بواطن وظواهر
. . . وعندنا فنانات أيضًا
للأستاذ عزيز أحمد فهمي
السيدة روز اليوسف
جاء عليها يوم كانت فيه الممثلة الأولى في مصر، وجاء عليها يوم بعد ذلك كانت فيه الصحافية الأولى في مصر، وهي لا تزال إلى اليوم تحتل مكانها الملحوظ في عالم الصحافة
أظهر ما فيها طيبة قلبها، حتى ليعدها الإنسان بلهاء؛ فهي بعد الوقت الطويل الذي انغمست فيه بين أهل الفن والصحافة، وما أدراك ما أهل الفن والصحافة، وما نعومتهم وما دهاؤهم، مع طول ما جربت هؤلاء وقارفت عشرتهم وقارفوا عشرتها؛ فإنها لا تزال إلى اليوم على استعداد لأن ترحب بكل من قال لها (إني صديق)، وبكل من قال لها (إني صادق)، على شرط ألا يقول لها هذا تصريحًا، فإنه لو فعل ذلك لشكت فيه
تتعرف إليها الساعة، فتراها انطلقت إليك بروحها كلها غير متحفظة وغير متريثة، فإذا كنت ابن حلال قدَّرت هذه البراءة وصنت لها رجاءها فيك. أما الجاحدون فيخدعونها ويجمعون من حولها الرزق والشهرة، حتى إذا شبعوا هجروها، وريما آذوها
وهي لا تزال صابرة سليمة النية، والله يسلمها من كل كرب ومن كل ضائقة
أنشأت منذ سنوات صحيفة يومية تطاولت إلى مقام الأهرام وقد تصدت بصحيفتها هذه لأزمة كانت مستحكمة في البلد، فكانت من أقوى الأسباب التي حطمت هذه الأزمة، ولكن هذه الأزمة كانت العامل القوي الوحيد الذي حطم صحيفة روز اليوسف
ولكن السيد روز اليوسف لم تتحطم، وإنما رعاها الله بضعفها وسلامة نيتها
السيدة فاطمة رشدي
ليلى، كيلوباترا، سمير اميس، النسر الصغير، غادة الكاميليا، نجف، إيميلى
كل هذه أدوار أشبعتها فاطمة رشدي حياة، مع أني أستطيع أن أراهن بكل (السجائر) التي
[ ٣٦٧ / ٣٩ ]
معي على أنها لم تدرك من أسرار هذه الأدوار إلا أيسر الإدراك، ولم تلم بدقائقها النفسية إلا أهون الإلمام
فكيف إذن كانت تجيد فاطمة رشدي هذه الأدوار، وكيف كانت توفق فيها التوفيق الكبير؟
إنها كانت تجيد وكانت توفق، لأنها كانت تتصور وكانت تحس، ولأنها كانت تبني بخيالها نماذج لهذه الشخصيات التي كانت تمثلها، فكان طبعها السليم يهديها إلى أصدق النماذج مشابهة لهذه الشخصيات، فكانت تمثل كما لو كانت رأت اللواتي تمثلهن
ولكنها على الدوام كانت تنفذ بروحها إلى أرواح بطلاتها، فإذا بالشخصية المسرحية التي كانت فاطمة رشدي تتقمصها، لا يزال فيها من فاطمة رشدي نفسها، حركات قاهرية عذبة، وإشارات بلدية لذيذة، وتنهدات وتكسرات نعرفها نحن في مصر وفي هذه الأيام ولكني لا أظن أن كليوباترا، وسميراميس، وليلى، وغيرهن من بطلات فاطمة رشدي قد عرفنها. . .
وتلاشى هذا العيب من فاطمة رشدي وتمثيلها حين ظهرت في فلم العزيمة، فقد أخرجت في هذا الفلم دور فتاة قاهرية بلدية فانطلقت في التمثيل على أساس من سجيتها وعلى عون من ذكائها وبراعتها، فتساند فنها بعضه إلى بعض واكتمل لها النجاح على نحو متألق رائع
الآنسة نبوية موسى
مربية تحترمها الأسر احترامًا كبيرًا، وتعترف لها وزارة المعارف بجلال العبء الذي تحمله على عاتقيها
وكاتبة قصدت فيما تكتبه من مذكراتها لأخطر ما يمكن أن يكتب فيه المربي، وتعرضت فيه لخفايا يتهرب أشجع الكتاب من التعرض لها مع أن أمرها معروف، وخطرها ظاهر، ونتائجها بينة، وعلاجها أمر تفتقر إليه بيئات التعليم وغيرها من البيئات افتقارًا ملحًا عنيفًا، ومع هذا فنحن نتعامى عنها على قسوة ما يترتب عليها
فإذا لم يكن للآنسة نبوية موسى غير مالها من فضل الشجاعة الأدبية التي دفعتها إلى معالجة هذا الموضوع، واحتمال ما قد ينشأ عن ذلك من سخف القول لكفاها هذا فخرًا، فإن هذا الموضوع لم يتعرض له حتى اليوم في مصر من الكتاب المعاصرين رجل.
