للأستاذ عبد الرحمن شكري
أبدى لنا بعض الأدباء الأفاضل شكًا في وصفنا للبحتري من حيث غلبة الصناعة على العاطفة في شعره واختلاط الحقيقة بالخيال في تلك الصنعة مما جعل بعض القراء يغترون بها ويحسبونها عاطفة. ولم نكن نريد انتقاص البحتري إذ عددناه ممثلًا في صناعته، يمثل العواطف المختلفة تمثيلًا متقنًا؛ ولم نُرَجِّح صحة رواية كتاب الأغاني عن طريقة إنشاده وعن طلبه الاستحسان من الحاضرين وزجرهم إذا لم يُظْهِروا الإعجاب، إلا لأن ذلك يفسر تناقض ما يمثل من العواطف والأحاسيس في شعره، كما سنوضح، ويتفق وطريقة الصناعة اللفظية التي ينتشي فيها الصانع بما يقول، وقد أغفلنا الإشارة إلى ما يروى عن بخله إذ لا دخل لذلك بفنه، وكذلك أغفلنا ما روي عن قلة اكتراثه بثيابه ونظافته. . . الخ.
والحقيقة أننا نعجب بصناعة البحتري إعجابًا كبيرًا، لكن الإعجاب لا يمنع من الوصف والدراسة النفسية والسيكولوجية. وربما أخذ علينا بعض حضرات الأفاضل قولنا أن رثاءه للمتوكل كان صنعة وإننا نشك في قوله: (أدافع عنه باليدين. . . الخ). وقد رفضنا ما قرانا في بعض الكتب من رواية لعلها رواية عدو أو رواية مازح أراد أن يداعب قوله: (أدافع عنه باليدين الخ). فقد قيل أنه اختبأ أثناء مقتل المتوكل. ويكفي أن نقول أن الفتح ابن خاقان هو الذي حاول أن يدافع عن المتوكل بيديه وبجسمه فقتله الفاتكون وهو من زعماء الترك مثلهم، فما كانوا يتعففون إذا عن قتل البحتري إذا صح أنه دافع عنه باليدين أن لم يكن لغضب منه فلكي يصلوا إلى المتوكل. ولم نسأ أن نذكر أنه مدح المنتصر بعد أن هجاه في رثاء المتوكل، ومدح زعماء الفاتكين وعرَّض بهجاء المتوكل في مدحه للمنتصر كما سنوضح، ومدح المستعين الذي خلف المنتصر والذي كان منافسًا للمعتز بن المتوكل الذي مدحه البحتري في رثائه للمتوكل ورجاه للخلافة، ومدح ابن المستعين ورجاه للملك أيضًا. كل ذلك والمعتز أسير حبيس، ثم بعد أن ثار الجند الترك على المستعين الخليفة واضطروه أن يخلع نفسه وفتكوا به هجاه البحتري بقوله:
وما كانت ثياب الملك تخشى جريرة بائلٍ فيهنَّ. . . ري
وكان الغدر والخيانة والانتقاص أمورًا شائعة في ذلك العهد. وفي رثاء المتوكل يهجو
[ ٣٠٧ / ٢٣ ]
المنتصر فيقول: (إذا الأخرق العجلان خيفت بوادره) ويقول:
ولا وأل (المشكوك فيه) ولا نجا من السيف ناضي السيف غدرًا وشاهِرُهْ
وهذا يشمل المتهم بالتحريض غدرًا وهو المنتصر ويشمل الذين شهروا السيف وقتلوا المتوكل وهم الذين مدحهم البحتري بعد ذلك. ورب قائل يقول: أن الشاعر لا دخل له بالسياسة فهو يمدح الحكومة القائمة. ولكن البحتري لم يكتف بمدح كل حكومة كانت قائمة بل كان يهجو الحكومة التي قُضِيَ عليها. وقد رأينا هجاه للمنتصر في رثائه للمتوكل فانظر كيف يمدحه ويقول:
سروا موجِفِين لسعي الصفا ورمي الجمار ومسح الحجر
حججنا البنية شكرًا لِمَا حبانا به الله في المنتصر
أي أنه حج كي يشكر الله على أن المنتصر تولى الخلافة وهو الذي يصفه في المرثية بالأخرق العجلان ويرجو أن لا ينجو من أن يُقْتَل بالسيف لأنه متهم بالتحريض على قتل أبيه، ولم يكتف بالحج شكرًا بل وصف المنتصر بالحلم بعد وصفه بالخرق فقال:
من الحِلْمِ عند انتقاض الحلو م والحزم عند انتقاض المرر
تَطَوَّل بالعدل لما قَضَى وأجمل في العفو لما قدر
ودام على خُلُقٍ واحد عظيم الغناء جليل الخطر
ويقول:
ولكنْ مُصَفىًّ كماء الغما م طابت أوائله والأخَر
تَلافَى البرية من فتنة أَظَلَّهُمُ ليلها المعتكر
رددت المظالم واسترجعت يداك الحقوق لمن قد قُهِر
وآل أبي طالب بعد ما أذيع بسربهم فابْذَعَرْ
وصلتَ شوابك أرحامهم وقد أوشك الحبل أن ينبتر
وهذا المدح طويل جيد، ولا يقل صناعة عن مدحه للمتوكل بل أن فيه تعريضًا بحكومة المتوكل وهجاءً له، إذ أن المتوكل هو الخليفة الذي غالى في اضطهاد آل أبي طالب. وقوله (رددت المظالم) هجاء صريح للحكومة السابقة، وقال:
بقيت إمام الهدى للهدى تُجَدِّدُ من نهجه ما دثر
[ ٣٠٧ / ٢٤ ]
فإذا كان الهدى قد دثر وجدده المنتصر فمعنى ذلك أن المتوكل هو الذي كان الهدى في عهده مندثرًا.
