تمر بي في الحياة لحظات أود فيها لو أسأل الله أن يفك أجزائي ويعيد بنائي، (طبقًا لشروط أخرى ومواصفات جديدة) كما يقال في لغة أهل العمارة والهندسة؛ ولكن. . . سرعان ما اذكر كلمة (باسكال): (لو أن أنف كليوباترا كان أكبر قليلًا مما كان لتغير وجه التاريخ). هذا صحيح. ومن يدريني. لعل قائلًا يقول في أمري غدًا: (لو أن أنفه كان أصغر قليلًا مما كان لتغير وجه الأدب العربي الحديث). ولكن الواقع الذي أوقن به أن تركيب الإنسان كتركيب العقاقير. فقليل من (السلامكي) على قليل من الشمر والينسون ينتج (ملينًا) للأمعاء. كذلك حياة كحياتي مع قليل من ميولي وقليل من مطالعاتي. . . ينتج أدبًا كأدبي. . . فكيف إذًا يغير الله بعض عناصر تركيبي دون أن تتغير النتيجة كل التغيير. وما الذي يحمله على ذلك، إلا رغبتي؟ ومتى كنا نخلق طبقًا لرغباتنا؟ لقد قرأت يومًا كلمة عني في إحدى الصحف قيل فيها: (إني أريد أن أعيش لفني، ولفني فقط). فابتسمت وقلت: (أنا أريد؟) كلمة أريد (تبدو ساذجة مضحكة من أفواه البشر وهم في حضرة (القدر)! ما أنا إلا تركيب كيميائي مثل ذلك الملين (لابد له) بهذه العناصر مجتمعة) أن ينتج هذا (المفعول) الذي يسمونه (الفن) أو (الأدب).
لا فرق في نظر (الطبيعة) بين (النحلة) و(الأديب). كلاهما مخلوق
يتنقل بين أزهار، لينتج عسلًا آخر النهار. ومن هذه (المادة) الحلوة
يصنع أحدهما بناء فصيلته، ويقيم الآخر بناء أمته. ولو سألت (نحلة)
عن رأيها فيما تفعل لما وجدت عندها رأيًا ولا إرادة. إنما هي تفعل ما
تفعل بدافع من تركيبها (البيولوجي). كذلك (الأديب) مدفوع إلى التفكير
والإنتاج بحكم هذا التركيب. ولطالما تفجرت ثائرًا: (لماذا ولمن أقتل
نفسي بهذا العمل المضني؟). فأسمع الجواب من أعماقي: (إنك لا تنتج
لشيء ولا لأحد، ولكن لأنك لا تستطيع أن تفعل غير ذلك. ما أنت إلا
نحلة تفرز الأدب شاءت أو كرهت).
[ ٢٤٧ / ١٥ ]
توفيق الحكيم
الهجرة المحمدية أساس الحضارة الإسلامية
للأستاذ محمد لطفي جمعة
- ١ -
دعا نبينا محمد ﵊ العرب فلبى دعوته الكثير، وتلكأ القليل ممن أعمتهم الأغراض والمنافع وأضلهم تنازع السلطان والسيادة. وقد أتى محمد بكتاب وآيات بينات ومبادئ كانت عقول العرب وطبائعهم مستعدة لقبولها وفهمها قبل نقدها نقدًا ينتهي بالقبول والانضمام إليها. وكان نبأ ظهوره (عم يتسائلون؟ عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون!) النبأ الأعجب، مما سجل في تاريخ الإنسانية. ولم ينقض عليه جيل من الزمان حتى ثلَّ عروشًا كانت ثابتة الأركان، وحطم دولًا عالية البنيان، واكتسح ممالك وإمبراطوريات رفيعة الذرى مترامية الأطراف، ومحا معتقدات عريقة في القدم، وهدم ديانات مرت عليها الأجيال والحقب ولم تنل منها ما ناله الإسلام في عشرين سنة. ويدهش المؤرخ العصري أن يعلم أن سائر الأديان نمت وترعرت في ظل حاكم ناصر أو ملك قاهر، اعتز به الدين وتأيد حتى رسخت قوائمه وثبت سلطانه، ما عدا الإسلام. فكان الملوك والأمراء والأقوياء يقاومونه فيتغلب عليهم، ثم يحمي المنسوبين إليه فيعتزون به ويستظلون بظله ويعظمون في أكنافه، وكان أول من علا شأنه بذلك الدين العرب أنفسهم، فلم يكونوا قبله في المكان الأرفع ولا المنزلة السامية من الوجود التاريخي، فنصرهم نصرًا خارقًا، حتى أصبح علمهم عاليًا خافقًا، في آسيا وأفريقية وأوربا. وإن سر هذا النجاح وسببه وأساسه هو الهجرة المحمدية التي انتقل بها محمد من مكة الجامدة الآسنة الراكدة العاصية المستغرقة في الماديات المتشبثة بالسلطة الدنيوية الآخذة من الملذات والأسمار بأوفر نصيب، إلى المدينة الهادئة الهينة اللينة التقية النقية العفيفة المتعلقة بالمعاني والأرواح والمثل العليا الطاهرة.