السيدة بديعة مصابني
[ ٣٦٧ / ٤٠ ]
لها ابتسامة لا أدري كم تجهد أعصابها. حاولت أن أقلدها فيها مرارًا، فكنت أضحك أنا من نفسي قبل أن يضحك الذي كنت أتصنع هذه الابتسامة معه
ولكن بديعة مرنت على هذه الابتسامة، واعتادها الجمهور منها وأصبحت لها أمارة وعلامة
هي مديرة مدبرة تحسب الحساب، وترتب النتائج على الأسباب، وتأخذ عملها بالحزم والجد، وهي لذلك تنجح وتواصل العمل
وهي أيضًا فيلسوفة صاحبة حكمة. أرادت الرقابة أن تمنعها عن أغنية (لا والنبي يا عبده) فضحكت وقالت: إذا منعت هذه الأغنية عندي فسيغنيها الشعب في الطرقات والبيوت لأنها (نشيدنا القومي. . .!)
في هذا التعبير قسوة من غير شك. وفيه لطمة لحشمتنا. ولكن بديعة على أي حال صدقت، فالأغنية راجت رواجًا لم ترج مثله أغنية أخرى منذ (يا عزيز عيني) و(زوروني كل سنة مرة)!
الآنسة روحية خالد
كانت وهي في فرقة رمسيس كالعصفورة، وربما كان التحاقها بالفرقة القومية من العوائق التي عرقلت نموها الفني، فهي تشعر اليوم بأنها موظفة حكومة، تقبض مرتبها آخر كل شهر، فهي لا تحاول الاستزادة من الإجادة في عملها، وإنما التفتت إلى الاستزادة من دواعي راحتها
لا ريب في أن استعدادها الفني جارف، ولكن منذا الذي سيتعهدها في الفرقة القومية؟ إن العمل في هذه الفرقة يسير على نمط عجيب، فلكل رواية مخرج، وكل مخرج ينتقي من الممثلين والممثلات من يرى صلاحهم لروايته وأدوارها، وأغلب ما يهتم المخرجون في الفرقة القومية بالمناظر والملابس والإضاءة. أما أرواح الأشخاص الذين يظهرونهم على المسرح فأمر يتركه المخرجون للمثلين؛ والممثلون أنفسهم يحبون من المخرجين هذا، والمخرجون أنفسهم راضون عن أنفسهم في هذا، وعلى هذا الأساس فإن ممثلة ناشئة مثل روحية خالد سيقف تقدمها الفني عند المرحلة التي انتهت إليها وقتما فارقت فرقة رمسيس حيث كان الأستاذ يوسف وهبي يعلمها بإخلاصه لفرقته ونفسه كل ما يعلم من تجاربه
[ ٣٦٧ / ٤١ ]
واطلاعه
ويوسف وهبي - على الأقل - أكبر سنًا من المخرجين في الفرقة القومية وأغلبهم تلاميذه. . .
السيدة خديجة حافظ
أخت السيدة بهيجة حافظ. وخديجة الكبرى
موسيقية كأختها، ولكنها ليست ممثلة، لا اعرف من أخبارها اليوم شيئًا، ولكني أذكر لها (تانجو أورينتال) وضعته منذ عشرين سنة تقريبًا، وكنت أسمعه وأنا صغير فيخفق له قلبي غرامًا وحبًا، وحنانًا ووداعة. . .
ولا أزال أترنم بهذا اللحن إلى اليوم كلما هفت نفسي إلى ذلك العهد.
السيدة بهيجة حافظ
هي أيضًا موسيقية ممتازة، وموسيقاها عندي أحب من تمثيلها. لها قطعة أسمها (أنت) أعوذ بالله من الآلام التي تتدفق فيها.
متوثبة. ذات آمال فنية عريضة، ولكن هناك عائقًا شديدًا يحول بينها وبين تحقيق هذه الآمال، إن هي تخطته فقد يسهل عليها جدًا أن تتخطى بقية العوائق. . .
