للدكتور عبد الوهاب عزام
الشعر والنثر
قدمنا أن الأدب ينقسم إلى الأدب الإنشائي والأدب الوصفي. فالان نبين أن الأدب الإنشائي ينقسم قسمين: شعرًا ونثرًا
فالشعر أو القريض، كلام موزون مقفَّى
الوزن أن يكون للكلام مقادير محدودة من الحركات والسكنات متتابعة على نسق خاص. فينشأ من هذا التتابع نغمة وتختل هذه النغمة إذا زادت الحركات والسكنات أو نقصت، أو اختلف تأليفها.
والتقفية أن تكون أبيات القصيدة الواحدة متشابهة في أواخرها ولا سيما الحرف الأخير. ففي قول المتنبي:
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة وثغرك وضّاح ووجهك باسم
نجد البيتين على وزن واحد تتوالى الحركات والسكنات فيهما على نسق متفق وينتهيان بكلمتين متشابهتين في الوزن وفي الحرف الأخير. وهما نائم وباسم. وسيأتي تفصيل هذا في باب الشعر
أما النثر فكلام لا يلتزم فيه وزن ولا قافية
وتعريف الشعر والنثر بهذين التعريفين فيه نظر إلى الألفاظ لا إلى المعاني
وأما تعريفهما من جهة المعنى فالشعر كلام تنشئه عاطفة قوية أو خيال والنثر كلام مطلق يكون أحيانًا مبنيًّا على الفكر المرتب، وأحيانًا ناشئًا من العاطفة والخيال كالشعر. فالنثر من جهة المعنى أعم من الشعر
والتعريف المأثور عن أدباء العرب هو التعريف الأول - التعريف اللفظي
وقد نظر قدماء اليونان إلى معنى الشعر دون لفظه فقالوا أنه الكلام المبنى على الخيال المؤثر في النفس بالترغيب أو التنفير
والحق أن العرب حين نظروا إلى صورة الشعر فعرفوه التعريف السابق لم يهملوا جانب
[ ٣٠٧ / ٨ ]
المعنى فيعدّوا كل منظوم شعرًا. بل كان الشعر عندهم من جهة معانيه كالشعر عند اليونان. قال قدامة في نقد النثر: وإنما سُمِّي شاعرًا لأنه يشعر من معاني القول وإصابة الوصف بما لا يشعر به غيره. وإذا كان إنما يستحق اسم الشعر بما ذكرنا فكل من كان خارجًا عن هذا الوصف فليس بشاعر وإن أتى بكلام موزون مقفى
وإنما نظروا إلى الجانب اللفظي لأنه الجانب المحسوس الواضح الذي لا يشارك الشعر فيه النثر. وربما كان أول من عرّف الشعر العربي رجال العروض الذين ينظرون إلى ألفاظ الشعر دون معانيه.
وكذلك اليونان حين عرفوا الشعر من جهة المعنى لم يكن شعرهم خاليًا من الوزن والقافية ولكنهم نظروا إلى ناحية دون أخرى
والشعر والنثر مشتركان في قواعد البلاغة وقوانين الكلام وإن كان الشعر في جملته أميل إلى المجازات والاستعارات من النثر. قال قدامة بن جعفر في كتابه نقد النثر:
(وقد ذكرنا المعاني التي يصير بها الشعر حسنًا وبالجودة موصوفًا، والمعاني التي يصير بها قبيحًا مرذولًا. وقلنا أن الشعر كلام مؤلَّف، فما حسن فيه فهو في الكلام حسن، وما قبح فيه فهو في الكلام قبيح. فكل ما ذكرناه هناك من أوصاف حد الشعر فاستعمله في الخطابة والترسل، وكل ما قلناه عن معايبه فتجنَّبه هنا).
ولكن يختلف الفنان فيما يعالجان من الموضوعات وفي طريقة البيان إجمالًا. فالأصل في الشعر أن يتناول الأمور التي هي أدخل في العاطفة والخيال، وإن يتانق في التصوير والتجوّر. والأصل في النثر أن يتناول الموضوعات الطويلة التي تحتاج إلى تفكير وتوضيح وإن يبين إبانة طبيعية، وربما يشارك النثر الشعر في موضوعاته فقد كتب الكتاب منذ القرن الرابع في الفخر والهجاء والمدح والعتاب والغزل الخ. وربما يشاركه في عباراته وأساليبه كذلك. ولكن يبقى بعد هذا أن الشعر والنثر في أصلهما مختلفان في الموضوع وطريقة البيان، ولولا اختلاف الشعر والنثر في الموضوع والتصوير لكان الكاتب المجيد شاعرًا مجيدًا إذا استطاع أن ينظم، ولكان الشاعر المجيد أجود في كتابته حين يتحلل من قيود النظم، ولكن الإجادة في الاثنين معًا لا تتفق لأكثر الناس. وقد سئل أبو إسحاق الصابي عن الفرق بين الكتابة والشعر فقال:
[ ٣٠٧ / ٩ ]
(ان طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في منظومه؛ لأن الترسل هو ما وضح معناه وأعطاك سماعُه في أول وهلة ما تضمنته ألفاظه، وأفخم الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة) ثم علل الصابي قوله هذا بفسحة النثر وضيق النظم
وكلام الصابي ليس صحيحًا على هذه الصورة لأن الغموض لا يحسن في النثر ولا في الشعر وكأنه أراد أن يقول: أن الشعر أقرب إلى الإجمال في بيانه. وقيوده تحول دون الإيضاح الذي يملكه الناثر.
فطبيعة النظم تبيح للشاعر شيئًا من الغموض والتقديم والتأخير لا يباح في النثر، ولكن الغموض ليس مستحسنًا في منظوم ولا منثور
وقال ابن خلدون في الفرق بين الشعر والنثر:
واعل أن لكل واحد من هذه الفنون أساليب تختص به عند أهله ولا تصلح للفن الآخر ولا تستعمل فيه مثل النسيب المختص بالشعر، والحمد المختص بالخطابة، والدعاء المختص بالخطابات وأمثال ذلك
وقد استعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه في المنثور من كثرة الأسجاع والتزام القافية وتقديم النسيب بين يدي الأغراض، وصار هذا المنثور إذا تأملته من باب الشعر وفنه ولم يفترقا إلا في الوزن)
عبد الوهاب عزام
[ ٣٠٧ / ١٠ ]