- ٢ -
يفني البرايا ويأتي الوقت مختلفًا ليخرج الدهر تاريخًا من الأمم
[ ٢٤٧ / ١٦ ]
يدل استقراء التاريخ الخاص والعام على صدق القانون السبعي، ومقتضاه أن تكون الفترة الفاصلة بين جسام الحوادث سبعمائة عام تقريبًا. وقد حددت أعمار تلك الفترات تحديدًا دقيقًا في كثير من كتب التاريخ كتجارب الأمم لأبن مسكويه، ومروج الذهب للمسعودي، ومقدمة ابن خلدون، وابن الأثير؛ ومن كتب الإفرنج حوليات تاسيت الروماني وتاريخ انحلال رومة لجيبون. ومن قبل هذه التواريخ العالمية أشارت التوراة والتلمود والمشناة وتفاسير الأحبار إلى هذا القانون. يقول بلاكنهيم: (إن تاريخ العالم مقسم إلى فترات قد تدوم الواحدة منها حوالي سبعة قرون، وقد تنقص أو تزيد قليلًا. فقد أسست روما قبل المسيح بسبعة قرون ودام سلطانها ونفوذها سبعمائة عام، وفي نهايتها ظهر المسيح بدين جديد ينطوي على حياة جديدة، وكان ظهوره مؤذنًا بزوال تلك الدولة الرومانية العظمى التي حكمت العالم بالحديد والنار بعد أن فتحته بالقوة والحيلة. وظهر الإسلام في نهاية القرن السابع المسيحي ودامت عظمة الدول الإسلامية سبعة قرون. وفي سنة ٧٥٠م نقلت الخلافة إلى بغداد بقيام دولة بني العباس، ثم هاجمها المغول وقضوا عليها وعلى حضارتها) اهـ
ولم يظهر المغول وحدهم لمناوأة الإسلام، فقد ظهر الصليبيون ونهضت أوروبا الحديثة تلك النهضة التي دامت سبعة قرون كانت نهايتها الحرب العظمى في أوائل هذا القرن. وقد بدأت نهضة الإسلام الحديثة في أوائل القرن الرابع عشر للهجرة. ومن العجيب أن تطبيق هذه النظرية السبعية أو القانون السبعي صحيح في حياة الأمم إذا أخذت كل منها على حِدَة، فقد استمرت عظمة الإغريق الحربية والبحرية وعهد الفلاسفة سبعمائة عام، ودولة الفرس عمرت سبعة قرون من أول تأسيسها لعهد كسرى، ومضى على حكم الملوك في إنجلترا سبعة قرون، وبقيت ايرلندا تحت الإنجليز مثلها. ونحن نذكر هذا القانون السبعي لا لأهمية خاصة به، وإن كان في ذاته ظاهرة تاريخية عجيبة تدل على دقة نظام الكون والعالم وخضوع حياة الأمم لمقاييس من الزمان وموازين في الأعمال، ولكن نذكره لعلاقته بظهور الإسلام ونهضته وهبوطه، ثم بداية عهد الأحياء الذي ينبئ بالتجدد والبعث في المائة الرابعة عشرة. وقد أوضح صحة هذا القانون أوزقالد شبنجلر في كتابه (انحلال الغرب) وهستن شمبرلين في (أسسالقرن التاسع عشر) وولز في كتابه (صورة العالم في المستقبل) فليرجع إليها من يشاء من القراء
[ ٢٤٧ / ١٧ ]
- ٣ -
