للأستاذ توفيق حسن الشرتوني
لم يبق في المعمور قطرٌ مهما يكن قصيَّا عن مناطق القتال، لم يصطدم بشظايا هذه الحرب، ولم يحمَّل عبء ويلاتها وشرورها. إنها لعمري حرب غريبة بفظائعها وأهوالها، خارقة بعددها ومعداتها، فاقت كل حدس وتخمين، وبزّت أقاصيص الجن وأساطير الأقدمين
فالتاريخ لم يرو لها مثيلًا في كثرة الضحايا واتساع الجبهات، وجُسامة التخريب والتدمير. لقد شملت نارها العالم بأسره، حتى أمسى لا يأمن مغبتها الطفل النائم في سريره، ولا الراتع في أحضان أمه، ولا المريض المستلقي على فراشه، ولا الشيخ القابع في داره، ولا الساكن مشارف الجبال، ولا العائش في بطون الأودية ومطاوي الأدغال
صدام فظيع هذا الصدام البشري الهائل الذي لم يبق ولم يذر. فالمدن التي يجتاحها يدعها قاعًا صفصفًا، والأرض التي يعركها يجعلها خرابًا يبابًا. كيف لا والسابحات في الجو تدك أمنع الجبال دكًا، وتهتك أوعر المفاوز هتكًا، والغائصات في اليم تقدّ بطن العباب قدًّا، وتبلغ أعمق الأغوار حدًا. والقاطعات البيد تنهب أرذل القفار نهبًا وتقطع موحش المجاهل قطعًا وهي تنشر الموت والدمار في كل مكان
فأين المفر من حرب طاحنة كهذه الحرب. أضرم نارها جنون الإنسان على أخيه الإنسان، وأثارها حربًا شعواء تقذف نيران الجحيم من آلاتها الجهنمية، فتتلف الضرع والزرع وتفتك بالإنسان والحيوان، وبكل ما هب ودب على سطح الأرض وما تمخض في أحشائها
خمسة أعوام تصرمت على هذه الحرب، أو تكاد تتصرم. تحمّل منها البشر ما لم تتحمله القرون، وبذلوا في ساحاتها الأرواح بالملايين، والأموال (بالبلايين) وضحّوا من تراث الحضارة ومن مخلفات الآباء وآثار الأجداد بما لا يقدر بثمن ولا يعوض بأجيال
والحرب دائرة بعد ما خمد أوارها، ولا خفّت نارها، وهي ما تزال مسعرة تتأجج لهيبًا وتزداد ضرامًا
أيود الإنسان الغافل أن يروي الأرض بالدماء، ويغمرها بالخراب. فيقضي قضاء مبرمًا على أينع ما في الدوحة البشرية من مخضلّ الغصون. ويلوي على البقية الباقية من ذخائر الحقب ونفائس الدهر التي هي خلاصة العقل البشري ونتاج جهاده على مر العصور
[ ٥٧٧ / ١٨ ]
والدهور
أما كفى البشر ما قاسوه حتى الآن من فظائع التقتيل والتخريب، وما كابدوه من ضورب الشقاء والحرمان! وما تحملوه من وطأة الأوبئة والمجاعات!
لقد هللوا كثيرًا لاختراع السيارات والطيارات واستبشروا خيرًا بتقدمهم الباهر في صناعة الكيمياء واللاسلكي، وعّدوا العصر الذي نعيش فيه عصرًا للرخاء البشري والتمدن العالمي. فكانت النتيجة كالعسل الممزوج بالسم يحلو طعمه ويقتل مذاقه كيف لا وقد انقلبت السيارات الوفيرة في هذه الحرب الآلية الطاحنة دبابات تزرع الويل والثبور، وتبدلت الطائرات الجالبة الغبطة والحبور قاذفات تلقي على الأرض أفدح الشرور. هكذا الأجهزة اللاسلكية والسوائل الكيماوية التي كانت نعيمًا للأرواح والأبدان قد تحولت جحيما لاهبة وغازات خانقة. . .
