل بن الكميت قال قلت لأبي يا أبت إنك هجوت الكلبي فقلت:
ألا يا سَلْم من تِرْبِ أفي أسماَء من ترب
وغمزت عليه فيها، ففخرت ببني أمية وأنت تشهد عليها بالكفر، فألا فخرت بعلي وبني هاشم الذين تتولاهم؟ فقال: يا بني أنت تعلم انقطاع الكلبي إلى بني أمية وهم أعداء علي ﵇، فلو ذكرت عليًا لترك ذكري وأقبل على هجائه، فأكون قد عرضت عليًا له ولا أجد له ناصرًا من بني أمية، ففخرت عليه ببني أمية وقلت إن نقضها عليّ قتلوه، وإن أمسك قتلته غمًا وغلبته، فكان كما قال، أمسك الكلبي عن جوابه، فغلب عليه وأفحم الكلبي
نعم إنه يمكن أن يؤخذ على الكميت أنه لم يكن يتعصب في شعره لأهل البيت إلا لقرابتهم
[ ٢٤٥ / ٤١ ]
من رسول الله ﷺ، وهذا نوع من العصبية التي ينكرها الإسلام، وهو لا يهتم في حكم المسلمين إلا بمحاربة الظلم وإقامة دعائم العدل، ولا يهمه بعد هذا نظام الحكم الذي يحقق هذه الغاية، ولا أشخاص القائمين بهذا الحكم، فالناس سواء فيه، وكلهم صالحون له، ولا فرق فيه بين هاشمي وغير هاشمي، ولا بين عربي وعجمي
ولكن هذا لا يصح أن يؤخذ على الكميت أيضًا، لأنه لم يكن يدعو في شعره إلى أهل البيت من أجل تلك العصبية المنكورة في الإسلام، وإنما كان يدعو إليهم لأنهم كانوا أمثل الناس لحكم المسلمين في عصره، وإصلاح الفساد الذي ظهر في المسلمين بسبب حكم بني مروان الذي كان يقوم على تلك العصبية
فكان المسلمون في حاجة إلى حكم إسلامي ينظر إلى كل شعوبهم على السواء، ولا يقوم على أساس العصبية التي كان يقوم الحكم عليها عند الفرس والروم وغيرهم، وكان بنو هاشم أجدر الناس بالقيام بهذا الحكم الصالح، لأنهم كانوا ألين طباعًا من بني مروان، وأقرب منهم إلى فهم الغاية التي قام الإسلام من أجلها، والى السير بالحكم بين الناس على أنه وسيلة لا غاية
وقد حكم بنو العباس من بني هاشم بعد بني مروان فكان حكمهم أشبه بحكم الخلفاء الراشدين من حكمهم، ولم يفرقوا فيه بين عربي وعجمي، بل رفع الأعاجم فيه رؤوسهم حتى ساووا العرب وأخلصوا للإسلام إخلاصهم، وقد بذلوا في خدمة العلوم على اختلاف أنواعها ما يفتخر به المسلمون في عصرنا على غيرهم، وإذا كان لهم في حكمهم أيضا سيئات فإنها كانت قليلة بجانب حسناتهم.
ونعود بعد هذا كله إلى أمر الكميت بعد عفو هشام عنه، ورجوعه فائزًا بذلك على خالد بن عبد الله القسري، فقد فسد بعد هذا ما بينهما، وكان للكميت معه أخبار بعد قدومه إلى الكوفة بالعهد الذي كتبه هشام له، ولم يجعل فيه لخالد إمارة عليه، فكان خالد يلاينه حينًا ويقسو عليه حينًا، وكل منهما يخادع صاحبه، وينتظر السوء به. فلما أدبر أمر خالد وتحدث الناس بعزله عن العراق أظهر الكميت شماتته به، وقد مر عليه خالد يومًا فلما جاز به تمثل بهذا البيت:
أراها وإن كانت تحَبُّ كأنها سحابةُ صيفٍ عن قليل تَقشَّعُ
[ ٢٤٥ / ٤٢ ]
فسمعه خالد فرجع وقال: أم والله لا تنقشع حتى يغشاك منها شؤبوب برد، ثم أمر به فجرد فضربه مائة سوط، ثم خلى عنه ومضى
وقد كان للكميت مدائح في خالد لعلها كانت قبل أن يفسد بذلك ما بينهما، أو لعلها كانت في بعض ما يزول فيه شيء من تلك الجفوة، وقد يكون هذا من تلك التقية التي أخذ بها نفسه بعد أن عفا هشام عنه، على أن خالدًا كان للشيعة خيرًا ممن ولي العراق بعده، وقد روى محمد بن كناسة أن الكميت دخل على خالد القسري فأنشده قوله فيه:
لو قيل للجود من حليفُكَ ما إنْ إلاَّ إليك يَنتسِبُ
أنت أخوه وأنت صورتهُ والرأسُ منه وغيرُك الذَّنب
