للأستاذ محمود محمد شاكر
قامت الدنيا وأخذت تعد زينتها لأمر غير ما مضى من أمرها. إنها لابد أن تتبرج لعيون عشاقها، ممن كتب لهم أن يشهدوا مشهدًا آخر من فصول الرواية الإنسانية التي تمثل في ساحاتها. نعم، فإن الحرب المهلكة التي لا تزال تقعقع من شواهقها حين تنقض، أو تزحر وتئن تحت أثقال الوقائع - لا تلفت الحياة الدنيا عن عملها في تلبيس العيش بالفتنة لمن يعيشون، ولا عن تقديم اللذة لمن يشتهون. وكأن هذه الحرب إن هي إلا تضخيم عظيم لعمل العامل في إزالة النظرية (التواليت) عن وجه الغانية، ونسف التطريف (المانوكير) عن بناتها، وما سوى ذلك من إعداد الغانية الحسناء لتبدو مرة أخرى في حلي وبهاء وزينة
لا أتشاءم ولا أتفائل، فالقدر قد قضى على الدنيا قضاءه؛ وما ندري ما يراد بنا منذ اليوم! فرب شر نتوهمه كذلك قد احتقب الخير، ليرمي في أرجاء الدنيا غرسًا جديدًا في أرض جدد ثراها ما أصابها من تدمير وهدم. إن بعض القسوة في الحياة يكون كتشذيب الشجر في إبانه، يقطع منه ليزداد قوة على إثبات وجوده وتقرير حقه في البقاء ناميًا فينان يسمو وينتشر ويخضر ويثمر. وقانون الفطرة الذي تجري أحكامه على الطبيعة لتتجدد، لا يخطئ ابن الطبيعة يعمل فيه، ليصنع له حياة جديدة تثبت أن وجوده على الأرض حقيقة نامية أبدًا، إن يكن الماضي قد باد في التاريخ، فإن الحاضر يثبت إثباتا عمليًا أنه مستمر في الحاضر، ويكون استمراره في الحاضر دليلًا على امتداده إلى المستقبل. ويكون من جميع ذلك أن الحياة الدنيا مهما أصابها من شيء باقية، لا يمحوها إلا القانون الآخر الذي يجعل لكل أول نهاية ينتهي إليها. فإذا جاء أوان هذا القانون فقد بطلت حيلة المحتال
إن الزَّمنَ الذي يمشي في الأرض فَتَخضرُّ منها مواطئ أقدامه، هو نفسه الزمن الذي يدب عليها فيُسمع لدبيبه دمدمة مما يتقصف تحته من عمارة الدنيا وبنيان الحضارة، وعلى مواطئ الزمن تتنزل الحضارات كلها أو تتهَدّم. ومن يوم أن تنهَّدَت الأرض بالحياة يبيدُ شيءٌ ويقومُ شيءٌ، وما يزول منها ما يزول إلا ليحل عليها ما يحل، لأن الحركة دليل الحياة، فلا يثبت معنى الحياة إلا بها، وما يتحرك من متحرك إلا لتكون لانتقاله نهاية إليها يتوجه، وعندما يقف. فإذا وقف فهذا آخر أنفاسه، ثم يسكن سكون الموت
[ ٣٦٦ / ١٨ ]
فما بنا على ذلك أن نتشاءم أو نتفاءل، وما التشاؤم والتفاؤل إلا حركة النفس الفارغة التي لا تجد عملها، فهي تعمل في إرهاق نفسها بما لا ينفعها ولا يعنيها؛ وليس من عمل الإنسان ما هو أضر عليه من إجهاد نفسه في باطل، والجهاد بها في غير طائل. فإذا أردنا اليوم أن ننظر فما ننظر إلا لنعرف الطريق التي يجب أن نقرر لجهودنا أن تمهدها لنا ولمن يأتي بعدنا على تدبير وسياسة
والقدرُ اليومَ قد قضى بين الناس، ووضع القضية لمن يختار، فمن شاء أن يدخل في عقد هذا وعهده دخل فيه، ومن شاء أن يتخلَّف فقد رضي لنفسه على مَيْزة وبصيرة، وما ينقض القدر قضاءه الذي أبرم، فيأتي من يأتي ينوحُ بما ظُلم، ويتوجَّع بما غُبنَ!!
