حمد وشكر
أسرة الرسالة تحمد الله على ما أسبغ من نعمة العافية على رئيس تحريرها. وتنوب عنه في شكر الأمم العربية قاطبة، أفرادًا وجماعات لما طوقته به من كريم رعايتها وجميل برها ونبيل عواطفها، وسؤالها المتصل عنه أثناء مرضه، مما كان له أطيب الأثر في تخفيف ألمه وسرعة إبلاله. وإن لم يكن بد من أن تخص بالشكر أحدًا فهي تقدمه خالصًا موفورًا إلى صديقها الفاضل الدكتور عبد الله الكاتب بك الذي أجرى العملية للأستاذ الزيات بمستشفى الروضة، وتولاه بعنايته حتى تماثل للشفاء.
ثم تخص بالشكر وزراء مصر ونوابها وعلماءها، وكل من تفضل بالسؤال عن الأستاذ بحضوره إلى المستشفى أو بإرسال البرقيات والرسائل، وتبتهل إلى الله اللطيف أن يتم للأستاذ من كمال الشفاء ما هو أمنية أصدقائه ومحبيه، إنه سميع مجيب.
البستان
أهدي الأديب الكبير والأستاذ الجليل إسعاف بك النشاشيبي مجموعة من مؤلفاته إلى صديقه الشاعر الأستاذ محمد عبد الغني حسن. ومنها كتاب (البستان) الذي هو مجموعة من الشعر والنثر أحسن الأستاذ الجليل فيها الاختيار. فكتب إليه الشاعر هذه الأبيات:
بستانك الناظر في حسنه لله ما أبهى وما أفتنا!
أمتعتني منه بما يَسْتَبي ويخلبُ الألبابَ والأعينا
آويتني منه إلى روضةٍ آنست منها الظلَّ والمجتَنَي
في كل سطر منه تغريدهٌ يوشك منها العقلُ أن يُفتنا
جمعت فيه كلَّ أصل زكا ورُمتَ فيه كل فرع دنا
واخترتَ من نظم ونثرٍ به ما جوَّدَ المنشئ أو أتقنا
ما كنتَ فيه كاتبًا منشئًا بل كنتَ فيه راويًا محسنًا
ورب شعر أنت أحييته وكاد بالنسيان أن يُدفنا
هذا اختيارٌ فيه من عقلكم ما قد رأيناه عيانًا هُنا
في فندقٍ ذكرانا (بابلًا) قد بَلْبَلَ الله به الألسنا
[ ٥٧٤ / ٣٨ ]
في موطن العجمة منْ حية صادَفتِ (الضادُ) لها موطنا
أيامَ ما انحلَّ لكم مجلسٌ صبحًا ولا انفض لكم موهنا
تُديرُ فيه القولَ مستوعبًا وتنشُدُ الأشعار مستحسنا
تلك الليالي البيضُ يا سيدي لم يبق منها غير حُلو المنى
تكرار (بين) بين الاسمين الظاهرين
تفضل الأستاذ دريني خشبة فأصدر مقاله القيم في الرسالة عدد ٥٦٩ معنونًا على هذا الوجه: بين (إناث حائرة) وبين (قيس ولبنى)، فجاءت (بين) مكررة بين الاسمين الظاهرين، كما جاء في الرسالة العدد ٢٧٣ ص ١٥٧٤ في البريد الأدبي بعنوان: (وزير المعارف يحكم بيننا وبين لجنة إنهاض اللغة العربية)، جاء تحت نفس العنوان ما يأتي:
(وصنيع الأستاذ هيكل باشا هو الفرق بين وزير يقرأ ويقضي وبين وزير آخر يسمع ويمضي)، ونعتقد أن الصواب هو عدم جواز تكرار (بين) بين الاسمين الظاهرين
وكنت قد قرأت للمؤرخ واللغوي العراقي المنسي المرحوم (رزوق عيسى) صاحب مجلة (المؤرخ) البغدادية رأيا في هذه القضية وجدته في بعض المسودات من تراثه الأدبي القيم أرغب في عرضه على أنظار حضرات أساتيذ اللغة ليبدوا رأيهم في ذلك وإليكم النص عنه:
(من أوهام فريق كبير من كتاب العربية أنهم يوسطون (بين) بين الاسمين الظاهرين المتعاطفين فيقولون مثلا: (الحرب قائمة على ساق وقدم بين اليابان وبين الصين)، والصواب: بين اليابان والصين، لأن (بين) تقتضي الاشتراك فلا تدخل إلا على مثنى أو مجموع، ولإثبات صحة ما نحن بصدده ننقل بعض ما جاء في كتاب (درة الغواص في أوهام الخواص) للحريري: (ويقولون المال بين زيد وبين عمرو) بتكرير لفظة (بين) فيوهمون فيه. والصواب أن يقال: (بين زيد وعمرو)، كما قال ﷾: (من بين فرث ودم)، والعلة فيه أن لفظة (بين) تقتضي الاشتراك فلا تدخل إلا على مثنى أو مجموع، كقولك: (المال بينهما والدار بين الأخوة). . . قال الشيخ الرئيس أبو محمد - ﵁ -: وأظن الذي وهمهم لزوم تكرير لفظة (بين) مع الظاهر ما رأوه من تكريرها مع المضمر في مثل قوله ﷿: (هذا فراق بيني وبينك)، وقد وهموا في