وفي مدح العباس بن المستعين يقول:
تَوَلًّتْهُ القلوب وبايعته بإخلاص النصيحة والوداد
هو الملك الذي جُمِعَتْ عليه على قدر محبات العباد
بعد أن كان لا يرضى بعد المتوكل خليفة إلا بالمعتز ابنه، وقد قال في ذلك (وإني لأرجو أن تُرَدَّ أموركم الخ)
وفي مدح المستعين يقول:
تِلْو رسول الله في هَدْيِهِ وابن النجوم الزهر من آله
وهذا ليس مدحًا شكليًا لكل حكومة قائمة بل هو يُمَثِّل عاطفة الولاء الشديد والاقتناع بالصلاح وإلا ما قال (تلو رسول الله)
وبعد أن جعل المستعين مثل رسول الله عاد بعد تعذيب الجنود له وقتله فقال: (وما كانت ثياب الملك تخشى الخ) وقال أيضًا فيمن شبهه قبل ذلك برسول الله:
ثقيل على جنب الثريد مراقبٌ لشخص الخوان يبتدى فيواثبه
إذا ما احتشى من حاضر الزاد لم يبل أضاَء شهاب الملك أو كلَّ ثاقبه
تخطَّي إلى الأمر الذي ليس أهله فطورًا ينازيه وطورًا يشاغبه
وبعد قتل المعتز مدح أيضًا الحزب المناوئ له وخليفة ذلك الحزب وكان في مدح كل خليفة يذكر مدحًا يصح أن يحمل على محمل التعريض بالخليفة السابق الذي كان قد رفعه البحتري إلى السماء كما فعل مع المستعين
وهذه الخطة لم تكن خطته نحو الخلفاء والوزراء فَحَسْب، بل أنه أيضًا صنع النسيب والتشبيب في علوة الحلبية حتى ظن بعض النقاد أنه من أصدق النسيب وهو ليس كذلك، فهو في القصيدة الواحدة يصفها بالصيانة والتبذل فقال:
بيضاء رود الشباب قد غُمِستْ في خجل دائمٍ يعصفرها
لا تبعث العُد تستعين به ولا تبيت الأوتار تخفرها
وبعد هذا الوصف بالتصون يقول في القصيدة نفسها:
[ ٣٠٧ / ٢٥ ]
وليلة الشك وهو ثالثنا كانت هناتٍ والله (يغفرها)
وعلى فرض صحة حدوث ما يستوجب (الغفران) أيليق ذكر ذلك في النسيب الذي يصفها بالتَّصوُّن؟ وأدهى من ذلك أنه عاد وهجاها أفحش هجاء بقول لا يتفق وما وصفها به من التصون وهو قول لا يمكن الاستشهاد به (صفحة ١٠٩ من طبعة الجوائب) وفيه أنكر عليها التصون والعفة والجمال والأنوثة. وقصته مع نسيم غلامه معروفة إذ كان يبيعه ويقبض ثمنه ثم يعود فيهدد الذي اشتراه حتى يرده إليه هدية كي يكسب المال. ونسيبه فيه نسيب ظاهره الرقة وباطنه فساد الذوق الذي يكون عندما تنعدم العاطفة وتُدَّعى تمثيلًا قال فيه:
فقل لنسيم الورد عنِّي فإنني أعاديك إجلالًا لوجه (نسيم)
ولو كانت عنده عاطفة لقال:
فقل لنسيم الورد أَقْبلْ فإنني أحبك مِنْ حبيِ لوجه نسيم
أو مِنْ حبي لطيب نسيم، أو ما شابه ذلك إذ لا يُعقَل أنه يكره الرائحة الزكية لأن نسيم الورد اسمه مثل اسم نسيم. ما بقى إلا أن يتغزل في الرائحة الكريهة إجلالًا لوجه نسيم كما يقول. وقال أيضًا فيه:
لم تجِدْ مثل ما وجدتُ وما إن صفْت أن أنت لم تجد مثل وجدي
كيف يكون من الذوق والصدق أن يطلب من ذلك المملوك الصغير أن يعشقه ويحس بوجد مثل وجده به والبحتري شيخ كبير والمملوك غلام صغير؟ أظن أن هذه الشواهد كلها تزكي وصفنا للبحتري وكنا لا نريد الإطالة - وهو وصف على أي حال لا يطعن في علو صنعته.
