مصرع الصقر
للأستاذ أمجد الطرابلسي
أقبل الليل من وراء الدُّهورِ يتهادى تهاديَ المخمورِ
دغدغ الغابَ فاستكانَ إليه وسرت فيه رِعشةُ المقرور
وسجا تحت جنحه يعبث النَّو م بأجفاِنِه كطفلٍ غَرير
مثلما نام أَرْغَبٌ تحت جنح الأ مّ في ظلِّ عشّهِ المضفور
أقبل الليل مثلَ أَجْنحة العقْب انِ أو وجهِ بائسٍ مَقهور
يسحب الخَطْو مُتبعًا ويجرُّ الذَّ يلَ جرًاّ على بَقايا النّور
وغفا الغابُ لا زئيرُ سباعٍ يتعاَلى ولا هتافُ طيور
ليس إلا النَّسيم يخطرُ هَوْنًا خَضِل العِطفُ مُثقلًا بالعَبير
يتثّنى وسْط السُّكون مُطيفًا بِعشاشٍ هَنيئةٍ وَوُكور
كطيوف الأحلام تسرى خفافًا حول عذراَء في المهادِ الوَثير
يَمسَحُ الأعْيُنَ النّيامَ رَفيقًا ببَلالِ الندى ونشرِ الزُّهور
ويهزُّ الغصونَ حينًا فلا تس معُ في الجوِّ غيرَ خفْقِ السَّفير
رقدَ الغابُ في حمى الّليل عَيّا نَ يَعُبُّ الكرى بطرفٍ قرير
وتلاقى الآلاّفُ فيه على الصَّف وِ وناموا عن كامن المقدور
رقد الغاب كلّه غيرَ عيني ن تَشُعّانِ في الدُّجَى المنشور
شَرَدَ النّومُ عنهما في الدّياجي فهما للسّهاد والتفكير
تستشفّان مُخْبَآتِ الّليالي وتُضيئان حالكاتِ السُّتور
يا فتىَّ الصّقور! أيُّ مرام يَتَصّباكَ يا فِتيَّ الصقور!
لفَّ هذا الظلامُ أترابَكَ الصِّي - دَ ببردٍ من غبطةٍ وسُرور
أسلموا الأعينَ القريرةَ للحُلْ مِ وناموا عن كامِنِ المقدور
وسهرتَ الظلامَ في ذروة الدّو حِ تُديرُ الأحداقَ في الدَّيجور
ترمقُ الغابَ تارةً فتراه غارقًا في سُكوِنهِ والعُطور
[ ٣٠٨ / ٤١ ]
وتناجى السَّماَء حينًا فتسبي ك الدراريُّ بالحديثِ المُثير
جرد الصقور حوله من بياض الثلج جُنحينِ في ائتلاقِ الثُّغور
وانبرى في الفضاء يخترقُ اللي لَ بسَيْفَيْه كالشهاب المغير
زفَّ كالبرقِ وأمحى بعده الغا بُ وراَء المدَى وخلفَ البحور
ومضى في السماء يسمو إلى النَّج م بعزمٍ وسْطَ الظلامِ مُنير
أين تَسمو يا صقر في حُلكةِ اللي ل، وماذا يغريك بالتَّشمير؟
ما الذي نَفَّر الرقادَ وأذكى النَّ ارَ حَرَّى في صدرك المصهور؟
النهاياتُ، يا ربيبَ السّموا ت، تَطَوَّت لجنحك المحرور
وتوارت عنك الدّنى، وتواري تَ بعيدًا عن طرفها المحسور
فإلى أين تَنطحُ الجوَّ يا صق ر وقد آذن السنا بسُفور
وصفا الكونُ ليس تَسمع فيه غيرَ همسِ النجوم وسطَ الخدور
رانياتٍ إليك يَرْمقْنِ جُنْحي كَ الطليقين في الفضاءِ السحير
يا مغيرًا على السحاب تَرَفَّقْ بجناحَيْكِ والشباب الطَّرير
وبوكرٍ تركتَهُ في حمى الغا بِ مشوقٍ لعطفكَ الَمبرور
رَقَدَتْ زُغْبُهُ وَوَلّيتَ عنه نحوَ حُلْمٍ ضافي الظُلال نَضير
أينَ تمضي كالسَّهم في ثَبَج الأوْ جِ وتَرَقى في المَهْمَهِ المهجور
لم تدعْ في العَلاءِ بعدُ فخَارًا لصُقورٍ تَسمو ولا لنُسورِ
يا فتىَّ الصقور قد هبَّت الريح فهلاّ سمعتَ صوتَ النَّذير
أعولتْ توقظُ السحاب فتُزجي هـ على لؤلؤ الدّجى المنثور
أي حلم يغريك يا صقر حتَّى تتخطَّى إليه كلَّ خطير؟
تركب الليل نحوه راعبَ الوجس هـ وتغضى عن شرّه المستطير!
