شمائلهم وعاداتهم
في النصف الأول من القرن التاسع عشر
تأليف المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين
للأستاذ عدلي طاهر نور
تابع الفصل السادس - عاداتهم
يقوم الخادمات المصريات بأحقر الأعمال. ويغطين وجوههن في حضرة سادتهن فيسحبن بعض الطرحة على الوجه فلا يظهرن غير عين ويد للقيام بالعمل. وإذا ما أستقبل ضيف في حجرة من حجر الحريم انسحبت النساء إلى حجرة أخرى وبقيت خادمة منتقبة لخدمته
تلك هي أحوال طبقات النساء المختلفة، ويجب علاوة على ذلك أن نصف عاداتهن وأعمالهن وصفًا سريعًا
لا تحرم الزوجات كما تحرم الجواري من امتياز تناول الطعام مع رب العائلة غالبًا فحسب، بل يجب عليهن أيضًا أن يقمن على خدمته أثناء طعامه أو عندما يدخن شبكه ويحتسي قهوته في الحريم. وكثيرًا ما تشتغل الزوجات كالخادمات فيحشون الشبك ويشعلنه ويصنعن القهوة ويجهزن الطعام أو بعض الأصناف اللذيذة على الأقل. وإذا استطعت الحكم تبعًا لتجربتي الخاصة قلت إن أغلبهن طاهيات بارعات. وكلما أوصي إلي بطبق صنعته زوجة مضيفي وجدته لذيذًا بصفة خاصة. وتهتم السيدات في الطبقات العليا والوسطى بإرضاء أزواجهن وجذب قلوبهم اهتمامًا متواصلًا بحيل شتى. ويظهر دلال النساء حتى في مشيتهن العادية عندما يخرجن، بهز الجسم هزًا خاصًا. وتضبط الزوجات أنفسهن عادة في حضرة الزوج قليلًا أو كثيرًا. ولذلك يسرهن ألا تتكرر زيارة الزوج للحريم أو تطول أثناء النهار. وكثيرًا ما يستسلمن في غيابه إلى ابتهاج صاخب
ولا يختلف طعام المرأة عن طعام الرجل إلا في قلة مقداره ولا تختلف كذلك طريقة تناول الطعام. ويسمح لأغلب النساء أن ينعمن بترف التدخين. ولا يعتبر النساء مهما علا
[ ٤٥١ / ٣٥ ]
مركزهن هذه العادة غير لائقة بهن، إذ أن رائحة أنواع التبغ الجيد المستعمل في مصر لطيفة جدًا. ويلاحظ عادة أن شبك النساء أرشق من شبك الرجال وأكثر زخرفة. ويكون مبسم الشبك أحيانًا من المرجان بدلًا من الكهرمان. ويستعمل النساء العطور مثل المسك وقط الزباد الخ وكذلك الأدهان بكثرة. ويستعملن بضعة عقاقير تؤكل أو تشرب للحصول على بدانة ملائمة وبعض هذه المسمنات تثير الاشمئزاز إلى أقصى حد، لأنها تتكون خاصة من الخنافس المسحوقة. وقد تعود كثير من النساء مضغ اللبان واللادن اللذين يطيبان النكهة، كما تعودن كثرة الوضوء ليكن طاهرات. ولا يبذل النساء وقتًا طويلًا في التبرج، وقلما يغيرن ملابسهن طول اليوم بعد أن يلبسن في الصباح. ويضفرن شعرهن في الحمام ولا يحللنه بعد ذلك عدة أيام
والاعتناء بالأطفال أول ما يهتم به السيدات المصريات، وعليهن أيضًا إدارة الشئون المنزلية؛ إلا أن الزوج وحده في أغلب الأسر يقوم بنفقات المنزل. ويمضي السيدات ساعات الفراغ غالبًا في الأشغال بالإبرة، وعلى الأخص في تطريز المناديل والطرح بالحرير الملون والذهب على إطار يسمي (منسج) أنظر شكل ٤٩، وتكسب الكثيرات، حتى في منازل الأثرياء، من تطريز المناديل وغيرها بهذه الطريقة إذ يستخدمن (دلالة) تبيعها في السوق أو في حريم آخر. وكثيرًا ما تشغل زيارة حريم لحريم آخر اليوم كله تقريبًا. ولا تخرج تسلية النساء عن الأكل والتدخين واحتساء القهوة والأشربة والثرثرة وعرض زينتهن. ولا يسمح لرب الدار في مثل هذه الأحوال أن يدخل الحريم إلا لعمل خاص لابد منه. ويجب عليه في هذه الحالة أن يعلن قدومه، ويترك للزائرات الوقت الكافي للاحتجاب أو الانسحاب إلى غرفة أخرى. وينغمس