[ ٥٧٤ / ٣٩ ]
المماثلة بين الموطنين، وخفى عليهم الفرق الواضح بين الموضعين، وهو أن المعطوف في الآية قد عطف على المضمر المجرور الذي من شرط جواز العطف عليه عند النحويين من أهل البصرة. تكرير الجار فيه، كقولك: مررت بك وبزيد. قال أبو القاسم المرتضى:
بيني وبين عواذلي في الحب أطراف الرماح
أنا خارجي في الهوى لا حكم إلا للملاح
وقد جوز بعضهم إعادة (بين) بين اسمين ظاهرين، ومنهم السيد أحمد شهاب الدين الخفاجي، ولكنه مذهب ضعيف يناقض ما ورد في الفرقان العظيم من الآيات البينات في عدم إعادة (بين) مع الاسمين الظاهرين. قال ابن بري: إعادة (بين) هنا جائزة على جهة التأكيد، وهو كثير في الكلام العرب، كقول الأعشى:
بين الأشج وبين قيس باذخ بخ لوالده وللمولود
وقال عدي بن زيد: بين النهار وبين الليل قد فصلا. وقال ذو الرمة
بين النهار وبين الليل منعقد على جوانبه الأوساط والهدُب
وقد علق (الخفاجي) على هذا في كتابه (شرح درة الغواص في أوهام الخواص) ص٩٤ قائلًا: فمن هنا يعلم أن إعادة (بين) لا تفسد نظمًا ولا معنى كما توهمه المصنف - أي (الحريري) -
وجاء بحث مفصل عن (بين) في كتاب (كشف الطرة عن الغرة) للسيد محمود شهاب الدين الالوسي ص١٣٦ ومن قوله: (ومن أوهام أنهم يوسطون (بين) بين الاسمين الظاهرين المتعاطفين فيقولون: (المال بين زيد وبين عمرو).
والصواب: (بين زيد وعمرو) بترك التوسط والتكرير، لأن (بين) تقتضي الاشتراك فلا تدخل إلا على مثنى أو مجموع، كقولك: (المال بين الأخوين، والدار بين الأخوة).
هذا ما أردنا بيانه، والمرجو أن نقع على الصواب الذي يراه أساتذة اللغة الكرام
(بغداد)
ضياء الدين أبو الحب
أغلاط
[ ٥٧٤ / ٤٠ ]
قرأت في عدد الرسالة ٥٧٣ قصيدة عنوانها (السراب) للدكتور ناجي، وهي من عيون الشعر الحديث، غير أني مررت فيها بهنات أحببت أن يعلمها الشاعر الكبير وقراء الرسالة:
١ - القصيدة من بحر الخفيف وأجزاؤه: (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن)، وقد تصير فاعلاتن فعلاتن أو مفعولن، وقد تحول مستفعلن إلى متفعلن، ولكن البيت:
اسمك العذب أروع الأسماء مهما تعددت أسماء لا يوافق هذا البحر، ولا تحول إليه أجزاؤه، فهو بيت مكسور
٢ - لا أعرف في اللغة (صدفة) ولا (هناء)، وإنما أعرف مصادفة وهناءة، وكذلك لفظ (الأبد) يعرفه اللغويون بمعنى الزمن، ولكن الشاعر يقول:
أبد لا يحد للعين قد ضا ق فأمسي والسجن هذا الفضاء
ولا يفوتني أن أقول إن الشاعر عبد الغني حسن له قصيدة في نفس العدد وفيها: (تتلاشى على الرمال وتنثر)، ولا أعرف في اللغة (تتلاشى) هذه، فلعل الشاعرين يدلاني وقراء الرسالة على مصدر صحة هذه الكلمات
٣ - العواصف الهوجاء وأمواجه السوداء عبارتان مغلوطتان، وصوابهما: (الهوج) و(السود)
٤ - ولست بدار الفرق بين سنة مقفرة وسنة خالية، وهما متقابلتان في شعر الدكتور
هذا وللشاعر الكبير تقديري واحترامي
محمد حسن
مدرس في الأزهر
[ ٥٧٤ / ٤١ ]