مترجمة عن الفرنسية
بقلم الأستاذ محمد محمد حمدي
هو كاتب في وزارة المعارف ومنزله في إحدى ضواحي باريس، ولذلك كان يركب عربة (الأمنوبيس) في صباح كل يوم من منزله إلى الوزارة؛ وكان يجلس دائمًا أمام فتاة يشعر نحوها بعاطفة الحب
وكانت الفتاة تذهب إلى المحل الذي هي عاملة فيه؛ وهي سوداء العينين بيضاء الجسم ناصعة البياض كأنها تمثال من العاج. وكان يراها تقْبِل كل يوم من منعطف في نفس الطريق، وكثيرًا ما كانت تجري لتدرك العربة وهي سائرة وتتعلق بها قبل أن يقف الجوادان، ثم تجلس في المكان الخالي وهي تلهث من التعب وتدير لحظها فيما حولها
ومنذ رآها (فرنسوا تاسييه) أعجب بجمالها، وكانت الفتاة وفق أمانيه ورغائبه وصورة لخيال الحسن المنطبع على قلبه فأحبها من صميمه قبل أن يتعارفا
كان لا يستطيع أن يرد بصره عنها، وكانت تخجل من نظراته وتضطرب، وقد أدرك ذلك فحاول أن يغض من بصره ولكنه على غير إرادته كان يعود بين لحظة وأخرى فينظر إليها. وبعد أيام قليلة عرف كل منهما الآخر وإن لم يتكلما. وكان يترك مكانه ويقف خارج العربة إن أقبلت الفتاة والعربة مزدحمة. وكانت الفتاة إذ ذاك تحييه وهي مرخية أهدابها حياء من نظراته ولكنها مع ذلك لم تكن تغضب من هذه النظرات
وأخيرًا تحادثا ونشأت بينهما مودة سريعة، وكان يقضي أمامها نصف ساعة في كل يوم. ولكن هذه الأنصاف من الساعات كانت فتنة العمر. وكان يفكر فيها بقية يومه ويرى طيفها ماثلًا أمام عينيه، لأن حبها كان مستحوذًا على خيال متسلطًا على قلبه باعثًا في نفسه تلك السعادة الجنونية التي يخال صاحبها أنه في عالم غير عالمنا الإنساني
وصارت تصافحه كل يوم فيحتفظ بالإحساس الذي تثيره هذه اللمسة الرقيقة من أصابعها الصغيرة فيظل ناعمًا بإحساسه هذا إلى الصباح التالي وكان يقضي يومه وليلته في انتظار الساعة التي يركب فيها الأمنوبيس، وما كان شيء أبغض إليه من أيام الآحاد لأنه لا يستطيع فيها أن يراها. وكانت الفتاة تحبه بغير شك. وفي يوم سبت من أيام الربيع وعدته
[ ٣٦٥ / ٦٨ ]
بأن تتعشى معه في اليوم التالي بمطعم في ضاحية أخرى
التقيا في صباح الأحد عند المحطة ففاجأته بقولها: (أريد أن أكلمك قبل أن نذهب، لقد بقي عشرون دقيقة على سفر القطار وهي كافية لما أريد أن أقوله)
وكانت ترتعش وهي تقول ذلك، وتعلقت بذراعه وقد أصفر لونها ونظرت إلى الأرض واستمرت تقول: (أريد ألا تنخدع بي، ولن أذهب معك حتى تعدني وتقسم بأن تكون شريفًا معي)
ثم اصطبغ وجهها احمرارًا ولم تزد، ولم يعرف بماذا يجيب لأنه كان مضطربًا رغم شعوره بالسعادة في هذا الحين، وربما كان يتمنى من صميم فؤاده أن يكون كما ترجو، ولقد كان يعرف أن حبه لها سيقل إن وجد منها خفة وطيشًا ولكنه كان أنانيًا كسائر الرجال في الحب
ولما لم يقل شيئًا عادى الفتاة إلى الكلام بصوت مضطرب وعيناها مغروقتان بالدموع وقالت: (إذا لم تعدني باحترامي فسأعود إلى المنزل)
فضغط على ذراعها برفق وأجاب: (أعدك بأن أسير على ما تريدين)
فزال اضطرابها وقالت وهي تبتسم: (هل تقسم على ذلك؟)
فقال: (أقسمت)
قالت: (تعال إذن نشتر التذاكر)
ثم ركبا القطار ولم يتكلما إلا قليلًا لأن العربة كانت مزدحمة فلما وصلا إلى الضاحية مشت معه إلى شاطئ السين، وأطلت على مائه المنعكسة عليه أشعة الشمس، وقالت: (ما أراك تظنني إلا حمقاء). قال: (لماذا؟) فقالت: (لأنني جئت معك وحدي إلى هذا المكان)
قال: (كلا. كلا. بل هذا شيء طبيعي!)