ونحن قد لقينا من أحداث الدهر ما ردَّنا بعد عزّ إلى قرار هوان. وقد أبَى لنا أن نرفع أنفسنا من وهدة واطئة قد ربضت بنا فيها سلاسل من حديد الذل، وقد حضرت ساعة ينبغي أن نفصل فيها بين عهد مضى وزمن يستقبل، فإذا قعدت عزائمنا، وعميت أبصارنا، فأنفسَنا نضيع، وأرواحَنا نزهق
جاءت هذه الحرب لتنسف تاريخًا شامخًا ثقيلًا قد اضطجع على حياة الشرق كما يضطجع الجبل على سفحه الرَّحْب، فإذا تأخر الشرق وتهاون وتكاسل على ما عوَّده الموت الروحيُّ الذي كان فيه، فقد سنًحتْ له الفرصة ثم ولَّت عنه، وتركتْ يدَه ممتدَّة لا تمسكُ إلا أذيالَ الريح التي استَرْوَحتْ عليه بأنفاس الصيد ورائحته
إن في هذا الشرق لميراثًا نبيلًا من الأعمال والأخلاق والآداب والسياسات، ولكن هذا الميراثَ المضيَّع المنسي لا يجدي من خير على نائم قد أغمض عينيه عن الحياة، استمتاعًا بحياة أخرى تعرضها له أحلام رخية تختال في خياله. هذا الميراث المجهول في حاجة إلى من ينفض عنه غبار القدم، وأتربة الإهمال، ويزيل عنه أدران الجهل والخمول، ويجلوه مرة أخرى على أعين الناس مضيئًا مشرقًا يتوهج بأنواره كأحسن ما يتوهج
لقد كانت الحضارة الأوربية الماضية، وقامت على روح من الأثرة والبغي والاستبداد، وفقدت كل معاني الروح السامية التي تبذل أكثر مما تأخذ، وتعتد الغنى من الاستغناء لا من الجمع والتعديد، وتجعل حرية النفس في ضبطها وإمساكها على المصلحة لا في تسريحها وإرسالها على مدة الشهوة. وقد كان للشرق مجد وحضارة ومدنية، وتمم الإسلام كل الكمال
[ ٣٦٦ / ١٩ ]
لهذه الحضارة بما أقام للناس من شعرائه وآدابه، وجاء على الشرق زمان كان الإصلاح فيه ضرباَ من إفساد الصالح، وزيادة الفاسد فسادًا وخبالًا. وكذلك ضاع كل شيء، ورجع بنا الزمان إلى جاهلية جهلاء، تقوم على التقليد لا على الإبداع، وعلى المتابعة لا على الاستقلال، وبالكبرياء لا بالتواضع، وحتى ذكرى مجدنا السالف قد صارت عندنا نخوة جاهلية في التعظم بالآباء والأجداد، لا عملًا عظيمًا تعظمه أعمال الآباء والأجداد والوراثة القومية النبيلة
والحضارة ليست هي العرض الظاهر من قوتها وبنيانها وفنونها وكل ما يقوم به نعت الحضارة، بل الحضارة هي السر الذي يعمل في إيجاد ذلك واستنباته، وإخراجه على الأرض واستثماره: هي سر الحبة التي تنبت الدوحة، والذرَّة التي تقوم بها المادة. فكل حضارة لابد لها من روح تعيش بها وتنمو، وعلى ما في هذه الروح من النظام والتدبير والنبل والسمو، تنشأ الحضارة منظمة مدبرة سامية نبيلة. ونحن لا نشك في أن الروح التي ورثها الشرق في نواحيها، والتي طهرها الإسلام من نواحيها وأتمها، وأحسن سياستها، ونفى عنها خبثها - هي التي تستطيع أن توجد على الأرض حضارة تملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وتفيض بها رحمة كم فاضت غلظة، وتجعلها