إذن كانت بعثة الرسول وهجرته حادثين محتمين، فكتب لهما التوفيق والنجاح على الرغم مما اكتنفهما من مظاهر الضعف. وقد أخطأ من ظن عداوة قريش للنبي وصحابته هزيلة أو وهمية، أو أن زعماء الوثنية كانوا ضعفاء النكاية، فقد كان المجتمع القرشي تام التكوين الاقتصادي والسياسي بالنسبة لحالة الحضارة المعاصرة، وذا نظم حكومية وإدارية بارعة. من ذلك أنهم جعلوا جائزة مالية لمن يطارد المهاجرين ويظفر بهما وهو ما تلجأ إليه شرطة الحكومات الغربية الحديثة. ومن الثابت أن محمدًا وأبا بكر كانا منفردين لا ثالث لهما بعد أن تركا بطل الإسلام وسيفه ولسانه علي ابن أبي طالب في فراش النبي ليخدع المتآمرين بأن النبي مازال في داره ولم يغادر فراشه. وإن شجاعة علي في إيثاره وإقدامه على التضحية بنفسه لا تقل عن شجاعة أبي بكر في مصاحبته. وكان من المستطاع أن يُغتال عليّ في فراش محمد ظنًا من أهل الوثنية أنه المقصود بأسيافهم وخناجرهم. ولكن حياة عليّ كانت ضرورية للإسلام فأنقذه الله وهو الفرد الراقد المستسلم لقضائه وقدره. أما محمد وأبو بكر فلم يكونا هاربين ولا مدبرين لينجوا بحياتهما من أخطار محققة محدقة، ولكنهما كانا قاصدين إلى طيبة ليفتتحا عهدًا جديدًا ويستهلا عصر كفاح وجهاد وجلاد وسلسلة انتصارات لم يسبق لها مثيل في تاريخ المعتقدات الدينية.
- ٤ -
فطن القرشيون بما ركب في غريزتهم من الذكاء وبعد النظر وسعة الحيلة إلى أن ظهور هذا النبي قرين زوال دولتهم المدنية التي نظموها على نسق يشبه نسق المدن الإغريقية. وكان اليونان زعماء النقل البحري كما كان العرب زعماء النقل البري وحلقة الاتصال بين الشرقين الأقصى والأدنى، وإبلهم سفائن الصحراء حقيقة لا مجازًا، كما كانوا مخالطين لكل شعوب البحر الأبيض وشواطئ المحيط الهندي والخليج الفارسي والبحر الأحمر، ومطلعين على شؤون الأمم. فلما أدرك سادتهم وحكامهم أن دولتهم قد آذنت بزوال حصروا همهم في ملاينة النبي وإغرائه؛ فلما لم ينفع الإغراء والاستدراج لجأوا إلى التهديد والوعيد، ثم إلى المقاطعة والتضييق في شعاب مكة وغيرها، ثم التآمر والانتقام، فهاجر النبي من مكة، لأن
[ ٢٤٧ / ١٨ ]
الله هداه إلى أن ما بقي من عمره المبارك كاف لتعميم الدعوة ومقاومة ذلك البلد القوي الشكيمة الذي تألب نساؤه ورجاله على النكاية به، ليحتفظوا بكيانهم القومي. كان المكيون محافظين ورجعيين فلم يرقهم أن يسلموا قيادهم للأحرار والمتطرفين من حزب محمد وأبي بكر وعلي وعمر وعثمان. وقد تعجب الأجيال التالية وأنسال المستقبل وأخلافهم كيف لم يقبل عرب قريش وخصوصًا أهل مكة على العقيدة الجديدة. والسر في ذلك أن أرستقراطية مكة حرصت على مالها وسلطتها ونفوذها