فقالت: (إنه ليس طبيعيًا بالنسبة لي، ولكنه من الممل أن تتشابه الأيام والأسابيع والشهور، فإنني أعيش مع أمي معيشة لا تجديد فيها ولا تغيير. وهي عابسة دائمًا لكثرة ما تعنيه من السأم، وأنا أحاول التغلب على نفسي وأضحك لأقل مناسبة. ولكن لا فائدة من ذلك. وقد أخطأت إذ جئت وما كان تخلفي ليحزنك)
عندئذ قبلها فرانسوا قبلة حارة، فغضبت فجأة وصاحت: (ما هذا يا مسيو فرانسوا! أبعد أن أقسمت؟)
[ ٣٦٥ / ٦٩ ]
ثم مشيا إلى المطعم وهو بناء صغير منخفض عن الأرض، أمامه أربع شجرات. وبعد أن تعشيا في صمت وشربا القهوة عادت الفتاة إلى المرح، ومشت معه على شاطئ السين، وسألها عن اسمها فقالت: (لويس) فأعاد اسمها (لويس) ولم يقل شيئًا. وأخذت الفتاة تجمع الأقحوان النابت على الشاطئ، وظل يغني في طرب كالنشوان، وهما يمشيان تحت الكروم حتى ابتعدا نحو ميلين عن المدينة، ولاح لهما بساط سندسي من الخضرة، فأشار إليه، وقالت: (ما أبهجه!) ثم مشيا نحوه فجلسا على العشب، وكان يتضوع حولهما عبير الأزهار التي أكسبها شعاع الشمس ألوانًا مختلفة
وأغمضت عينيها وهي لا تعلم شيئًا غير تلك القبلة ولا تفكر في شيء آخر، وهي شاردة اللب مهتاجة الشعور من الرأس إلى القدم. ولكن سرعان ما شعرت بالخطب وبكت من الحزن وهي تستر بيديها وجهها، وحاول أن يعزيها وهي تأبى إلا العودة في الحال وصار يستمهلها وهي تأبى، فلما نزلا من المحطة في باريس تركته بغير أن تحييه.
ولما رآها في الأمنوبيس في الصباح التالي خال أنها أشد نحولًا وقالت: أريد أن أكلمك، فتعال ننزل. ونزلا، فقالت له: يجب أن نفترق، فما أستطيع رؤيتك بعد الذي حدث
فقال: لماذا؟
أجابت: لأني لا أريد، وقد أصبحت خاطئة وما أحب أن أعود
ولكنه توسل إليها، وقد اشتدت به الرغبة في امتلاكها. فقالت: كلا. كلا. فلا أستطيع. . .
فألح ووعدها بالزواج، ولكنها رفضت وتركته، ومضى أسبوع لم يرها فيه، ولم يكن يعرف عنوانها، وفي اليوم التاسع دق باب غرفته، ففتحه ورآها تلقي بنفسها بين ذراعيه، ولم تعد تقاومه. ومضت ثلاثة أشهر، وهي تعيش معه معيشة الخليلة، وبدأ يسأم منها. فلما أخبرته أنها حامل، عزم على هجرتها وقطع صلاته معها، ولكنه لم يعرف الوسيلة إلى ذلك، حتى جاء في ليلة من الليالي، فترك ذلك المسكن، ولم يخبرها بمسكنه الجديد. ولقد كان وقع هذا شديدًا على نفس الفتاة، ولكنها ذهبت إلى أمها باكية وركعت عند قدميها واعترفت بالأمر كله. وبعد أشهر وضعت طفلًا
مضت سنوات وأصبح فرانسوا كهلًا ولم يتغير شيء من نظام حياته بل ظل على المعيشة المملة بلا أمل ولا أمنية؛ وكان كل يوم يمشي من طريق واحد، فيجلس على مكتب واحد
[ ٣٦٥ / ٧٠ ]
ويؤدي عمله الواحد. وفي أول كل شهر يتقاضى مائة من الفرنكات يستعين بها على شيخوخته. وفي أيام الآحاد يذهب إلى (الشانزلزيه) ليراقب المتنزهين فيها
