من أثر الوعيد
مترجمة عن الإنكليزية
بقلم الأستاذ عبد اللطيف النشار
ركب الضابطان: (كامبل) و(هاريس) جواديهما واتجها إلى الغابة، وكان الفصل فصل الربيع، والجو دافئًا معطرًا، وكان يلذ لهما إمتاع النظر في ألوان الطبيعة والسكون في الغابة البعيدة عن جلبة الحياة وضوضائها. ولما ابتعدا عن المدينة رأيا أبنيتها الضخمة كأنها قطع من الأحجار الملوَّنة، وبجانبها نهر الرين، وقد انعكست عليه أشعة الشمس، فبدا كأنه خط من النور
وأشعل كل من الصديقين لفافة، وألقى (كامبل) عود الثقاب وراقبه وهو يسقط على الأرض، فرآه قد وقع على كثيب من الحشائش الجافة المتروكة في الصيف الماضي
وسرعان ما اشتعلت هذه الحشائش، وكان الرجل طيب القلب، فلم يترك النار تلتهم الغابة، فنزل هو وصاحبه فأطفآها. ورأيا في هذه الأثناء وراء الكثيب المحترق طريقًا ضيقًا بين الأشجار، فقال كامبل:
- ألا ترى هذا الطريق؟ أتعرف إلى أين يؤدي؟ دعني أمر منه. . .
فأجابه:
- بل تعال نركب، لأن الجوادين يتصببان عرقًا، وقد يضربهما الوقوف الآن
ولكن (كامبل) أصر على الذهاب وقال: إنه سيعود سريعًا. ثم اختفى بين الأشجار التي وراء الكثيب، وامتطى هاريس جواده، وظل يدخن لفافته، منتظرًا عودة (كامبل)
وكان كامبل كثير التطلع إلى شئون يحب أن يعرف كل شيء ويتدخل في كل أمر. وبعد دقائق شمع صوت صاحبه يناديه، وكان الصوت ضعيفًا، فنزل عن جواده وجرى نحوه بعد أن ربط الجوادين. ولم يزل يجري حتى رأى كهفًا متسعًا، وسمع صوت كامبل آتيًا منه، فدخل الكهف محترسًا وهو يشم رائحة غريبة، وقال كامبل: (هل تشم شيئًا؟ إنني أشم رائحة ميت؟ هل معك كبريت؟ إنني لما جئت تذكرت أن ما معي منه قد نفذ)
[ ٣٦٥ / ٦٣ ]
فقال هاريس: (ليس معي غير عيدان قليلة)، ثم أخرج علبة الثقاب وقال: (ليس فيها غير عودين فخذها)
أشعل كامبل أول عود فلم يحترق، وأشعل الثاني فرأيا على نوره الضئيل كتلة سوداء لم يتبناها، وتصاعدت من جهتها رائحة كريهة، ثم انطفأ العود وأظلم المكان، فلم يعد كل منهما يستطيع رؤية الآخر
فخرجا من الكهف متجهين إلى مربط الجوادين، ولم يكد هاريس يرفع رجله ليضعها في الركاب حتى صاح كامبل: (أنظر إلى حذائك!)
فنظر وقال: (هذا دم، ولست أعرف ما الذي كان في الكهف!)
وقال كامبل: هل تتذكر (إدي ماك جاري) الذي كان ضابطًا معنا واختفى في الشهر الماضي؟)
فقال هاريس: (نعم أذكره، وكان قبل اختفائه قد تخاصم مع أناس في مقهى، وقيل إنهم تضاربوا ثم اختفى، فهل تظن أنه بهذا الكهف؟)
قال كامبل: (لست أعرف)؛ ثم مشى الصديقان في صمت. وبعد مدة قال كامبل: (لا تقل شيئًا يا هاريس حتى نتبين الحقيقة، وسنتقابل غدًا فأخبرك بنتيجة بحثي)
وكان كامبل يتردد على حانوت رجل خمار اسمه فرانز شافر، وقد اشتهر هذا الرجل بمعرفته كل مكان في المدينة وأكثر من فيها من الناس. وكان بينه وبين كامبل صداقة نشأت منذ جاء إلى هذه المدينة في أول الحرب. وكان هاريس يعرفه أيضًا ويتردد على حانوته
في هذه اللحظة ذهب هاريس إلى الحان وأخذ معه مقدارًا من التبغ فأهداه إلى الخمار الألماني الذي أبرقت عيناه، وقام إلى زجاجة من أجود النبيذ فقدمها إلى الضابط وأخذ يصف شوقه إلى اليوم الذي تعود فيه ألمانيا إلى مكانتها الأولى بين الشعوب ويسود فيه الإخاء بينها جميعًا، وقال إن الحرب الأخيرة كانت حربًا بشعة أثارتها العداوة من الجانبين ولكنها انتهت بحمد الله فانتهت معها كل الحروب. ثم سأل الضابط: أليس من رأيه أن الحروب لن تعود؟
فهز هاريس رأسه. وكان في هذه اللحظة يفكر في الكهف ويغلب على ظنه أن كامبل
[ ٣٦٥ / ٦٤ ]
مخطئ فيما توهمه. لأن ماك جاري وإن كان ضيق الخلق سريع الغضب، فهو لا يترك نفسه لمن يقوده إلى كهف فيقتله فيه