يا كبير المنى! أما كلّ جنحا ك الفتيّان في غلاب الأثير؟!
هل لمسراك يا بعيد الأماني في الدّجى من مُعرَّسٍ أو مصير؟
اسمُ يا بنَ الطموح! ما كلُّ صقرٍ يطلب العزَّ فوقَ هامِ البدور
ليس كل الشباب يفرح بالمج دِ ويَعتزُّ بالطموحِ الكبير
[ ٣٠٨ / ٤٢ ]
اسمُ حتَّى يَرضني غُرُورك يا صق رُ بما نالَ. . . عاش ربُّ الغرور!
الشبابُ العظيمُ لا عاش يا صق_رُ قَنوعًا يرضى بكل حقير!
الشبابُ الكبير لا كانَ إمّا ضَمَّ عِطْفيهِ فوقَ قلبٍ صغير!
جُنَّت العاصفاتُ واضطرب اللي ل ودوّى فيه نَذيرُ الثبور
وتبارت فيه الأعاصير غَضبي مُعْولاتٍ تهزُّه بالزْئير
تستحثُّ الغيومَ من كلّ فجٍ كهضابٍ موَّارة وصُخور
وتَرَجَّى رحبُ الفضاءِ فما في هِ شُعاعٌ لمدلجٍ مُستنير
وأفاقتْ عيونُ كلِّ الفجاءا ت وماجتْ أرواحُ كلِّ الشرور
وانبرى البرق يصدع الدجية العمي اَء صدعًا بلمحِهِ المذعوِر
راسمًا باللظى على صفحةِ الأف قِ وعيدَ المقدّر المسطور
والرّعودُ الغضابُ زلزلت الكو نَ بصيحاتِ ثائِرٍ موتور
قهقهتْ في السماءِ تَضحكُ لِلهوْ لِ وتُرغى كالشامت المحبور
لحظةً ثمّ فجِّرَ السّيلً دَفّا قًا يجوبُ الدّجى رهيبَ الهدير
تَتَلَوّى حباُلُه بيدِ الرّيح وتهمي بلا وَنى أو فُتورِ
يا لَهولِ القضاءِ خلف الدَّياجي وألاعيبِ صَرفه المستور!. . .
ساعةٌ كالوُجودِ في طولها المرِّ (م) ودنيا المعذَّبِ المأسور
مَزّق الفجْرُ هَولها فتجلَّتْ عن صفاءِ السنا وحُسن البكور
وإذا الغابُ أَدْمُعٌ ومَناحا تٌ على صقرِهِ أمير الصّقورِ
حَطمت جُنحه الأعاصير في الّلي ل فيا رَوْعةَ الجناحِ الكسير
ثم ألقتْ به الرياح إلى الغا ب فيا لَوعة الحِمى المْغدُورِ. .
يا ابنةَ المجد والمآثِرِ يا بَغ دادُ! يا مَفْخرَ الخلود الفخور
وسِّدي صقرك الصريع ضريحًا من جراحاتِ صدرك المفطورِ
واغمري بالزّهور والغار نَضرًا قبرَ من عاشَ عُمْرَه كالزهور
واجعلي رَمسَهُ منارَ البُطولا تِ ورمزَ الهدى وكنزَ الشُّعور
فلقد كانُ حلمنا العذبَ نَرْنو لِسنا وجهِهِ الضحوك البشير
[ ٣٠٨ / ٤٣ ]
ولقد كانَ قُرةً للمآقي ولقد كان خفْقةً في الصدور
تَتغنَّى به القلوبُ تَسابيحَ ويَهفو إليه كلُّ ضمير
إيه بغدادُ! أين مِنِّىَ قبرٌ ضَمّ أشْلاءُ حلمِنا المذْرورِ؟!
أنا أبكي له غَريبًا فمنذا يُبلغُ القبرَ مَدْمعي وزفيري
في بلاد، لا القومُ فيها بقومي فَأُعزّي، ولا القصور قصوري
ولو أني هناكَ حيثُ فؤادي هائمٌ وحدَه وراَء البحور
في بلادي وملعبي وظلالي عندَ أهلي وجيرتي وعشيري
لنثرتُ الزهورَ من صدْري الدّا مي على قبرهِ الذّكيِّ الطَّهور!
يا مليكي! يا سِّيدَ الشام إرثًا عن أبيهِ المظَفَّر المنصورِ
أرأيتَ الشّآمَ أذْهلها الخ طبُ ومادتْ لنعيكَ المسْتَثِير
أمسكتْ قلبها الطَّعينَ بكَ فّيها وصاحت كالصارخِ المستجير
نسِيَتْ جرحها البليغَ المدَمَّي وشكاياتِ صدرِها المصهور
ونيوبَ الدّخيلِ تَفتكُ فيها فتكةَ الذّئب بالقنيصِ الأسير
وتَلَوّتْ مَحلولَةَ الشَّعرِ تبكي في مناخاتِ حُلْمِها المقبور
طالما جَمَّعَت لَك الزَّهَر النَّضْ رَ وهامتْ على ضِفافِ الغدير
وقَضتْ لَيلَها تصوغُ لكَ التا جَ وتمشي في قَيدها المجرور
لم تكنْ وهْي تَنسِج التاجَ تدري أنَّ مَنْعى آمالها في البكور!