وفي يوم من هذه الأيام بهت لما رأى سيدة تتنزه ومعها صبيان، أحدهما يبلغ العاشرة والثانية تبلغ الرابعة. وكانت هذه السيدة هي صاحبته، فمشى نحو مائة متر ثم ارتمى خائر القوى على كرسي، ولم تكن السيدة قد لاحظته. وبعد قليل عاد لكي يراها مرة أخرى، وكانت قد جلست والصبي واقف بجانبها في سكون والطفلة تجري وتلعب
ونظر إليها فلم يشك في أنها هي وكانت نظراتها نظرات حزن وثيابها بسيطة وكان يراها عن بعد لأنه لا يجرؤ على الدنو منها ولكن نظره قد وقع على الصبي فارتعش وعرف أنه ابنه لأنه يشبه صورته وهو في ذلك العمر. ثم اختفى وراء شجرة حتى تقوم فيتبعها إلى منزلها
ولم ينم في تلك الليلة وكاد يجن من التفكير في ابنه وسأل أهل الحي عنها فقيل له إن أحد جيرانها قد أخذته الشفقة عليها بعد ذلك الحادث فتزوجها وربى ابنها، ثم ولدت له البنت
صار فراسنوا يتردد على الحديقة كل يوم من أيام الآحاد. وكان في كل مرة يكاد يجن شوقًا على عناق أبنه وتقبيله والعودة به، ومن ذلك العهد صار يتألم من الوحدة وأحس إحساسًا مضاعفًا بالغيرة والندم والحاجة إلى النسل. ثم عزم على خطة لا يقدم عليها غير اليائس، فذهب إليها ووقف أمامها وقال وشفتاه ترتعشان: (ألا تعرفينني؟) فنظرت إليه وصاحت صيحة رعب وفزع، ثم أخذت ابنها وخرجت من أمامه، وعاد هو إلى المنزل باكيًا، ومضت أشهر لا يراها، وكان ألمه يزداد يومًا فيومًا حتى تمنى الموت على أن يقبَّل ابنه قبل أن يموت، وكتب إليها فلم تجبه حتى بلغ ما كتبه عشرين خطابًا. ثم بدا له في حالة من اليأس أن يكتب إلى زوجها واستعد لأن يكون الجواب رصاصة من مسدس، وكان هكذا خطابه: (سيدي! لا شك أن اسمي يزعجك ولكنني في أشد البؤس والتعاسة، ولذلك أجرؤ على استئذانك في مقابلة قصيرة)
وفي اليوم التالي وصل إليه الرد وهو هكذا: (سأنتظرك غدًا في الساعة الخامسة)
ذهب إليه وهو خافق القلب حتى اضطر إلى الوقوف في السلم عدة مرات. ثم فتح له الباب ودخل حجرة الاستقبال، فوجد الزوج جالسًا في صدرها، وهو طويل القامة عريض
[ ٣٦٥ / ٧١ ]
المنكبين، وقد بدا عليه أنه يتوقع خطبًا، وأشار الزوج له بالجلوس فجلس وقال: (لعلك لا تعرفني ولم تسمع اسمي. . .)
فقاطعه الزوج قائلًا: (بل عرفت كل شيء من زوجتي) قال فرانسوا: (أنا يا سيدي لم آت إلا لأقول لك إنني أسفت وندمت وحزنت ولا أطلب غير أن أقبل ابني. . .)
فدق الزوج الجرس وأمر بإحضار الصبي (لويس) فدخل الغرفة صبي في العاشرة مندفعًا لرؤية الذي اعتقد أنه أبوه فوجد معه رجلًا أجنبيًا فقبله الزوج ثم قال له: (اذهب فقبل هذه اليد)
فذهب الصبي ونظر إلى الضيف وكاد يغمى على فرانسوا. وقام الزوج فأطل من النافذة. وفي هذه الأثناء سقطت القبعة من يد الضيف فتناولها الصبي وأعادها إليه.
وعند ذلك أخذه بين ذراعيه وبدأ يقبله فوق خديه وعينيه وعلى جبينه وفمه وشعره؛ فانزعج الصبي من هذه القبلات ودفع وجه الرجل بكلتا يديه، فقام الرجل المسكين ووضع الصبي على الأرض وقال: (وداعًا!)
ثم خرج متسللًا من الغرفة كأنه لص.
محمد محمد حمدي
[ ٣٦٥ / ٧٢ ]