ما شاء العلماء ولا أئمة الفكر والاختراع أن يجنوا على الإنسانية بمختلف علومهم ومستحدثاتهم. فهم صفوة خلق الله وأكثرهم نفعًا لعباده. لكن الغريزة البشرية المرتكزة على الجشع وحب الأثرة هي التي تحول الخير شرًا والعلم ضرًا. وستبقى هكذا عائشة في مقررات الحياة البشرية ما دامت وسائل علاجها مستعصية على مدارك علماء النفس والجسد، وسر إصلاحها مغلقًا في وجوههم
ولهذا أعتقد أن الأخلاق الشاذة والغرائز الملتوية في هذا الكائن المجهول الذي يُدعى الإنسان، لا تتعدل ولا تتغير، بمجرد تعديل الأنظمة أو تغيير القوانين. فمهما يُبدع المصلحون والمشترعون يظل إبداعهم حبرًا على ورق، ما لم يؤتوا علمًا راهنًا يسيطر على الغرائز البشرية نفسها، ويتمكن من التحكم في عناصرها الأصلية، ليتم له تعديل نزعاتها وتوجيهها توجيهًا صالحًا لقبول الأنظمة المستجدة والشرائع المستحدثة
فنتائج الحرب الماضية ما تزال ماثلة للعيان، وهي حرب تعد في مجموع خسائرها أعظم حرب عرفها التاريخ - ما خلا هذه الحرب - زُهقت فيها الأرواح بالملايين، ناهيك بفظاعة تدميرها، وفداحة الأوبئة والمجاعات التي انتشرت بسببها في معظم أنحاء الأرض، وفتكت بالناس فتكا ذريعًا، حتى أمست ضحاياها تزيد على ضحايا المعارك زيادة هائلة
فماذا جنت الإنسانية من هذه الخسائر الجسيمة؟ لقد انتهت تلك الحرب المشؤومة وأسفرت
[ ٥٧٧ / ١٩ ]
عن عصبة أمم كسيحة، لم تقو يومًا على تطبيق الشرائع والأنظمة التي استحدثتها لسلامة الأمم والشعوب. ولم تتمكن من مجابهة المغيرين الذين كانوا ينتهكون حرمة قوانينها ويعبثون بشرائعها. والاعتداء على بلاد الأحباش وعلى الصين، وبقاء العصبة مكتوفة اليدين تجاههما، يدل دلالة واضحة على إفلاسها
غير أنها ولو باءت بالفشل وانتهت بالهزيمة؛ فإنشاؤها عقيب الحرب الماضية يعد محاولة في سبيل الإصلاح. وهي لعمري محاولة لها قيمتها ووزنها في ميدان التجدد الفكري واليقظة الاجتماعية. لأنها تبرهن على الوعي البشري الذي شمل العالم المتمدن، حتى أصبح يرى من الضروري إنشاء عالم أفضل من عالمنا، يحفظ حقوق الناس على اختلاف أجناسهم، ويسبغ عليهم جميعًا نعم الحياة وخيراتها
أجل إن عصبة الأمم لم توفق لإنشاء هذا العالم المنشود. وقد جرنا فشلها وفشل ما سبقها من المعاهدات الناقصة إلى هذه الحرب الضروس التي أثقلت كاهل الإنسانية. فأقفرت أرضها ودُكت معالمها، ويُتم أطفالها، وقُضي على خيرة شبابها
فما وراء هذه الحرب، أرخاء ووفاق يشمل العالم بأسره، أم بلبلة وشقاق؟ لا أدري. لكني أتفاءل خيرًا بتدرج الإنسانية نحو المثل العليا التي تضمن سلامها ورخاءها ورقيها
فميثاق الأطلنطي بادرة أمل ورجاء. إذا تمكن العالم في الغد من تطبيق بنوده وتعميم نفعه، صحت الآية القائلة: على الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر
ولكن لا يعزب عن بال المصلحين أن الطبيعة البشرية أمارة بالسوء. فمن الواجب درسها وتمحيصها على ضوء العلم، والتغلغل في أعماق جذوعها، لتفهم عناصرها واستقصاء أطوارها. فعندئذ لا يصعب على البشر أن يتبينوا لها طريقًا قويمًا. فبمقدار ما تصلح الطباع البشرية يصلح الكون
(بيروت)
توفيق حسن الشرتوني
[ ٥٧٧ / ٢٠ ]