طريقًا للإنسانية تخرج به من ظلمات الباطل والبغي والغرور إلى نور الحق والتواضع والمساواة. ويومئذ لا يقتتل الناس من أجل سلب الحق للزيادة في أنفسهم وجنسياتهم، بل يقتتلون - إن هم اقتتلوا - من أجل إعطاءِ الحق وردَّه على أهله مهما اختلفت جنسياتهم، ولا فضل لأحد على أحد إلا بما يحسن هذا ويسئ ذاك، ويصبح القانون العالمي، قانون الحق يستقر حيث ينبغي أن يستقر
إن العالم الآن ليقتتل على غير غرض إنسانيّ كامل مقرّرٍ لا يشذ على غاياته ومبادئه أحد. إنه يقتتل على طعام يؤكل، بل على هذا الطعام كيف يُؤكل. فليس لهذه المدنية الأوربية إلا معنىً جنسيٌُّ مُتَعصِّبٌ تدافع عنه لنفسها لا للإنسانية كلها، لا يشك في ذلك إلا من طمس الله على بصيرته، وقادته أهواؤه وغرائزه دون عقله وواجبه. وما هذا التوحش الحيوانيُّ في هذه الحرب إلا نتيجة طبيعية للفكرة القومية المستقلة التي لا تريد إلا أن تستولي على أعظم ما يمكن أن تضع يدها عليه لتستمتع بالحياة والشهوات والسلطان
[ ٣٦٦ / ٢٠ ]
أما الإسلام - وهو روح الشرق من أقدم عصوره على اختلاف أديانه وأجناسه - فقد وضع كل مأثرة قومية جاهلية تحت قدمي صاحب الرسالة محمد ﷺ، وسوّى بين الناس من أهله وبينهم وبين أهل ذمته وعهده، واختار المسلمين ليكونوا شهداء على الناس، فيكونوا قضاة يحكمون بالعدل لا يبغون ولا يجورون، وجعلهم دعاة يدعون إلى مبدأ يتساوى عليه الناس، فمن دخل فيه فهو منه، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وكتب عليهم القتال وأمرهم بهم، وعظم الجهاد في نفوسهم، ولكنه قتال على دعوة إلى هذا المبدأ وجهاد في سبيله وحرم عليهم العدوان ابتغاء عرض الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها
فالمسلم من دينه في قانون إنساني كامل، لا يعمل للجنس أو الفرد أو السلطان والسيطرة، بل يعمل لإعطاء العالم كله روح المساواة، قد تحاجزوا بينهم في الشر، وانطلقوا في أيامهم يعملون على إثباتها في تاريخ الدنيا بمبدئها لا باستبدادها، وبغايتها دون لذاتها، وبالسمو بها إلى الإشراف على نظام الدنيا والسمو بها، لا بسيطرة القوة على إخضاع الدنيا وإذلالها، وجعلها كالبقرة يُحلب درُّها لمن يملكها. فالقانون الإسلامي العظيم هو روح الحضارة التي يجب أن تسود العالم، فإنها حين تسود عليه تجعل الحق هو السيد الذي تخضع له أعناق الناس، لا يبغي بعضهم على بعض في سبيل شهوات غريزية حيوانية مفترسة، يغذوها الدم ويهيجها الدم، فهي آكلة لا تشبع وثائرة لا تقر