وقوتها، ورأت في القرآن والدعوة المحمدية ما يزعزع أركان كيانهم الاقتصادي ويهدمه وهم أصحاب رؤوس أموال وعباد للمادة، حتى إن معبودهم هُبل لم يكن يتكهن إلا بعد أن يدفع السائل لسادته سلفًا دراهم معدودة. وكان للمال وأرباح التجارة وفوائد الربا واكتناز الذهب والفضة أكبر الشأن، ولكن محمدًا وأصحاب محمد جعلوا المال في الدرجة الأخيرة من الاكتراث، واتخذوه وسيلة لا غاية (وقد روى عن حاتم الأصم تلميذ شقيق البلخي أنه سار إلى المدينة فاستقبله أهلها، فقال أين قصر رسول الله حتى أصلي فيه؟ قالوا ما كان له قصر، إنما كان له بيت لاطيء بالأرض. قال فأين قصور أصحابه ﵃؟ قالوا ما كان لهم قصور، إنما كان لهم بيوت لاطئة بالأرض) وكثير من المؤرخين يغفلون العامل الاقتصادي في حياة العرب قبل الإسلام وبعده، مع أنه بجانب الثورة الاجتماعية التي أحدثها الإسلام قلب نظام المال رأسًا على عقب، وحارب الرأسمالية، وحرم الربا، وقدح في البخل، وشرع الصدقة والزكاة، وحض على صلة ذوي القربى، ونظم المواريث ورتب حقوق المرأة، وألف القلوب بالبذل وبسط اليد للبعيد والقريب. وبالجملة أوجد طبقة جديدة من أوساط الناس لمقاومة عبادة المال، وحطم المثل العليا التي كان المكيون يمجدونها. ولم يكن هذا الانقلاب بالشيء القليل. والذي أغاظ أهل مكة وأحنقهم وأحرق أكبادهم أن محمدًا بلغهم أن هذا التبديل ليس من عنده، ولكنه من عند الله، فهو أمر محتوم واجب التنفيذ، لأن إرادته أقوى من إرادة كل هذه الأوثان المعسكرة في الكعبة والمنتشرة في الحواضر والبوادي العربية.
- ٥ -
يدهش المؤرخ من قدرة محمد على مواجهة الشدائد والاضطلاع بأعقد المشاكل، فهذه المدينة التي هاجر إليها ولم يكن يعرفها من قبل إلا بالوصف والتصور بعد زيارته الأولى
[ ٢٤٧ / ١٩ ]
وهو طفل في حضانة أمه، كانت تضم إلى جانب الأنصار عناصر قوية وعنيدة من اليهود والمنافقين والمعادين من المترددين وغيرهم، وهي طبقات ثلاث يستطيعون أن يتغلبوا على المهاجرين والأنصار. وكان المنافقون واليهود والمعادون من حلفاء قريش أقوياء وأغنياء، والمهاجرون والأنصار ضعفاء وفقراء، حتى اضطر محمد لوضع نظام المؤاخاة. وقد اضطر بعض المهاجرين للعمل البدني لقاء أجور من الثمر، ولكن محمدًا رأى أشد الخطر في اليهود الذين جمعوا بين المال والذكاء والجمال ودين منزل سابق لدين محمد ودين سلفه الناصري، إلى حيلة واسعة، ثم خيبة أمل يعقبها حقد دفين ورغبة شديدة في الانتقام. فقد عرف اليهود في محمد النبي المنتظر، ولكن كبرياءهم أبت أن يطأطئوا رؤوسهم أمامه، لان القرآن أذاع