ذلك أنها لا تنسى في أي لحظة من اللحظات أن أباها كان باشا، وأنها بذلك من طبقة غير طبقة هؤلاء الممثلين وهؤلاء الممثلات، وهؤلاء الموسيقيين وهؤلاء الموسيقيات
وفكرة الأرستقراطية هذه كفيلة بتحطيم الفن ونسفه في أي نفس مهما تأصل فيها الفن ومهما تمكن منها. . .
السيدة زينب صدقي
وهذه لم يكن أبوها (باشا) ولا غير ذلك من حملة الألقاب، ومع هذا فهي تحب أن تظهر بمظهر الأرستقراطية، وتحب من دعاتها دائمًا أن يقولوا عنها إنها أرستقراطية. وقد تأثر كثيرون من الناس بهذه الدعاية وأنا من بينهم، وكانت نتيجة هذا التأثر عندي أني حسبتها أرستقراطية حقًا وقريبة من الأرستقراطية فنفرت منها ونفرت من فنها
أقول هذا، وأقول أيضًا إلى جانبه إني كثيرًا ما كنت أنسى هذه الدعاية وأنا أشاهد زينب
[ ٣٦٧ / ٤٢ ]
في تمثيلها فكنت أهتز لها وأعجب بها
فإذا كانت تريد أن تبرأ من عتمة الجمود التي نسبها إليها دعاتها فلتطالبهم بأن يكفوا عن دعايتهم الخاطئة
الآنسة أسمهان
إذا لم يكف عنها أخوها الأستاذ فريد الأطرش، وإذا لم تبدأ منذ اليوم بالبحث عن ملحن يربي مواهبها، فإنها بعد ثلاثة أعوام أو أربعة على الأكثر ستتحول إلى مغنية (ميكانيكية) بسمعها الناس بآذانهم بينما قلوبهم منصرفة عنها وعما تغنيه. . .
كل عمل في الدنيا يقبل (الشركة) و(المساهمة) إلا الفن
السيدة زوزو الحكيم
فيها الشاعرية والأسى اللذان أراهما في (كاي فرانسيس) وعلى الرغم من أنها قضت وقتًا طويلًا على المسرح المصري فإني لا أزال أنتظر لها دورًا يشبعها ويشبع معها الذين يثقون بها
والفرص مقبلة، وفي الله الأمل
أظنها في الفرقة القومية، وأظنها لهذا فقط لا تزال مغمورة. . . ولكن أين تذهب، وفي أي فرقة أخرى تعمل، وحال المسرح كما نعرف!. . .
الآنسة فردوس حسن
فيها ميل ظاهر إلى المرح واللعب والضحك، لست أدرى إذا كان طبعًا فيها أو درعًا لها، ولكنها به على أي حال تستطيع أن تكون في طليعة ممثلات الكوميدي، وإنها لكذلك ولو لم تتح لها فرصة التخصص
السيدة نرجس شوقي
لم نعد نشمع عنها شيئًا في هذه الأيام، ولست أدري أين هي ولا ماذا تصنع، ولكني لا أنسى أنها كانت (المونولوجيست) المصرية الوحيدة الرشيقة الخفيفة، التي كانت ترتجل مواقفها وحركاتها وإشاراتها على المسرح ارتجالًا، معبرة بذلك عما تلقيه أنفذ التعبير وأبلغه؛ كما كانت المرحومة امتثال فوزي
[ ٣٦٧ / ٤٣ ]
لم ترق كثيرًا في عملها من الناحية المادية، لأنها فنانة كانت تعتمد على فنها وحده كما كانت تعتمد على الله في حفظ حياتها يوم كانت (بهلوانة) في سرك تقفز في الفضاء قفزات ثمن الغلطة في إحداها كارثة أقل ما فيها من شر هو تحطيم العظام وتكسير الضلوع
هي
التي ربت أذني، وعيني، وقلبي، وعقلي، ولساني، وقلمي، والتي غذت روحي ونفسي
والتي تسلمتني من فاطمة بنت حواء وآدم التي احتضنتني بعد ما احتضنت أبي من قبلي. . .
والتي رفعتني، وخفضتني، وقومتني وعوجتني، وألهبتني وأثلجتني، وأروتني وأظمأَتني، وأصلحتني وأتلفتني، وعلمتني وخبلتني. . .
سألتها أن تقرأ الفاتحة معي للسودانية التي فتحت لله منذ الطفولة نفسي
ولنا جميعًا من الله الرضا والرحمة
ولكن. . . من الذي سيترجم لها هذا، وكيف ستقرأ الفاتحة؟
عزيز أحمد فهمي
[ ٣٦٧ / ٤٤ ]