فقد وصفنا في مقالة (صيانة العقيدة من احتيال النفوس) أن النفس البشرية تستطيع أن تخفى عن نفسها قبح رذائلها وأن تزكيها بأن تلبسها لباس الفضيلة أو الدين
ومن نظراته الصادقة أيضًا قوله:
وما القرب في بعض المواطن للذي يرى الحزم إلا أن يشطّ ويَبْعُدَا
فقد يكون في البعد من الإبقاء على المودة ما لا يكون في القرب. وهذه النظرات الصادقة ليست قليلة في شعره بالرغم من فساد نظرته أحيانًا. وأختم قولي عن البحتري بأن أعيد
[ ٣٠٧ / ٢٦ ]
بيتًا له أعجب به وهو قوله:
ما أضعف الإنسان لولا همة في نُبْلهِ أو قوة في لبه
إذ يعجبني منه اختصاصه النبل بالهمة واللب بالقوة وجعل قوة الإنسان في همة نبله كما جعلها في قوة لبه
والغريب في أمر البحتري أنه قد يخطئ في المعنى إذا كان نسيبًا ويصيب فيه إذا كان مدحًا كان الرُّغْبَ في قلبه أشد من الحب. انظر كيف فسد ذوقه في قوله في النسيب وقوله في مملوكه نسيم:
فقل (لنسيم الوَرْدِ) عنى فإنني أُعادِيك إجلالًا لوجه نسيم
ثم إلى قوله في المدح:
إني لأضمر (للربيع) محبة إذ كنتُ أَعْتَدُّ الربيع أخاكا
وأصابته في البيت الثاني كانت خليقة أن تجعله يقول في البيت الأول أنه يحب نسيم الورد لمشابهة الورد للنسيم، كما أحب الربيع لمشابهته للممدوح، ولكن له سقطات في وصف الأحاسيس وما تقتضيه من القول شان القائل بالصنعة لا بالعاطفة وأن كان أميرًا لها. وأدهى مما ذكرنا أن عظيمًا من بني حميد ماتت ابنته فحزن لموتها فنظم البحتري قصيدة يعزيه فيها فقال أن العاقل ينبغي ألا يحزن لموت أنثى أيَّة كانت لأنها قد تجلب العار:
واستذلّ الشيطان آدم في الج نة لَّما أغرى به حَوَّاء
والفتى مّنْ يرى القبورِ لَما طا ف به من بناته الأكفاء
نعم أنه يُعرِّض بمعنى العار ولا يصرح ولكنه تعريض كتصريح، ففي القصيدة يقول: أن أعاظم العرب ما كانوا يئدون بناتهن فقرًا (بل حَمِيّةً وإباء) وذكر احتمال العار كي يعزي به أبًا حزينًا على فقد ابنته، والمُعزَّى من أعاظم الناس والفتاة التي ماتت من كريمات النساء. فساد في ذوق الصانع حتى مع احتمال حدوث العار لو عاشت إذ يكون من فجاءات الحياة التي لا تتفق وكرم محتد التي يرثيها. هذا هو خطأ ذكاء الصنعة، أما إذا أسلم نفسه لذكاء الطبع والبصيرة النفسية (السيكولوجية) أتى بنظرات صادقة في النفوس والحياة مثل قوله:
إذا أحرجت ذا كرم تخطَّى إليك ببعض أخلاق اللئيم
[ ٣٠٧ / ٢٧ ]
واختياره كلمة اللئيم للكريم المُحْرَج ليس فيه مبالغة كما يعرف المفكر في أخلاق الناس، كما أنه ليس من المبالغة قوله في البخل أو اللؤم أو ما شابه ذلك:
وتماحكوا في البخل حتى خلته دينًا يدان به الإله ويُعبَدُ
عبد الرحمن شكري
[ ٣٠٧ / ٢٨ ]