٥ - أزمة إسلامية
للدكتور علي حسن عبد القادر
لم تبق حركات الإصلاح محصورة في الهند ومصر، ولكنها تعدتهما إلى البلاد الإسلامية الأخرى، وذلك أن حركة التبادل الفكري في العالم الإسلامي قوية عنيفة لا يمكن معها أن تبقى مثل هذه الحركات مقصورة على مكان واحد. وعلى الأخص إذا كانت أفكارًا لذوي الشخصيات القوية مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ممن تعدت أفكارهم وآراؤهم الحدود ووجدت صدى بعيدًا وتأثيرًا مباشرًا
وقد ظهرت فجأة وعلى غير انتظار حركة إصلاح ديني هي حركة الإصلاح في تركيا، ذلك الشعب الذي لعب دورًا في قيادة العالم الإسلامي عدة قرون. وقد جاءت هذه الحركة متأخرة عن الحركات الأخرى، ولكنها كانت مع هذا التأخر أشد من أولئك فضلًا وأنفذ عملًا. أما السبب الذي جعل تركيا التي كانت تسير في الإصلاحات السياسية والثقافية في المقدمة وعلى قمة الناهضين - لا تهتم اهتمامًا استقلاليًا بالإصلاح الديني إلا أخرًا، فإن ذلك يرجع إلى أسباب من أنواع مختلفة، فمن ذلك أن الأتراك بطبيعتهم لم يكونوا باحثين منقبين، ولم يساهموا في تطور الإسلام بسهم ملحوظ؛ فإنهم عندما دخلوا الإسلام كان الدين والتفكير فيه قد انتهى إلى شكله النهائي الذي وصل إليه. وكما أنهم لم يساهموا فيه أولًا، كذلك لم يساهموا في نهضته أخرًا، لما هو فيهم من ميل وسعي لاقتباس المدنية الغربية، وكلما ظهر تأثرهم بهذه المدنية قويًا ظهر إمكان إيجاد الاتصال بين الإسلام وبين العقلية الحديثة للشباب التركي أمرًا بعيدًا
وتطور التركية الحديثة يسير منذ زمن طويل قليلًا أو كثيرًا في طريق لا يقوم على أساس أو خلق بل هو عار عن كل وطنية أو دين، وهو ما يسمى في الشرق بالنزعة الغربية أو الأوربية على أننا لا ننسى أمرًا مهما وهو أن عصر طغيان عبد الحميد كانت تمجد فيه مذاهب السنة والتمسك بها في الآستانة. ومن الحق أن جمال الدين كان قد أثر هناك، ولكن تأثيره كان ضعيفًا من سوء ظن السلطان به؛ وكانت أفكاره قد طبعت من جانب عبد الحميد بطابع سياسي عملي. وفي هذه الفترة التي اشتد فيها النزاع الداخلي بين الإسلام والتقدم
[ ٣٦٦ / ٢٣ ]
الأوربي كان لا يمكن أن تأتي هذه الأفكار بثمرة. وهكذا ترى أنه بعد ثورة ١٩٠٨ أخذت مسألة الدين مكانًا واهتمامًا بنفس الشكل الذي كان عبد الحميد يحاول بشدة تنفيذه، وأخذت الحركة الروحية النائمة التي كان يحاول إيقاظها تدب فيها الحركة
وفي يدنا الآن بحث قيم وضعه عن تطور حركة التجديد في تركيا تركي مثقف ثقافة غربية كاملة، ولكنه في الوقت نفسه ذو إحساس ديني حار، وهو أحمد محي الدين الذي مات مع الأسف في سن مبكرة أما كيف سار التجديد بسرعة قبل أن يقطع طريقه مرة واحدة فيتبين لنا ذلك من هذه الحقيقة وهي أن محي الدين استطاع أن يكتب في سنة ١٩٢١ هذه العبارة: (إن طريقة أهل السنة التي غرضها التمسك بالإسلام بشكله التاريخي الحاضر قد أصبحت اليوم مغلوبة مهزومة). ففي هذا الوقت (١٩٢١) كان يتنازع الغلبة مذهبات مختلفان أشد الاختلاف: المذهب الوطني الذي كان يتزعمه الشاعر المفكر ضياء جك ألب. والمذهب الآخر الذي سمَّاه محي الدين (المذهب الإصلاحي) والذي كانت تقوم عليه شخصية الشاعر الواعظ محمد عاكف، وعمل برنامجه الأمير المصري والوزير العثماني محمد سعيد حليم. ومن الممكن على احتمال قليل أن نميز أولهما بأنه سياسي ثقافي والآخر بأنه ديني إصلاحي والمهم هنا هو أن كليهما قد وضع لمسألة الدين طريقًا واحدًا للسير فيه. فكل منهما - كما يقول محي الدين - يرفض الإسلام التاريخي ويطلب الرجوع إلى الإسلام الأول، وكل منهما يرفض اعتبار الشريعة للوقت الحاضر ويطلب حرية الاجتهاد. فهما - كما يرى - قد رسما خطة للتجديد واسعة. ونستطيع أن نتبين من غير صعوبة أن برنامجهما المشترك يتفق في أهم نقطة مع برنامج الإصلاح المصري. وفي الحقيقة أن الارتباط الشخصي ظاهر بين (المذهب الإصلاحي) التركي، وحركة الإصلاح المصرية، وأمور الإصلاح فيهما متفقة