لهفَ نفسي يا شامُ يا ملعبَ الأب طالِ، يا مَسرحَ الحسان الحور!
يا نشيدي في غُرْبتي ولحوني! يا حديثي في وحدتي وسميري!
أيّ أشباحِيَ الدّوامي أناغي في الّليالي وفي رُقادي النفور
تضحكُ الأرض والعوالمَ حولي وأنا في مواجِعي وسَعيري
كم أَتتْ بي إليكِ أخْيلتي الهو جُ سِراعًا في زحفها والكرور
تَتخطى المَدى فلا الموج يعتا قُ سُراها، ولا لَهيب الهجير
بجناَحيْن من هوايَ وإشفا قي شد يَدْين في اختراق الأثير
يا بلادي موجي على نَغَم الهوْ لِ وغَنِّي وسْط الدّم المهدور
[ ٣٠٨ / ٤٤ ]
واضحكي للمصاب يَقتحم الغا بَ عسيرًا على المصاب العسير
أنا أبكيكِ إذْ أُهَدهدُ بغدا دَ وأرثى لجنِحكِ المكسور
أنتما في الصفاء والدّمع أختا نِ رَبيا تمائِم وَحجور
ضَمَّ شَمليكما طموحٌ وآلا مٌ وأَمجادُ أَعصرٍ وَدُهور
يا فقيدًا بكى لمصرعه العُرْ بُ بدمعٍ ملء الجفون غزير
وحدةُ العرب كم سهرت تناج يها مشوقًا لفجرها المنظور!
كم أقضَّت جراحة العربَ جنبي ك على مَهدك الهنيء الوثير
وشهدتَ الوعيدَ في أعين الذئ ب وكنتَ النصيرَ خَير نَصير
نم قريرًا فوحدةُ العُرب سارت بسناها النّجومُ كلَّ مسير
وحدةُ العرب قد تَضوّعَ في الجوِّ شَذاها مثلَ الخميل النَّضير
وحدة العرب مَزَّقتُ حُجب اللي ل وشَعّتْ مِلَْء الفضاءِ المنير
ملأتْ شَمسُها النهارَ فمنذا ينكرُ الشمسَ غير كل ضَرير؟
يا لهزلِ المستعبدين! أَلَمّا يأنِ أن يَنظروا بعينِ بصير
عَبثوا والزَّمان جَدَّ وهاموا في مَوامي حُلْمٍ لهمْ مَغرور
وأقاموا الحدودَ بينَ الأشقّا ءِ، فيا حكمةَ العقول العُورِ. .!
أيها الساهرون للكيد في دُهْ مِ الليالي. . . يا خيبةَ التدبير!
قلِّبوا الرأَي كيف شِئتم خِداعًا واشتروا كلّ خائنٍ مأجور
وابذلوا الوعدَ كاذبًا، واقتلوا الح ق، وغشّوا الضُّحى بليل الزور
لن تنالوا المنَى ولو قد أقمتم ألفَ سور وراَءها ألفُ سور!
أيّها العربُ حيث كنتم من الأر ضِ، ومن كلِّ مربضٍ وعشير
جمعتنا الدموعُ في مأتمِ الصّق ر، وكم وَحَّد الأسى من شعور
وبكينا حينًا ولا خيرَ في الدَّم ع إذا لم يُثر شَكاة الصّدور
فدعوني أَصرخْ فَيَسمعَ قومٌ أَنكروا قَوْلَةَ النَّصيح المشير
واستقادوا لكل أمْلَسَ رَوّا غٍ وهاموا بصاغَةَ التزوير
غَصّبتْ الكأسُ بالمظالم حتى أنفدَ الظلمُ صبرَ كلّ صبور
[ ٣٠٨ / ٤٥ ]
فليكونوا أحلافَنا نُخلص الوُدّ (م) لهمْ في الشقاء أو في السرور
وليكونوا أعداَءنا نتلقَّفْ طعنهم في صُدورنا لا الظُّهور
لا نحبُّ الخداعَ في حَوْمَة العِزِّ (م) ونأبى ميثاقَ كلّ غَدور
عَرَبٌ نحن ما نَذِلُّ لباغٍ مُستبيحٍ ولا نَدينُ بنير
مِشْعلُ النّور ما يزال بأيدي نا مُشِعًّا رَغْمَ انطفاءِ العصور
وَحّدَتنا مَواجعُ القيدِ حينًا فارقبوا اليومَ وَحدَة التحرير!
(باريس)
أمجد الطرابلسي
[ ٣٠٨ / ٤٦ ]