أربعون يومًا في الصحراء الغربية
للأستاذ عبد الله حبيب
- ٤ -
تحدث المحرر في المقالات السابقة عن بعض مشاهداته في الصحراء الغربية فوصف بعض عادات العرب وصفاتهم وحكامهم وساحل الصحراء وهطول الأمطار وموارد المياه وسكان الساحل وقبائل الصحراء وسكة حديد مريوط. وهو في هذا المقال يحدث القراء عن الطريق إلى مرسى مطروح
الطريق إلى مرسى مطروح
لعل أهم ما يفيد القارئ ويلذه هو حديث اليوم عن الطريق إلى مرسى مطروح. وسأوجز القول إيجازًا كي لا يمل القارئ حديث الصحراء، وسأعتمد في تدوين ما أحدث به القراء على ما شهدته خلال الرحلة وما دونه صديقنا الصاغ رفعت الجوهري في كتابه المهيأ للطبع عن الصحراء الغربية.
يمكن القول إجمالًا أن الطريق الساحلية من الإسكندرية إلى مرسى مطروح صالحة للسير وقطعها بالسيارات سهل ميسور، وهي عامرة بالبلاد وترتبط أجزاؤها بالمواصلات التليفونية، وتتوفر فيها وسائل إمداد السيارات من بنزين ووقود، كما يمكن الحصول على الماء على طول الطريق بسهولة.
ويبلغ طول المسافة من الإسكندرية إلى مفرق العامرية ٢١ كيلو مترًا كلها مرصوفة بالإسفلت، ثم تمتد الطريق بحالة شبه صحراوية إلى مسافة مائتي كيلو متر تقريبًا حتى ناحية فوكه، ومن هذه إلى مرسى مطروح، والمسافة بينهما تبلغ ١٥ كيلو مترًا كلها مرصوفة بالإسفلت.
من الإسكندرية إلى العامرية
تبتدئ الطريق في الإسكندرية من ناحية المكس ثم بوابة خفر السواحل، ومنها تجتاز جسرًا خشبيًا حتى لوكاندة المكس المعروفة، وعندها تعبر شريط السكة الحديد ثم تمتد معبدة إلى
[ ٣٠٨ / ٣٦ ]
الدخيلة، وبعد ذلك بنحو ٢ كيلو مترًا تتجه الطريق يسرة فتصعد تلًا ثم تأخذ في الهبوط، وبعد نحو كيلو مترين آخرين تسير يمنة ثم يسرة وتمر ببوابة من الحجر خاصة بمصلحة الحدود وذلك للاطلاع على رخص المرور.
يعترض الطريق بعد ذلك جسر طوله أربعة كيلو مترات يقطع بحيرة مريوط التي تنبسط إلى مدى ما يصل إليه البصر، وليس بها إلا بعض زوارق الصيد الصغيرة تروح وتغدو في مياهها المترامية، وتتجه الطريق بعد قطع هذا الجسر إلى تلال تحوط البحيرة من جهة الجنوب إلى أن تتفرع - بعد كيلو ونصف - إلى طريقين: الأولى وهي الطريق الرئيسية تتجه غربًا؛ والأخرى جنوبًا فتقطع سكة مريوط الحديدية بعد كيلو مترين من المفرق إلى أن تصل إلى مركز العامرية على بعد ثلاثة كيلو مترات من محطة السكة الحديدية. ومن العامرية تتجه الطريق جنوبًا إلى وادي النطرون فالقاهرة عن طريق الصحراء.
العامرية
أما العامرية فهي بلدة صغيرة، ومركز القسم الشرقي التابع لمصلحة الحدود وبها سراي لخاصة جلالة الملك، ومزارع عظيمة لجلالته، وحدائق واسعة للعنب والزيتون، وتقوم بها صناعات عربية حديثة لعمل السجاجيد، وتنبت بها زهور النرجس الأبيض الطبيعي بكثرة.
وعلى بعد أربعة كيلو مترات منها توجد بئر المكادرة التي يبلغ عمقها ١٢ مترًا، ومياهها حلوة. وعلى مسيرة ستة كيلو مترات من هذه البئر في اتجاه الشمال الشرقي يوجد تل مرتفع يستطيع الواقف عليه أن يشرف على منظر بديع جدًا لبحيرة مريوط، ومن ورائها يرى الإسكندرية.
من العامرية إلى بهيج
تبتدئ الطريق الرئيسية الموصلة إلى الغرب، ومن مفرق (العامرية - بهيج) الذي يقع إلى شمال محطة السكة الحديدية بنحو كيلو مترين، ومنه إلى الجنوب الغربي موازية لشاطئ بحيرة مريوط، وتفصل بينهما سلسلة صغيرة من التلال، وبعد اثني عشر كيلو مترا من المفرق تمر الطريق ببئر (سينة) وبعدة آبار أخرى.
