المعاني والظلال
للأستاذ سيد قطب
هناك فارق حاسم بين لغة العلم ولغة الفن، نستطيع إجماله في أن العلم يعنيه ما في السطور، وأن الفن يعنيه ما بين السطور، وبتعبير آخر إن العلم يعنيه معنى التعبير، والفن يعنيه الظل الذي يلقيه التعبير. ولا يفهم أحد من هذا ما كان مفهومًا عندنا قبل ثلاثين أو أربعين سنة من أن الفن هو تلك الألاعيب اللفظية، والبرقشات التعبيرية، فبين هذا وبين ما نريده فرق بعيد
إن ما نقوله لا يتنافى مع صدق الإحساس، وصدق التعبير عن الحياة، وهما مفرق الطريق بين ما كان يعنيه الأدب قبل هذا الجيل، وما يعنيه الآن. وبعد تحقق هذه المرحلة نبحث عما في السطور وعما بين السطور أو عن المعاني والظلال في التعبير عن الأحاسيس الصادقة التي هي الخطوة الأولى في كل أدب صحيح
وحين نأمن اللبس من هذه الناحية نتحدث - في حرية - عن أشكال التعبير وعن طرق الأداء التي نفضلها على أشكال وطرق أخرى
لقد أخذنا على الأدب العربي في جملته أن (المعاني) تعنيه، أكثر مما تعنيه (الحالات النفسية) وأن التعبير فيه يعني بهذه المعاني الكلية - الحسية أو الذهنية - قبل أن يعني (بالإنسان) من وراء هذه المعاني والاحساسات
وعذر العرب في هذا واضح. لقد كانوا أمة حس، لا تختزن في نفوسها رصيدًا من الأحاسيس الوجدانات إنما تنفقه للحظة في الحركة والعمل، فضلًا على أن طبيعة بلادهم لا تهيئ لهم هذا الرصيد
فما عذرنا نحن - في مصر خاصة - وبيئتها أبعد ما تكون عن بيئة الصحراء في ألا ننتفع بالبيئة المواتية والطبيعة العريقة، في إبداع فن يأخذ من اللغة العربية ألفاظها وعباراتها، ويغير في طريقة الإحساس وطريقة التعبير، لنكون بهذا أمناء لأنفسنا، أمناء لطبيعة بلادنا، أمناء للفن الرفيع في جوهره ومظهره
لقد تحدثت في المقالات الثلاث الماضية بمناسبة كتاب (عرائس وشياطين) عما نعنيه
[ ٥٨١ / ١٨ ]
بالجانب الإنساني وعما نعنيه بالحالات النفسية، فاليوم أتحدث عن طريقة الأداء التي نؤثرها، ونبين المزايا الفنية لهذه الطريقة
التعبير الذي يلقى المعنى مجردًا يخاطب الذهن وحده، والتعبير الذي يرسم للمعنى صورة أو ظلًا يخاطب الحس والوجدان، ويطبع في النفس صورة من صنع الخيال. وطبيعي أن الطريقة الثانية أقرب إلى طبيعة الفنون، وأن الطريقة الأولى أقرب إلى طبيعة العلوم. والنموذج يوضح هذه القضية أكثر مما يوضحها أي بيان، فالنقد الفني موكل بالمثال أكثر من الإجمال:
لقد اختار القرآن الكريم طريقة التصوير والتخييل، وجعلها قاعدة فيه للتعبير. ومن العجيب أن يكون القرآن هو كتاب العرب الأول، ثم لا يستفيد الأدب العربي من طريقته الأساسية شيئًا بعد نزوله، وتيسيره للذكر في أيديهم. إلا فلتات في ديوان كل شاعر، هي امتداد للتصوير في الأدب الجاهلي وعلى طريقته، لا على طريقة القرآن الرفيعة
ولعل مرد ذلك إلى أن الحاسة الفنية عند أولئك الشعراء كانت أقل من أن تتطلع إلى هذا الأفق الرفيع في ذلك الأوان. فلعلنا أن نكون اليوم أحق بهذا التطلع من جميع من مضوا من شعراء العربية خلال أربعة عشر قرنًا
إن تفرد القرآن بطريقته التصويرية في هذا المستوى بين الشعر الجاهلي والشعر العربي بعده يمكن أن يتخذ دليلًا فنيًا على تفرد مصدر هذا القرآن، لولا أننا هنا في مقام البحث الفني، لا البحث الديني
والآن نعود إلى نماذج القرآن التصويرية في التعبير، لبيان فضل هذه الطريقة من الناحية الفنية:
١ - معنى النفور الشديد من الدعوة إلى الهدى، يمكن أن يؤدي في صورته التجريدية الذهنية على نحو كهذا: إنهم لينفرون أشد النفرة من الدعوة إلى الإيمان. فيتملى الذهن وحده معنى النفور في برود وسكون
ولكن التعبير القرآني يؤديه في هذه الصورة الحية المتحركة: (فما لهم عن التَّذكِرَةِ مُعْرِضِين؛ كأنهم حُمرٌ مُستنفِرة فَرَّتْ من قَسْورة) فتشترك مع الذهن حاسة النظر وملكة الخيال، ويثور في النفس شعور السخرية وشعور الجمال؛ السخرية من هؤلاء القوم
[ ٥٨١ / ١٩ ]
النافرين كالحمر، الوحشية المذعورة من الأسد، والجمال الذي في الصورة المتحركة الطليقة
فللتعبير هنا ظلال حوله تزيد في مساحته النفسية، إذا صح هذا التعبير!
