حدثنا سهيل بن عباد قال: ارتبعت ربيعًا باليادية، أصفى من ماء غادية. فما تركت حيًا ولا ناديًا، ولا جبلًا ولا واديًا، وإلا سعيت إليه على قدمي، وخاطرت في اعتماره بدمي. فبينما أنا في حلة إذ قام منادٍ على كثيب يقول: حي هل على الخطيب. فوفدت إليه في من وفد، وإذا شيخ أكبر من لبد، عليه حلة من سبد. فلما تألب الجيش، وسكن الطيش. كبر واستغفر، وقرأ ما تيسر. ثم قال: الحمد الله الذي جعل العرب في وجنة العباد شامة، كما جعل أرضهم على
[ ١٤٧ ]
بدن البلاد هامة. أما بعد فإنكم يا معاشر العرب أكرم للناس نسبًا، وأفضلهم حسبًا. وأفصحهم لسانًا، وأثبتهم جنانًا، وأضر بهم بالسيوف، وأقراهم للضيوف. وأكثرهم ابتذالًا للمكارم واحتمالًا للمغارم، واعتقالًا بالرماح واشتمالًا بالصوارم. ولكم حفظ العهود وإنجاز الوعود. ومراعاة الجوار، والفرار من العار. وحماية الأرباض، وبذل النفوس دون الأعرض. وخوض الليل بالرجل والخيل. ولكم الخطاب المفعم، والجواب المفحم. والنظم البديه، والنثر النبيه. والقلوب الجرية، والنفوس الأبية. ولا تدينون لسلطان، ولا يتيمكم هوى الأوطان. ولا ترتكبون الدنايا، ولا تبالون بالمنايا. ولا تروعكم الأهوال، ولو أنها من الأغوال. ولا تقبلون الهوان، ولو جاء بالهيل والهيلمان. بلادكم أفضل الأرض
[ ١٤٨ ]
تربة، وأرفعها هضبة. وأحلاها ماء، وأصفاها هواء. وأطيبها جرعى، وأخصبها مرعى. وأطولها نخلة، وأسمنها رخلة وسخلة. وغلامكم أحكم من كهول الناس، وأفتك من فتيانهم صبيحة الباس. وفتاتكم أحذق من فحول الرجال، وأفصح منهم في المقال. وشاعركم المرتجل، ابلغ من شاعرهم المحتفل. وصعلوككم المعسر، أجود من أميرهم الموسر. وفيكم الكاهن والعائف، والحكيم والقائف. والفقيه والخطيب، والمنجم والطبيب. ومنكم التبابعة والمناذرة، والأبطال والجبابرة. والكرام الذين تسير بهم الأمثال، ويعز لهم المثال. فجدوا في جدد الفخر، وتواصوا بالصبر، أعلى نوائب الدهر. وحافظوا على مالكم من
[ ١٤٩ ]
المآثر والآثار، واشطروا شطر من تقدمكم من خوالي الأعصار، واذكروا أيامهم المخلدة في بطون الأسفار، لتكون لأنفسكم كالريحان. ولعزائمكم كالمضمار. قال: فانبرى له شيخ كالأفعوان، عليه حلة أرجوان. وقال: يا مولاي قد مدحت فأكرمت، ونصحت فأحكمت. ولكن ما هي أيام العرب التي أشرت إليها، ومواقعها المنصوص عليها؟ ففكر، ثم قدر، ثم قال: قد أنسانيها الشيطان فذكر إن كنت ممن تذكر. فأطرق برهة وهو ينكت في الأرض، ثم قال: تعالوا أتل عليكم ما يبقى ذكره إلى يوم العرض. وأنشد:
قد ذكر القوم لأيام العرب مواقعًا تدعى بهن كاللقب
من ذلك: الكديد والبيداء بعاث والفترة والهيماء
كذا كلاب منعج الجفار والحجر والزخيخ والستار
شمطه والزور غبيط المدره كذا الغبيطان اللوى وبئره
جو نطاع ذو طلوح والعنب درنى الكحيل والغدير ذو نجب
نخلة فيف الريح قرن فلج طوالة وقبى زرود المرج
عويرض الحدائق النسار قشاوة كفافة سنجار
[ ١٥٠ ]
ذرحرح خو خولي داب عين أباع قادومٌ إراب
عراعر النهي الربيع ملهم نجران والعينان غول رقم
ذو الأثل ذات الرمرم النشاش عنيزةٌ عقبة أعشاش
وواردات الجنو رحرحان والدرك السوبان والسلان
شعب خزازى والعظالى حاطب قراقر الدثينة الذنائب
جبلة القرعاء والصليب ظهر وذات الحرمل الكثيب
أوارةٌ لهابةٌ ذو قار أقرن وجٌّ حيرةٌ سفار
شعواء والهباءة المرتقب قطن ذو حسى الفروق يحسب
يسيان والهرير ذو أحثال وما عسى نحصي من الرمال
[ ١٥١ ]
قال سهيل: فكبر القوم وقالوا: حدث عن البحر ولا حرج، إنك لأحفظ من حماد وأجمع من أبي الفرج. قال: علم الله أني لست من الأفاضل الكملة، ولكن عرف حميقٌ جمله. فسقط في يد الخطيب واستكان، وقال: قد قدر فكان. ولقد أبنت فأحسنت، فمن وممن أنت؟ قال: إن كنت لا ترى، أن تأكل الجبن عرضًا. فأنا سرندل ابن عرندل،
[ ١٥٣ ]
من بني الشمردل. فعجب القوم من براعته ورقاعته، وأكبروا سر صناعته. وقالوا: هل تملي علينا ما أنشدت، وسنجزيك بما أفدت. قال: إن لي كاتبًا أجرى من السيل، في الليل، ثم قال: هلم يا سهيل. فلما أقبلت عليه قال: اكتب يا بني، وأخذ يملي علي. فلما فرغنا من الإملاء والتعليق، أفرغوا علينا ما يليق، واعتذروا من الإجحاف بالخليق. قال: وكنت قد عرفت أن الشيخ صاحبنا ابن الخزام، فما صدقت أن أفلت من الزحام، حتى تعقبته وهو يعدو في أخريات الخيام. فاستوقفته فأبى، وقال موعدنا مهب الصبا. فرجعت بين الخيبة والظفر، إذ حرمت صحبته ورزقت نفقة السفر.