واستمر الخمار يتدرج في حديثه السياسي إلى أحاديث مختلفة عن أشخاص يعرفهم هاريس، فتردد الأخير في إخباره بأمر الكهف. وبعد قليل قال:
(هل تعرف الطريق إلى جبل (برج الز) يا هرشافر؟)
فقال الخمار: (كيف لا أعرفه وأنا كثيرًا ما أذهب منه وصهري مقيم في (نيدورف) عند نهايته)
ثم تنهد وشرع في وصفه ولكن هاريس قاطعه بقوله: (وهل تعرف الطريق الضيق القريب من نهاية الغابة؟)
فحملق الألماني في وجه الضابط وراعه منه رنة غريبة في صوته وتغير في لهجته، فقال الخمار: (لماذا يا سيدي الهر؟ لماذا يا سيدي الضاْبط؟)
ولكن هاريس استمر يسأله بلهجة المحققين: (وهل تعرف المكان الذي على بعد مائة متر على يمين هذا الطريق؟)
فلم يجبه الخمار ولكنه ظل واجمًا فاتحًا فمه لاعقًا شفتيه بحالة عصبية، وكان هاريس في هذه اللحظة يتذكر ضابطًا عظيما استجوب أمامه أحد الحراس فشعر بالسرور لأن مهارته الآن في التحقيق لم تكن أقل من مهارة ذلك الضابط الكبير بدليل ما ظهر من التأثر على وجه الخمار
ولقد كان الإجرام باديًا على الخمار في هذه الساعة، وكانت عيناه تدوران كأنما تبحثان عن منفذ تتركان منه المحاجر وكانت خياشيمه تنتفخ والعرق يتندى من جبيته. ثم قال بعد ارتباك شديد: (لست أعرف هذا المكان)
فقال هاريس وهو يدق على المنضدة ليؤكد سؤاله: (ولماذا لم تقل ذلك من أول الأمر؟)
وكان الخمار يحارب نفسه ليحملها على كتمان العواطف، وتظاهر بالغضب على كرامته تظاهرًا جعل شكله مضحكا وقال: (لا تؤاخذني يا هر إذا احتددت فإني لم أنم جيدًا ليلة الأمس، وأنت قد غيرت معي لهجتك فاضطربت)
فقال هاريس بلهجة الساخر: (لم تنم جيدًا ليلة الأمس؟)
[ ٣٦٥ / ٦٥ ]
قال الخمار: (نعم وقد فهمت. إنك تريد اتهامي بمعرفة شيء عن هذه المسألة، عن هذا الكهف. ولكنني أؤكد لك أنني لا أعلم وأنا مستعد للذهاب معك إلى الغابة في عصر الغد)
ثم هدأت أعصاب الخمار وعاد إلى خديه أحمرارهما، ونظر إليه الضابط مبتسما وقال: (لا تنكر يا شافر! لا تنكر! فأنت تعلم الحقيقة بغير شك، إن لم تكن شريكا فيها. وأنت تريد أن تذهب معي إلى الغابة. . . هذا حسن والله يا شافر! تريد أن تأخذني أنت وصهرك إلى الكهف فتقتلني كما قتلت (إدي ماك جاري)
ثم تغيرت لهجته من الهدوء إلى الحدة وقال: (سأمهلك إلى الغد لتعترف وإن تركت منزلك الليلة فسيراك رجالي، وإن لم تعترف غدًا فإنك ستعتقل وتقدم للمحاكمة العسكرية، ومن يدري؟ لعله يحكم عليك بالإعدام)
فارتعش الخمار وتصور منظر المحاكمة والإعدام ورأى القبر مفتوحًا أمام عينيه، وتذكر زوجته وأولاده وما يصيبهم من البؤس بعد موته، وفتح فمه وظل يقول: (لست أعرف! لست أعرف!) وتركه هاريس على هذه الحالة وذهب وهو يعتقد أنه وفق إلى اكتشاف جريمة، وأن جبن الخمار كان دليلًا قويًا على أنه المجرم.
وفي الصباح التالي ذهب هاريس إلى كامبل فأخبره، وكان كامبل قد سمع خبرًا لم يشأ أن يطلع صاحبه عليه حتى يلهو قليلًا ببساطته، فأظهر له الاهتمام وقال: (هلم مع حارس إلى الخمار).
وذهبا مع الحارس إلى الحانة فوجدا الخمار وزوجته وأولاده يبكون. وأعاد هاريس استجوابه، والخمار يتنصل وهو يتوعده بأقسى العقوبات إذا لم يعترف، ويعده بتخفيف العقوبة إذا اعترف
فلما لم يجد ذلك جلس هاريس أمام المنضدة وكتب بلاغًا وسلمه للحارس وأمره بأن يذهب به إلى رئيس البوليس
عند ذلك تبادل الخمار وزوجته نظرات ثم همس في أذنه فقال: (لا ترسل البلاغ وأنا أعترف لك)
فأخر هاريس إرسال البلاغ، وجلس بهيئة جدية، وصار يصغي إلى الاعتراف، واعترف الخمار بأنه هو وصهره قتلا (أدي ماك جاري) وتركاه في الكهف
[ ٣٦٥ / ٦٦ ]
عند ذلك ضحك كامبل ضحكة عالية وقال: (لقد قبض بالأمس على ماك جاري في باريس)
فدهش هاريس وقال: (إذن فما الذي رأيناه في الكهف؟)
فقال كامبل: (هو خنزير ميت)
ثم خرج من الحان.
عبد اللطيف النشار
[ ٣٦٥ / ٦٧ ]