٢ - ومعنى عجز الآلهة التي كان العرب يعبدونها من دون الله، يمكن أن يؤدي في عدة تعبيرات ذهنية مجردة كأن يقال: إن ما تعبدون من دون الله لأعجز من خلق أحقر الأشياء. فيصل المعنى إلى الذهن مجردًا باهتًا
ولكن التعبير القرآني يؤديه في هذه الصورة:
(إنَّ الّذينَ تّعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقوا ذُبابًا وَلوِ اجْتَمَعُوا لَهُ؛ وإنْ يَسْلُبْهُمُ آلذُّبابُ شيْئًا لا يِستَنقُذوهُ مِنْهُ. ضَعُفَ الطالِبُ وَالْمَطْلوبُ)
فيحيا هذا المعنى الساكن، ويتحرك في تلك الصور المتحركة المتعاقبة
أرأيت إلى تصوير الضعف المزري، وإلى التدرج في تصويره بما يثير في النفس السخرية اللاذعة والاحتقار المهين:
(لن يخلقوا ذبابًا) وهذه درجة (ولو اجتمعوا له) وهذه أحرى (وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه) وهذه أنكى
ولكن أهذه مبالغة؟ وهل البلاغة فيها هي الغلو؟
كلا! فهذه حقيقة واقعة بسيطة. فهؤلاء الآلهة (لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له) والذباب صغير حقير، ولكن الإعجاز في خلقه هو الإعجاز في خلق الجمل والفيل. لأنها معجزة خلق الحياة، يستوي فيها الجسيم والضئيل، وليست المعجزة في صميمها هي خلق الهائل من الأحياء، وإنما هي خلق الذرة الحية المفردة
ولكن البراعة هنا هي في عرض هذه الحقيقة بصورة ترسم العجز عن بلوغ مسألة هينة في ظاهرها، والجمال هنا هو في تلك الظلال التي تلقيها خطوات الصورة من خلال التعبير
٣ - والتعبير الذهني المجرد عن هول يوم القيامة يمكن أن يكون نصوصًا كثيرة، كأن يقال (إنه لهول مفزع مروع مذهل. . .) فلا ترتسم في النفس صورته كما يرسمها التعبير القرآني المصور:
[ ٥٨١ / ٢٠ ]
(إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ ترَونَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٌٍ عَمَّا أرضَعَتْ؛ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وَتَرى الناسَ سُكارَى، وَما هُمْ بِسُكارَى ولَكنَّ عّذابَ اللهِ شَديدٌ)
وليس النسق القرآني وحده في النظم هو الذي يرتفع بهذا التعبير إلى مستواه الذي تستشعره النفس عند تلاوته. إنما هي هذه الطريقة التصويرية كذلك، حيث يزدحم الخيال بصور كل مرضعة ذاهلة عما أرضعت، شاخصة تنظر ولا ترى، وتتحرك ولا تعي، وصور الناس سكارى وما هم بسكارى، في عيونهم ذهول السكر، وفي خطواتهم ترنحه
إن هذا الحشد من الصور الذاهلة هو العمل الفني الضخم في هذا التعبير
وليست هذه الصور فلتات في القرآن إنما تلك طريقة متبعة وخصيصة شاملة، وفي هذا يتفرد القرآن وحده. فالتصوير قد يقع فلتات في الشعر العربي، تكثر في الشعر الجاهلي وتقل في الشعر الإسلامي. ولا يعد قاعدة في هذا الأدب كله. ثم تبقى بعد ذلك درجات السمو في هذا التصوير. ولها مجال غير هذا المجال
طريقة التصوير والتظليل التي نوجه إليها الأنظار، هي الطريقة التي وردت فيها فرائد الشعر العربي التي تهيأت للشعراء على ممر الأجيال
فأجود ما وقع لامرئ القيس هو من الشعر التصويري مثل:
وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت: له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل
فتشخيص الليل هنا ومنحه الحياة، ورسم هذه الصورة المتحركة له، هي موضع الجمال في هذه الأبيات لا مجرد معنى أن الليل قد طال وأنه سئم هذا الطول
وكذلك بيته الآخر في وصف حصانه:
مِكَّرٌ مِفَّرٌ مقبل مدبر معًا كجلمود صخر حطه السيل من عل