ولكي نختصر الوصف نكتفي بذكر البلدان التي تقع على طول الطريق بعد ذلك إلى مرسى
[ ٣٠٨ / ٣٧ ]
مطروح مكتفين بذكر البلدان التي لها قيمة تاريخية، وتتصل بها معلومات طريفة:
بهيج
هي مركز لقسم من هجانة الحدود، وبها مغازل (للأكلمة) اليدوية، وهي معروفة لدى المشتغلين بالآثار إذ تقع على بعد أحد عشر كيلو مترًا تقريبًا منها بلدة أبو مينا وهي سانت ميناس القديمة.
ويرجع تاريخ هذه البلدة إلى القرن الرابع الميلادي، وقد توفي فيها القديس سانت ميناس سنة ٢٩٦ ميلادية. وتحتوي على كنيسة مبنية على الطراز الروماني وكنيستين أخريين صغيرتين وبعض مبان أثرية أخرى.
قصة غريبة
وللقديس سانت ميناس قصة غريبة إذ يقال إنه كان أحد الجنود الرومانيين الذين اعتنقوا المسيحية في زمن الإمبراطور دقلديانوس الذي أمر بذبح جميع المسيحيين إن لم يرتدوا عن دينهم. أما ميناس فقد أوقعوا به صنوف العذاب ثم قطعت رأسه سنة ٢٩٦ ميلادية. لكنه كان قد أوصى قبل وفاته بأن يدفن في مصر، فلما نقلت الفرقة التي كان يعمل بها في لوبيا أحضرت معها رفاته تنفيذًا لوصيته. وسارت الفرقة في طريقها حتى إذا وصلت إلى الساحل الإفريقي نقلت الجثة على جمل فمشى بها في الصحراء حتى إذا بلغ هذه النقطة برك ورفض القيام. وكان ذلك بجوار بئر مياه، فاعتبروا ذلك معجزة، وتقرر دفنه في المكان نفسه وسمي باسمه، وبعد ذلك شيدت الكنيسة فوق المكان وعلى مقربة من العين.
أبو صبر الأثرية
هي مدينة كبيرة تقوم على المكان الذي كانت تقوم عليه مدينة (تبازير ليس ماجنا) القديمة وهي إحدى المدن الثلاث الشهيرة الواقعة بين الإسكندرية والسلوم. وهناك على ربوة صغيرة في أحد أطراف البحيرة عند اتصالها بالبحر يقوم بناء فخم قديم على الطراز المصري طوله ٢٩٥ قدمًا، وربما كان أحد معابد الآلهة (أوزيربس)؛ ولم يبق من هذا البناء إلا مدخله وبعض الحجارة المنقوشة، وتوجد على مقربة من المعبد آثار بعض الغرف والمدافن المحفورة في الصخر.
[ ٣٠٨ / ٣٨ ]
منار فاروس الرومانية
على بعد بضع مئات من الأمتار من هذا المعبد كانت تقع المنارة الرومانية القديمة الشهيرة بفاروس، ولم يبق منها سوى قاعدتها وبعض آثارها.
أما المنطقة التي حول بهيج وبرج العرب فتكتسي في فصل الشتاء حوالي شهر فبراير بحلة جميلة من الزهور الزكية الرائحة تنبت طبيعية في الصحراء كما أن أرضها صالحة للزراعة، وأهم حاصلاتها الشعير، وتسكنها قبائل أولاد على ومنهم عدد كبير من الفرسان، وتمتد من برج العرب جنوبًا طريق توصل إلى البحرية.
الحمام
هي بلدة تعد مركزًا تجاريًا عظيمًا للأغنام، والمياه فيها متوفرة وهي مشهورة بطواحين الهواء المنتشرة في جميع أرجائها، ولهذه البلدة تاريخ قديم، وكانت تعرف فيما خلا باسم (مانو كامينوس).
جامع سيدي عبد الرحمن
سميت باسمه محطة السكة الحديدية، ويقال إنها كانت قديمًا مركزًا من مراكز السنوسية الشهيرة، ويحج إليها أعراب المنطقة، والجامع مبني على ربوة يشرف الواقف عليها على مناظر عظيمة للمنطقة المحيطة به.
الضبعية
وهي مركز تجاري كبير للبدو، وكانت تدعى قديمًا (زيفر يوم)، وبها مبان لخاصة جلالة الملك ومركز للبوليس، ومبان حكومية وجامع. وتشاهد خيام العرب المسماة (بالخيوش) هناك بكثرة وبعضها مقام بحالة منظمة. ومن المناظر الطريفة مشاهدة الأعراب وهم يحرثون الأرض بمحراث يجره جمل بجواره حمار، أو جمل وحصان، والمحراث المستعمل هناك من الأنواع الخفيفة التي يحملها رجل واحد على كتفه.
ويصل المسافر إلى مرسى مطروح وهي عاصمة الصحراء الغربية وبها دار المحافظة. وسنتكلم عنها في المقال الآتي وهو الأخير.
عبد الله حبيب
[ ٣٠٨ / ٣٩ ]