حقيقتهم فامتدح أنبيائهم وانتقد أطماعهم وعرض بأخلاقهم. وقد أعماهم مالهم، وأضلتهم شهواتهم، وأصبحوا لا يقدرون الرجال إلا تبعًا (للرصيد) الذي يملكه أحدهم. ولم يكن محمدًا عميلًا لهم إلا في الاقتراض منهم ولو برهن بعض دروعه. ولم تكن له في صناديقهم وخزائنهم ودائع ضخمة ولا هزيلة، لأن كل ما كان يصل إلى يده ينفقه في سبيل الله وفي حشد الجيوش وإعداد الحملات الموفقة؛ فما زال يمالئهم حسب أمر ربه وطاعة لوحيه، حتى حاربوه في السر والعلن، فدسوا له السم، وأعانوا عليه أعداءه، وحرضوا جيشه على الفتنة، وألفوا حزبًا من (دعاة التردد والهزيمة) وهم المنافقون ومن لف لهم وتواطئوا على خذلانه؛ قلم ير بدًا من ضرورة طردهم من الجزيرة وإقصائهم وقطع دابرهم، فسبق حكام ألمانيا الحديثة بألف وأربعمائة عام في الوصول إلى الحقيقة المطلقة، وهي أن العنصر المعادي في الوطن يعمل على تدميره وتخريبه ويعطل حياته بعرقلة التعاون. فكانت موقعة خيبر موقعة حاسمة في تاريخ الإسلام بل في تاريخ العالم. أما النصارى فقد أوصى بهم خيرًا. وكان بيت المقدس في أيدي المسلمين منذ الفتح العربي؛ وكان الخليفة عمر يرعى حرمة الأماكن المقدسة النصرانية أيما رعاية وقد سار خلفاؤه م بعده على آثاره وسننه.
قد ندهش لتسامح الإسلام مع المعتقدات الأخرى في حين أنهم لم يألوا جهدًا في النيل منه. وفي الحق أن محمدًا جاء بالقرآن مصدقًا للتوراة والإنجيل وقال الله عنه أنه خاتم الأنبياء والمرسلين؛ وقد أمر باحترام النصارى واليهود وسماهم أهل الكتاب تمييزًا لهم عن عبدة
[ ٢٤٧ / ٢٠ ]
الأوثان؛ وقد اتبع المسلمون ما أمرهم به نبيهم حتى هذا العهد الأخير. وكان ضلع المسلمين في صدر الإسلام مع النصارى بالتخصيص بدليل آية (غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) وقد نال اليهود ما استحقوا بعد أن خانوا أمانة الله ونكثوا بالعهود وحاربوا نبيه.
حرمت الشريعة الإسلامية الربا كما أن الشريعة المسيحية حرمته تحريمًا لا يوصف، وكانت متشددة في ذلك ما استطاعت، فكانت النتيجة أن اليهود انبروا في الميدان وظلوا قرونًا عديدة محتازين التجارة يجنون ثمارها، لا يشاركهم في ذلك مشارك ولا يزاحمهم مزاحم. وكانت الشريعة الإسلامية قائمة على تكريم العلم والقرآن حافل بالآيات التي تحث عليه، وكذلك الحديث، فقد جاء فيه: (اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد. واطلبوا العلم ولو في الصين. والحكمة ضالة المؤمن. ويوزن مداد الحكماء بدم الشهداء يوم القيامة. والعلماء ورثة الأنبياء. وما خلق الله شيئًا أفضل من العقل).