وما فيه من تشخيص الصورة والحركة، لا مجرد معنى أنه يكر ويفر ويقبل ويدبر في لحظة واحدة. وأجود ما وقع لزهير أبياته التصويرية كذلك مثل:
إذا ما غَدَوْنا نبتغي الصيدَ مرَّةً متى نَرَهُ فإننا لا نُخاتِلُهْ
فَبَيْنا نُبَغِّي الصَّيْدَ جاء غُلامُنا يَدِبُّ ويُخْفي شَخْصَهُ ويُضائِلُهْ
[ ٥٨١ / ٢١ ]
ففي صورة هذا الغلام الشاخصة هنا وفي حركته المرسومة كأنما على الشاشة جمال فني لا شك فيه
وأجود ما وقع لسويد بن كاهل اليشكري أبياته التي يصور فيها حاسده صورًا شاخصة فيها الملامح الحسية والانفعالات النفسية. وجميعها صور وظلال لا معان مجردة:
رُبَّ من أنضجْتُ غيظًا قلبَهُ قد تَمنَّى لي موتًا لم يُطعْ
ويراني كالشجا في حلقه عَسِرًا مَخْرَجُهُ ما يُنتزع
مُزبدٌ يَخطُرُ ما لم يَرَني فإذا أسمعته صوتي انقمع
لم يضرني غير أن يحسدني فهوَ يرْقو مثلما يزقو الضوع)
فتتم الصور المزرية التي يرسمها له بعد أن تترك في النفس ظلالًا واضحة، وفي الحس صورًا شاخصة، فيها كل جمالها الفني الذي يتيحه التصوير والتخييل
ويكثر التصوير في الشعر الجاهلي، ويقل في الشعر الإسلامي، على عكس ما كان منتظرًا بعد وجود القرآن بين أيديهم، وتعبيره كله قائم على الطريقة التصويرية، ولكن قاتل الله (المعاني)، لقد أصبحت كل هم الشعراء وغلبت طريقة العلم على طريقة الفن، فتقهقر الأدب العربي من هذه الناحية، بجانب خطواته التي تقدمها في نواح أخرى
فإذا نحن تجاوزنا ابن الرومي - وهو فريد في تاريخ الأدب، العربي كله - لم نعثر إلا على فلتات في ديوان كل شاعر، قام فيها التعبير بمهمة التصوير. فلتات قد تكون مائة وقد تكون ألفًا، ولكنها تبدو ضئيلة جدًا بين ملايين الأبيات من الشعر العربي على ممر الأجيال
وإن أجود ما وقع للشعراء هنا كذلك، لهي الأبيات التي عبر عنها بطريقة التصوير والتخييل. مثل بيت مسلم بن الوليد الذي نقلناه في كلمة ماضية:
تمشي الرياح به حسرى مولهة حيرى تلوذ بأكناف الجلاميد
وما فيه من تشخيص وخلع الحياة على الرياح
ومثل بيتي كثير:
وإني وتهيامي بعزة بعد ما تخليت مما بيننا وتخلّت
لكا لمرتجى ظل الغمامة، كلما تهيأ منها للمقبل استقلت
وما فيها من حركة متخيلة: حركة حسية تقابلها حركة نفسية في تساوق واتفاق. ومثل بيتي
[ ٥٨١ / ٢٢ ]
المتنبي:
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
وفيهما مشهد استعراض متحرك يضاعف جمال المعنى الذهني المجرد
ومثل بيتي المعري الفريدين:
رُبَّ قبر قد صار قبرًا مرارًا ضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفين في طويل الأزمان والآباد
وما فيهما من سخرية مصورة شاخصة، تتسق مع السخرية النفسية، وتوضح رموزها وتجسمها
ونكتفي بهذه النماذج لتصوير ما نريده من الجمال الفني في الصور والظلال حين يرسمها التعبير. ثم ننبه هنا إلى لبس قد يؤدي إليه سياق المقال:
نحن لا نعني أن طريقة التصوير وحدها تؤدي إلى أن يأتي كل من يتبعها بقرآن أو ما يشبه القرآن، ولا أن يبلغ هذا المدى الذي بلغه مسلم والمتنبي والمعري وكثيّر وغيرهم. فليست طريقة من طرق الأداء عصا سحرية تبلغ بمفردها مدى الإعجاز والعبقرية!
إنما نعني أن هذه الطريقة أنسب للتعبير الفني من الطريقة التجريدية، وأن الشاعر الواحد يبلغ بها في إنتاجه ما لا يبلغه من الجمال الفني لو اتبع الطريقة الذهنية. ثم يبقى بعد ذلك مجال التفاضل في الإحساس لم نمسه، ولم نحاول البحث فيه. فتلك هبة توهب، أما الطريقة فهي خطة يلفت إليها النظر، وإن كان لها من الهبة الَّلدُنَّية نصيب
سيد قطب
[ ٥٨١ / ٢٣ ]