والمسلمون اليوم هم جل الشرق، وروح الشرق، ولكنهم مسلمون قد أُفرغوا من معاني الإسلام وبقيت ألفاظه تعيش بهم. إن كل فضيلة من فضائل هذا الدين، وكل عمل من أعماله قد انتزعت منه روحه، فتعامَل الناس على ما خيّلتْ، لا يبالون ما أمروا به ولا ما نهوا عنه، ففقد هذا الشرق الرأي العام الإسلامي الذي يكون تعبيرًا صحيحًا عن إرادة الإنسانية في الاستعلاء والسمو. ولكن هذه الحرب قد تثير هذا العالم الراكد، وتدفع فيه أمواجه الأولى التي غسلتْ وجه الأرض وطهرته من دنس الحياة المادية العابثة المعربدة، فإذا كان ذلك فإن هذا الشرق قد أعد اليوم لأمر جلل، وقد حفظ الله له تاريخه الذي ورثه كاملًا فيه الأسوة وفيه العبرة، وفيه فلسفة الحياة الاجتماعية التي تجعل الفرد الواحد أمة كاملة لأنه هو ممثل الأمة، وتنصبه حاكمًا لأنه يحكم نفسه أول ما يحكم، وتهيئه جيشًا محاربًا في سبيل الحق الأعلى للإنسانية، لأنه يحارب نفسه أول ما يحارب في إقرارها
[ ٣٦٦ / ٢١ ]
على إعطاء الحق لمن يستحقه من حقيقة نفسه
فاليوم يوم الشرق إن اختار أن يبدأ حركته إلى الغاية التي أمر بالبلوغ إليها والوقوف عليها شاهدًا قاضيًا، يدبر الأمر ويصرفه في سيادة الحق كله على الباطل كله. ونحن لا ننسى ما صرنا إليه، ولا نغفل عما فرغت منه أيدينا من أسباب الغلبة التي تتحكم اليوم في مصير الدنيا، ولكت الإرادة التي تحكم الرجل الواحد، تستطيع أن تحكم العالم كله، وسبيل ذلك أن يكون كل رجل مريدًا إرادة صارمة لغرض مقصود بعينه، فهذه الإرادة هي التي تفتق له الجو الإلهي الذي يعد الإرهاص للمعجزة الإنسانية
ستكون أحداث، وتتجدد على الناس نوازل، وتسيل الكوارث من كل مسيل، ولكن الشخصية الاجتماعية التي لا تختلف ولا تتدابر ولا تتعادى، تستطيع أن تغرس في أيام المحن غرس المجد الإنساني السامي، لتنبت شجرة يمتد ظلها، ويترامى فيئها، ويطيب ثمرها، ولا يكون ذلك إلا بعد جهد ومشقة وعنت، ومصابرة للنفس على لأواء الحياة التي فرضت علينا أن نتألم، وأن نصاب، وأن يبلغ منا العذاب مبلغًا يُجهد ويؤود
فهذا أوان يستطيع الشرق أن يضرب الاستحكامات في أرضه وفي أوطانه بالأخلاق سامية عاتية، فيها القدرة على النمو، والقوة على البقاء، وأن ينظم لحياته نظامًا يهدف بغاياته على مستقبل يبعد عنه أو يقرب على حياطة تحفظه أن يقع فيه ما وقع في أيام البلبلة الأخيرة التي تبعت الحرب الماضية. نعم، إن الشرق يفقد اليوم زعيمه الذي يهب من جماعاته كالأسد تنفرج عنه الأجمة الكثيفة عاليَ الرأس حديد النظرة، تتفجر القوة من كل أعضائه ولكن، أيمنع هذا أصحاب القلوب الحية التي تشعر بحاجتها إلى هذا الرجل أن تهزَّ شعوبها هزَّا عنيفًا متتابعًا، حتى ينفلتَ إلى المقدمة ذلك الأسد الرابض إلى الأرض في قيوده الاجتماعية التي تقعد به عن الحركة للوصول إلى المكان الذي أعده له القدر، ليبدأ بدأه في إعداد الدنيا لاستقبال الدين الذي سيتجدد في الدنيا، لأنه هو سر الدنيا وسر القدر
إن علينا أن نعمل، فإن كان ما أردناه وما نتمناه، فذاك عز الإنسانية ورضوان من الله، وإلا فقد أدينا ما وجب، ولله الأمر من قبل ومن بعد
محمود محمد شاكر
[ ٣٦٦ / ٢٢ ]