(إلى روح الشاعر م. ع. الهمشري)
للأستاذ صالح جودت
قال لي صاحبي، وقد جُنَّت الشم س فألقتْ بجسمها في الماءِ
ألَنا أنْ نسير حتى نرى الصُّبْ ح فنُفضي له بسر المساء؟
قُمْ بنا ننتهي إلى ضفة الني ل وعشب (الجزيرة) الفيحاء
خُطَواتُ النهار للناس، لكنْ خُطَواتُ الظلام للشعراء
نحن من نملأُ العقولَ ضياءً ما بنا حاجةٌ لنور ذُكاء
وانتهينا إلى الجزيرة، مغنى ال طير والزهر والرُّبى الغنَّاء
لَفَّها النيل في ذراعيه وانْسا بَ يُغنِّي لها نشيد الولاء
ورمَى الموج تحت أقدامها السُّمْ رِ دُعابًا، فأطرقَت من حياء
وتَعرَّت رضيّةً في يديه وتراخت تراخيَ الغيناء
ثم لما خاف الظنون عليها لَفَّها في ملاءة خضراء!
جنة الحب يا جزيرةُ شُطْآ نُكِ، مَلْهي القلوب والأهواء
جنة الخُلد، غير أن رُباها أمَّنَتْ آدمًا على حَوّاء
أَمَّهَا شاعر من الخلد يَروي بالأغاني صَدَى القلوب الظِّماَءِ
وأَطَلَّ الهلالُ حينًا فألْفَى كوكبًا في الضفاف حُلْوَ الضياء
وأطل الزمان حينًا فألفى أَجَلًا في الشباب جَمَّ الرجاء
وأطَلَّتْ عينُ الخلود فقالت: إن هذا مكانه في السماء!
يا رفيق الصبا، وهيهات نِسيا نُ الليالي المخلَّداتِ الصفاء
يوم كان الزمان كالزهر في الفج رِ، وكنا عليه كالأنداء
يومَ كنا نمَوِّجُ الماء ضِحكًا في ضفاف (المنصورة) الحسناء
لم نكن نعرف التواريخ إلاّ من وعود الحسان عند الوفاء
لم نكن نعرف العَشِيات إلاّ من غناء الكِرْوان عند المساء
ثم مَرّتْ من الزمان صروفٌ وهبطنا مدينةَ الضوضاء
[ ٣٠٨ / ٤٧ ]
وبَدَأْنا الكفاحَ في عالم العيْ شِ ودنيا منازَعاتِ البقاء
فجعلنا لقاَءنا فَتَراتٍ يَنفدُ الصبرُ من خُطاها البِطاء
كم حَثثْنا تَسْيارَها، وجهلنا أنها تنتهي لغير لقاء!
أين هذا الشبابُ والأملُ الضا حكُ بين الخطوب والأرزاء
وأحاديثُكَ المليئةُ بالأح لام في عالَمٍ قليل الرجاء
كنتُ ألقاكَ، والحياة تجافي ني وإعصارها يهد بنائي
فإذا ما سمعت ضِحكتكَ العذْ بةَ، أحببتُ بَعدها أعدائي
وتَمشَّى السلامُ في جوِّ نفسي وتَطهرْتُ من طويل عنائي
وقرأتُ الحياة فيك كتابًا شاعريَّ الآمال والآلاء
وشبابًا هو الربيعُ الموشَّى برقيق الظلال والأضواء
حين تبدو وعُرْوةُ الصدر في ثَوْ بكَ تزهو بالوردة الحمراء
واحمرارُ الحياة يُشعلُ خدَّي كَ، ونور الشباب في لأَلاء
تَطأُ اليأسَ باعتداء الأماني وتُذِلُّ الزمانَ بالكبرياء
وتُغنِّي، وتَنهبُ العيش نهبًا شَأنَ من أُلهمَ اقتراب الفناء!
ها أنا عُدْتُ للجزيرة وحدي أتملاَّكَ خلف تلك المرائي
ومَضتْ قَبضتي تُصافح يُمنا كَ، فصافحتُ قبضةً من هواء!
وتَلفَّتُ باحثًا عن أماني ك، فلم تهدِني سوى الأشلاء!
غير أني أراك في شعركَ الخا لد روحًا تهيم بالإسراء
وأرى طيفكَ المغرِّدَ بين ال زهر والطير والرُّبى والماء
فأقول الخلودُ لله، واللهُ يريد الخلودَ للشعراءِ!
صالح جودت
[ ٣٠٨ / ٤٨ ]