أحرزتَ فضل النضال في مَهلٍ فكلَّ يوم بكفِّك القصب
لو أن كعبًا وحاتمًا نُشرا كانا جميعًا من بعض ما تَهَب
لا تُخلفُ الوعد إن وعدت ولا أنت عن المعتفين تحتجب
ما دونك اليوم من نوالٍ ولا خلفك للراغبين منقلبُ
فأمر له بمائة ألف درهم
وكان خالد قد ولي العراق سنة خمس ومائة، وقد طالت ولايته على العراق وتمتع الناس ببعض من الأمن في ولايته، ولم يكن شديدًا على الشيعة كغيره، وكان إلى هذا جوادًا كثيرًا العطاء، خطيبًا مقدورًا من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة، ولكنه كان يتهم في دينه، وكانت أمه نصرانية فبنى لها كنيسة تتعبد فيها، وقد عزل عن العراق سنة عشرين ومائة. ويقال إن سبب عزله أن امرأة أتته فقالت: أصلح الله الأمير، إني امرأة مسلمة؛ وإن عاملك فلانا المجوسي وثب علي فأكرهني على الفجور وغصبني نفسي، فقال لها: كيف وجدت قلفته؟ فكتب بذلك حسان النبطي إلى هشام فعزله وولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي، وهو ابن عم الحجاج بن يوسف، وأمره بمحاسبته ومحاسبة عماله، فأخذ يوسف خالدًا وعماله وحاسبه وعذبه، ثم قتله في أيام الوليد بن يزيد سنة ست وعشرين ومائة
وقد تكون هذه التهم من اختلاق أعداء خالد عليه، وقد يكون السبب الحقيقي أن هشاما أراد أن يأخذ العراق بالشدة بعد أن فشا فيه التشيع على عهد خالد بن عبد الله، وجاهر به
[ ٢٤٥ / ٤٣ ]
الكميت وغيره من شيعة أهل البيت، فاختار لهم ذلك الثقفي ليأخذهم بما أخذهم به قبله الحجاج ابن عمه، فسار فيهم سيرته. وكان من ضحاياه زيد بن علي بن الحسين ﵁
فاضطرب الكميت بعد هذا في أمره، وقد سبق أن زيدًا دعاه إلى الخروج معه فلم يجب دعوته، ولكنه ندم على هذا بعد قتله، وقال يلوم نفسه:
دعاني ابنُ الرسول فلم أُجبْه أَلهْفي لَهْف للقلب الفَرُوق
حِذَارَ منِيَّةٍ لابُدَّ منها وهل دُون المنية من طريق
وقال يهجو يوسف بن عمر:
يعِزُّ على احمدٍ بالذِي أصاب ابنه أمس من يسُوف
خبيث من العصبة الأخبثين وإن قلتُ زَانِينَ لم أقْذف
وقد كان مع هذا يظهر التقرب إلى يوسف بن عمر، ولا يبخل عليه بشيء من المدح. روي أنه دخل عليه بعد قتله زيدًا فأنشده قوله فيه:
خرجتَ لهم تمشي البراحَ ولم تكن كمن حِصْنُهُ فيه الرِّتاجُ المضبَّبُ
وما خالدٌ يستطعم الماء فاغرًا بعدلِكَ والداعي إلى الموت يَنعب
يعرض بخالد وقد خرج عليه الجعفرية وهو يخطب على المنبر ينادون: لبيك جعفر، لبيك جعفر، وهو لا يعلم بهم، فدهش فلم يعلم ما يقول فزعًا، فقال: أطعموني ماء، ثم خرج الناس إليهم فأخذوهم
وكان الجند القائمون على رأس يوسف يمانية فتعصبوا لخالد، ووضعوا ذباب سيوفهم في بطن الكميت فوجئوه بها وقالوا: أتنشد الأمير ولم تستأمره! فلم يزل ينزفه الدم حتى مات، ولا يبعد عندي أن يكون هذا بتدبير يوسف ليتخلص منه، فليس من المعقول أن يجرؤ هؤلاء القوم على هذا مع ما سبق من عداوة يوسف لخالد
وقد مات الكميت سنة ست وعشرين ومائة، وكان وهو يجود بنفسه يقول: اللهم آل محمد، اللهم آل محمد. وقد أوصى ابنه المستهل أن يدفنه بموضع يقال له (مكران) غير ما يدفن الناس فيه بظهر الكوفة، فكان أول من دفن فيه من بني أسد
عبد المتعال الصعيدي
[ ٢٤٥ / ٤٤ ]
حاشية: ذكرنا أن الأعور الكلبي رمى امرأة الكميت بقصيدة
يقول فيها (أسودينا وأحمرينا) وهذه رواية الأغاني، وقد وجدنا
هذا البيت في شرح الأشموني على ألفية ابن مالك:
فما وجدت نساء بني تميم حلائل أسودين وأحمرينا
وسنعود إلى ذكره في مناقضات الكميت مع الأعور الكلبي
[ ٢٤٥ / ٤٥ ]