النساء في المرح والبهجة لاطمئنانهن بالوحدة وعدم المفاجأة، ولميلهن بطبيعتهن إلى الجذل والتبسط. وقد تقوم إحدى السيدات أحيانًا بتسلية الجماعة عندما ينضب الحديث العادي بسرد القصص العجيبة أو الفكاهية. وقلما يعلم السيدات المصريات الموسيقى أو الرقص، ولكنهن يتلذذن كثيرًا بسماع محترفي الموسيقى والرقص ورؤيتهم. وكثيرًا ما يسلين أنفسهن وضيفاتهن بالضرب على (الدرابكة) و(الطار) إذا لم يتيسر وجود العازفين. ويندر ذلك في المنازل التي يستطيع المارة أن يسمعوا منها أصداء الاحتفال. وكثيرًا ما يستخدم القيان (العوالم) في أي مناسبة تبهج النساء
[ ٤٥١ / ٣٦ ]
كميلاد طفل أو الاحتفال بختان أو عرس الخ. ولكن ذلك لا يحدث عند العائلات الجليلة في المناسبات العادية لاعتبارها إياه مخالفًا للآداب. وقلما يقبل في الحريم الغوازي اللاتي يعرضن رقصاتهن سافرات في الشوارع؛ ولكنهن يرقصن أمام المنزل أو في الفناء في مثل المناسبات السالفة الذكر، وإن كان هذا يبدو للكثيرين غير لائق. ولا يستأجر (الآلاتية) دون غيرهم لتسلية النساء، وإنما يستأجرون خاصة لتسلية الرجال ويعزفون دائمًا في مجتمعاتهم، ويسمعون مع ذلك بوضوح داخل الحريم.
يركب نساء الطبقتين العليا والوسطى الحمير عندما يخرجن للزيارة أو لغيرها ويجلسن على براذع مرتفعة عريضة تغطى بسجادة صغيرة (أنظر شكل رقم ٥٠) ويسير في ركابهن رجل واحدًا أو اثنان كل منهما في جانب. ويركب نساء الحريم جميعهن معًا الواحدة خلف الأخرى. ويظهرون وهن راكبات بالطريقة الموصوفة في هيئة غريبة جدًا، فيبدون غير مطمئنات في جلستهن على هذا الارتفاع. ويطلق على الحمار الذي يجهز بالبرذعة المرتفعة: (الحمار العالي) ولكني أعتقد أن الحال ليست من الصعوبة بحيث تظهر، فإن الحمار قد شد حزامه جيدًا ورسخت مشيته فهو يسير ببطء ورهو وحركة سهلة. ويركب سيدات الطبقات العليا كما يركب سيدات الطبقات الوسطى، الحمير المجهزة بهذه الطريقة. ويندر أن يرين فوق البغال أو الجياد. وتكرى الحمير على العموم؛ وإذا لم تستطيع السيدة الحصول على حمار عال تركب آخر مما يركبه الرجال بعد أن يوضع على البرذعة سجادة. وكثيرًا ما يفعل ذلك نساء الطبقة الدنيا ونساء الطبقة الوسطى. ولا يمشي السيدات أبدًا في الخارج إلا إذا قصدن مكانًا قريبًا جدًا؛ فيمشين ببطء وارتباك لصعوبة الاحتفاظ بالخف في أقدامهن، ويمسكن أطراف الحبرة الأمامية بالطريقة الموضحة في شكل ٢٧. ويتمتع النساء سواء ركبن أو مشين بالاحترام الزائد عند العامة؛ فلا يشخص إليهن حسن التربية وإنما يحول نظره إلى اتجاه آخر. ولا يرى النساء في الخارج ليلًا أبدًا إلا إذا اضطرهن إلى ذلك ضرورة ملحة. والقاعدة العامة أن يعود النساء من الزيارة قبل غروب الشمس. ولا يذهب سيدات الطبقة الراقية إلى الحوانيت أبدًا وإنما يرسلن في طلب ما يشأن. وهناك (دلالات) يدخلن الحريم لعرض أنواع الزينة وأمتعة النساء الخ. ولا يذهب أولئك السيدات إلى الحمام العمومي إلا إذا دعين لمرافقة بعض صديقاتهن إذ أن لأغلبهن
[ ٤٥١ / ٣٧ ]
حمامًا في المنزل
أما الحياة المنزلية عند الطبقات السفلى فهي بسيطة إلى حد أنها بمقارنتها بحياة الطبقات الوسطى والعليا التي تكلمنا عنها الآن لا يفيدنا العلم بها شيئًا كبيرًا