- ٦ -
من أعمال نبينا ﵊ تأسيس الرابطة الإسلامية التي جمعت بين قلوب المسلمين في أنحاء العالم جمعًا إنسانيًا، فجعل العقيدة الروحية فوق الرابطة الجنسية، وجعل للإنسانية مثلًا أعلى بجانب حب الوطن فقال إنه من الإيمان، وحض على الإخاء وحب البشرية. وما كانت تلك الجامعة الإسلامية سوى الشعور بالوحدة العامة المثقفة مع فكرة التوحيد ووحدة الوجود. نعم كانت الجامعة الإسلامية العروة الوثقى لا انفصام لها، وقد أنشأها النبي منذ شرع يجاهد بالمدينة فالتف حوله المهاجرون والأنصار والمؤمنونمن كل طبقات المجتمع، ففيهم الرقيق أمثال بلال، والسادة الأعيان كعثمان بن عفان، والأبطال كخالد بن الوليد. وقد ولدت تلك الجامعة التي ربطت بين قلوب المسلمين في المدينة المنورة وهي التي أعانت على هزيمة المشركين بعد قتالهم وتأسيس الحضارة الإسلامية التي يفخر بها العالم.
وفي أثناء الهجرة المحمدية اعد محمد وسائل الاستيلاء على مكة، فقبل صلح الحديبية ونفذ بنوده بالدقة، ونغص حياة القرشيين بالحرب والحيلة، وقلب هزيمة أُحد انتصارًا سياسيًا باهرًا، واستعمل سلاح الدعاية فغزا عقولهم وقلوبهم وأخلاقهم قبل أن يغزو بلدهم، وهزم
[ ٢٤٧ / ٢١ ]
جنودهم، وهدم حصون نفوسهم، وحطم مثلهم العليا البالية قبل أن يهدم قلاعهم أو يحطم أصنامهم وأوثانهم طائعًا للوحي الإلهي، وتابعًا للمشورة الحسنة من صحابته حتى الأجانب منهم كسلمان الفارسي الذي وهب لقب الإمارة، كما فعل بعده ملوك أوربا إذ جعلوا بيسمارك (برنسًا) أو أميرًا، فقال محمد: (سلمان منا آل البيت). وكان في كل هذا إنسانًا سامي الأخلاق كيَسًا، مهذبًا ناضج الرأي، لين العريكة سمحًا، لم يجد فيه خصومه عيبًا. وهكذا اشهد له الأغيار بعد انقضاء الأجيال فقال ويلز في تاريخه العام: (كان محمدًا أكثر الأنبياء نجاحًا) ولا عجب ولا غرابة فمحمد هو الإنسان الكامل.
- ٧ -
كان محمد ﵊ نبيًا مرسلًا ومصلحًا ومشترعًا، وجاء دينه وهو الأوحد الذي انطوى على شرائع وقوانين سياسية واجتماعية اقتصادية تقوم اعوجاج الفطرية البشرية، وتؤهل الفرد للعيشة في المجتمع الإنساني عيشة راضية راقية، ومكنت لتابعيه تأسيس أعظم دولة عرفها الشرق والغرب. وقد طبقت قواه وظهرت مزاياه الصالحة في الحروب والمعاهدات والمعاملات الدولية أثناء السلم؛ ولو نفذ بنصوصه لأغنى العالم عن نزاع الرأسمالية والعمال، ولانمحت المشاكل من الوجود، لأن أحزاب الشمال في أوربا ولاسيما روسيا لا يعلقون إلا ببعض قواعده التي تقر العدل والرحمة والمساواة وضمان حرية الفرد وسعادته.
وما كان يبغض شيئًا بغضه الشرائع والقوانين الجامدة التي تقيد العقل فتقوده صاغرًا أعمى. وليس القرآن إلا كتاب هدى للمؤمنين ورحمة وليس عثرة في سبيل ترقي المجتمع والآداب والشرائع والقوانين والمدارك العقلية. ونحن الآن في القرن الرابع عشر الهجري وقد بدأت فيه نهضة الإسلام حقًا كما بدأت نهضة أوروبا في القرن الرابع عشر المسيحي. ومتى وضع الإسلام في البوتقة وأخرج منه ما علق من الأباطيل الخداعة، عاد إلى أصله وهو توحيد الله تعالى والإيمان بأن محمدًا هو رسول الله ﵊.
محمد لطفي جمعة.
[ ٢٤٧ / ٢٢ ]