وقد وضع المذهبان التركيان لهما شعارًا للإصلاح الديني كلمة (إسلام أشمق) بمعنى الرجوع إلى الإسلام. وعند تفسير هذه الكلمة عند كل من المذهبين يتبين لنا الفرق الأصلي بينهما
ومعنى هذه الكلمة يرجع في مرحلتها الأخيرة إلى جماعة المؤمنين المتمسكين بالقديم، إزاء العصريين المندفعين في تيار الأوربية المنكرين للإسلام. ثم لما كشف القناع عن دخيلة
[ ٣٦٦ / ٢٤ ]
هؤلاء الأتراك الذين لا دين لهم ولا وطنية أخذ هذه الكلمة الوطنيون أصحاب المذهب الوطني في برنامجهم الثلاثي: (ترك - إسلام - تجديد) وأراد به هؤلاء الوطنيون تحرير الإسلام من أعمال أهل الدين المتأخرين، ومن أمور زمنية ومكانية التصقت به من أول الأمر، ولكن كما يظهر من البرنامج الثلاثي فإن هذه الكلمة تصور طلبًا من طلبات الوطنية؛ والنقطة الرئيسية والعماد الأهم إنما هو الناحية السياسية الثقافية، فكلمة (الرجوع إلى الإسلام) هي على الأكثر القالب الذي يصب فيه البرنامج ما يحس به من مسألة الدين كنقطة هامة. وهكذا حدد هذا البرنامج الدين في مجاله الضيق وفصل عنه الجانب الآخر من الحياة الإنسانية؛ فهو يطلب مباشرة فصل الدين عن الدولة، وغايته حياة دنيوية غير روحية
وعلى الضد من هذا (المذهب الإصلاحي) فهو مع إحاطته على العموم بالحياة الثقافية والسياسية يتعمق من الوجهة الإصلاحية في الدين وما يعنيه من (الرجوع إلى الإسلام). فهو يعني الرجوع إلى الإسلام القديم؛ لا بإبعاد الأمور التي غيرت منه أثناء تطوره التاريخي فحسب، بل أيضًا وقبل كل شيء يريد الوقوف ضد هؤلاء العصريين المندفعين في تيار الغرب وضد دعاة المذهب الوطني، فهي حركة دينية تريد أن يكون الدين قوة تخضع لها كل الحياة المدنية من غير إضرار بحرية الفرد، وهي في هذا متفقة مع الحركة المصرية مختلفة مع المذهب الوطني أصليًا في مسألة الدين
وقد يختلف المذهبان اختلافًا جزئيًا في طلباتهما، ولكنه أقل من اختلافهما في الدوافع، وكما يتحدان في نقدهما للإسلام التاريخي في كل الأمور، يتحدان أيضًا في كثير من المسائل العملية، فالفرق بينهما ليس فرقًا ظاهرًا للعيان، ولكنه فرق كامن في الأساس. ومن الحق أن نقول من جانب آخر إن عدم اهتمام المذهب الوطني بالدين لا يصح أن يؤخذ على معناه الواسع، فإن شعر ضياء جوك ألب الديني يرينا بوضوح أنه ذو شخصية دينية محافظة عميقة
إلى هنا قد تعرفنا أهم أشكال الحركات الإصلاحية الحديثة في الإسلام، أما حركات هؤلاء الوافدين على أوربا وأمريكا مثل الحركة البهائية الفارسية أو الأحمدية الهندية، فهي حركات منفصلة لا تمت كثيرًا إلى الحنيفية الإسلامية
[ ٣٦٦ / ٢٥ ]
وأخيرًا يتبادر لنا هذا السؤال: هل تلك الحركات إذا ما أمكن تحقيقها تستطيع إلى مدى بعيد أن تحقق الاتفاق مع التفكير العصري والأخذ بحركات التقدم العلمي والمادي؟ وجوابنا على هذا السؤال بالإيجاب بدون قيد ولا شرط، فإن العقيدة الإسلامية لا تمنع أي تطور تجديدي، بل هي في أصلها أشد مرونة وأسلس قيادًا من العقيدة المسيحية. والذي يظهر أنه مانع لا يذلل هو الفقه المكون من تفصيلات تافهة، فإذا ما ترك هذا كما هو الأساس في كل الحركات الإصلاح فإن التقدم العصري - حتى بمعناه الأوربي - يكون بابه مفتوحًا على مصراعيه.
علي حسن عبد القادر
[ ٣٦٦ / ٢٦ ]