تتكون الطبقات السفلى من الفلاحين، ما عدا فئة قليلة جدًا تسكن المدن الكبيرة على الأخص. وأغلب هؤلاء الذين يسكنون المدن الكبيرة والقليل ممن يسكن المدن الصغيرة وبعض القرويين هم من صغار التجار أو أهل الحرف أو ممن يكتسبون معاشهم بالخدمة أو بمختلف الأعمال. وأرباحهم على أي حال طفيفة تكاد تكفيهم. وقد لا تضمن لهم ولعائلاتهم ضروريات الحياة
ويتكون طعام الطبقة السفلى على الأخص من الخبز المصنوع من الدخن أو الذرة، وثم من اللبن والبيض والفسيخ والخيار والشمام والقرع على أنواع كثيرة الاختلاف، والبصل والكراث والفول والحمص والترمس والعدس الخ، والبلح الطازج والمجفف والمخللات، ويأكلون أكثر الخضروات نيئة. ويقطع الفلاحون كيزان الذرة عندما تقرب من النضج ويأكلونها مشوية أو مطبوخة. ولا يدخل الفلاحون الأرز في طعامهم العادي لغلو ثمنه. وقلما يذوقون اللحم. وينعم أغلبهم مع ذلك بترف تدخين تبغ بلدهم الرخيص الذي يجفف ويفرم. ولون هذا التبغ يضرب إلى الخضرة وهو لطيف العطر. وكثيرًا ما لا يجد الفقراء غير (الدقة) التي وصفتها في فصل سابق يغمسون فيها خبزهم بالرغم من بخس أثمان الأطعمة المذكورة آنفًا. ومما يثير الدهشة أن يكون الفلاح قويًا صحيحًا مع بساطة طعامه وقلته وما يعانيه من كد
وقلما يحيا نساء الطبقات السفلى حياة الخمول؛ وإن بعضهن ليكد أكثر من الرجال. وأهم أشغال النساء تجهيز الطعام، وجلب المياه، في جرار كبيرة يحملنها على الرأس من الموارد وغزل القطن والكتان أو الصوف، وعمل (الجلَّة) أقراصًا مستديرة مسطوحة من روث البهائم المخلوط بالتبن، للوقود، ويقمن هذه الأقراص على حوائط منازلهن أو فوق أسطحها أو على الأرض لتجفف في الشمس ثم يستعملنها لوقود الأفران ولأغراض أخرى. ويخضع نساء الطبقة السفلى لأزواجهن أكثر من خضوع نساء الطبقات الراقية. ولا يسمح دائمًا للمرأة الفقيرة أن تتناول الطعام مع زوجها. وإذا خرجت معه سارت وراءه. والعادة أن
[ ٤٥١ / ٣٨ ]
تحمل الزوجة كل شيء إلا الشبك أو العصا. ويفتح بعض النساء في المدينة حوانيت يبعن فيها الخبز والخضر الخ. . . فيساعدن مساعدة الزوج أو أكثر في الإنفاق على الأسرة. ويضع الفقير الذي يرغب في الزواج مسألة المهر موضع الاعتبار. ويكون المهر عادة من عشرين ريالًا إلى أربعة أضعاف هذا المبلغ إذا كان نقودًا فقط، ويقل إذا شمل بعض الملابس كما هو الحال في معظم القطر المصري. وقلما يتردد الفقير في الزواج إذا استطاع أن يقدم المهر، فأي مجهود إضافي يساعده على قوت زوجه وطفلين أو ثلاثة أطفال. ويصلح الأطفال عند سن الخامسة أو السادسة لرعي القطعان، ويساعدون آباءهم في أعمال الفلاحة عندما يتقدم بهم السن إلى أن يتزوجوا. وكثيرًا ما يعتمد الفقير في مصر على أولاده الاعتماد التام لمعيشته في سن الكهولة؛ ولكن أغلب الآباء يحرمون من يحرمون من هذه المساعدة؛ فيقضون حياتهم على السؤال أو يموتون جوعًا. وقد حدث من زمن غير بعيد أن ألقى محمد مرساه في قرية على شاطئ النيل أثناء سفر له من الإسكندرية إلى القاهرة، فأسرع إليه رجل فقير وأمسك بكمه بقوة لم يستطيع معها أحد من الحاشية منعه، وشكا إليه أنه كان وقتًا ما في رغد، ثم تحول الأمر إلى عوز تام بتجنيد أولاده في الجيش وهو كبير السن. فخفف عنه الباشا بأن أمر أن يعطي له أغنى رجل في القرية بقرة.
وقد يكون الأطفال مع ذلك حملًا ثقيلًا على والديهم الفقراء، ولذلك لا تجد من النادر في مصر أن يباع الأطفال علنًا بواسطة أمهاتهم أو نساء أخريات يستخدمهن الآباء لذلك. ولكن هذا لا يكون إلا في حالة الضيق الشديد.
(يتبع)
عدلي طاهر نور
[ ٤٥١ / ٣٩ ]