حدثنا سهيل بن عباد قال: خرجنا من العواصم، نريد غزة هاشم. فأعملنا السنابك والفراسن ووردنا الآجن والآسن. حتى دخلناها بعد الأين، بين العشاءين. وقد علت أوجهنا ولمحة من السفر ولمحة من الكدر. فاتخذنا بها المضاجع واغتنم كل منا دعة الهاجع.
[ ٣٧٤ ]
فلما انسلخ النهار من الليل، وجرت الغزالة فضل الذيل. خرجنا نتفقد أراضيها الخضراء والبيضاء، حتى إذا مررنا بدار القضاء سمعنا لغطًا وضوضاء. فعرجنا على ذلك اللجب، وإذا الخزامي متعلقًا برجب. وهو يقول: أيد الله القاضي، وأنفذ حكمه الماضي. كان لي نديم رقيق المباني، دقيق المعاني. ظريف الشكل، حصيف النقل خفيف الوضع والحمل. بديع الفكاهة والبداهة، بعيد السفاهة والفهاهة. يؤنسني الليل والنهار ويغنيني عمن يزور أو يزار. ويخدمني الصباح والمساء، ولا يشرب لي قطرة ماء. ويبذل المعونة، على غير مؤونة. ويسأل فيعطي ويخطو فلا يخطي. طالما أبدى، فأهدى. وأعاد، فأفاد. لا يهزه الدلال ولا يستفزه الملال. ولا يعرف الغضب ولا يسيء الأدب. ولا يكتم عني سرًا ولا يعصي لي أمرًا. وإذا قطعته انقطع، وإذا استرجعته رجع. وإذا طويته انطوى وإذا زويته انزوى، وإذا ضويته انضوى. يلقاني بصدر مشروح، وباب مفتوح. ووجه طلق ولسان منطلق. فكنت أتخذه أنيسًا، ولا أريد غيره جليسًا. وأنعكف عليه آناء الصرعين،
[ ٣٧٥ ]
لما أجد به من طيب النفس وقرة العين. وإن هذا الأحمق، قد مزفه كل ممزق. وتركني ألهف عليه، من النعمان على نديميه. قال: فاضطرب الرجل مرتاعًا، وتباكى ملتاعًا. وقال: علم الله أني كنت به أبر من العملس، وعليه أحذر من الذئب الأطلس. فإنه كان راحي ومراحي وصباحي ومصباحي. ولكن قد فرط ما فرط ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وإن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا. فإن شاء الشيخ دية أو قودًا، أو يسلكني عذابًا صعدًا. فإني له أطوع من عنانه وأوفق من بنانه. فقال الشيخ: أما وقد كان ذلك من خطا فعله، فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله. ولكن هل بالرمل أو شال، وكيف يرجى الري من الآل؟ قال: أنا أسعى بما تيسر وتحط عني ما تعسر. وأخذ يطوف على الجماعة من فوره،
[ ٣٧٦ ]
وهو ينشد في أثناء دوره:
آهًا من الأيام والليالي قد علمتني مهنة السؤال
وعارضت الإدلال بالإذلال فذقت من لواعج البلبال
ما لم يكن يخطر لي ببال لكن قضى لي الله ذو الجلال
برفدكم، يا كعبة الآمال فإن عدا الدهر فما أبالي
وجعل يردد الأبيات بين مطافه، ويلين أعطاف استعطافه. فعاد إلى الشيخ بقدر، وقال: هذا ما قيضه القدر. فإن رضيت وإلا ألحقت الحس بالإس، وأغمضتك عمن يجس أو يحس. فانكفأ الشيخ إلى خلفه، وقال: ليس يلام هارب من حتفه. قال سهيل: فلما خرج قفوته أعتقب، إلى حيث لا مرتقب. وقلت: هيهات أن أطلق سبيلك، أو تعرفني قتيلك قال: هو كتاب ألقاه هذا الشيطان، في بعض زوايا الخان، فمزقه الفأر شذر مذر، وعلاه بالرجس
[ ٣٧٧ ]
والقذر. وتركني أنوح عليه بزفرات تترى، وأبكي بأجفان شكرى. ثم ناولني لفافة سبنية، وقال: إذا أصبحت فخذها إلى القاضي برسم الهدية. وانطلق يعدو في العراء، ولا يلتفت إلى الوراء. قال: ففضضت تلك الغاشية، وإذا الكتاب فيها كالهشيم فضمته الماشية، وقد علق فيه على الحاشية:
هذا القتيل المهتدى بناره جئت إلى القاضي لأخذ ثاره
من جرذ الفندق أو من فاره، وهو لحب اللبث في جواره
أوصى بأن ندفنه في داره
فائتمرت بإشارته وأطرفت القاضي بعبارته. فضحك حتى هوت قلنسوته، والتوت عنصوته. وقال: هل لك أن ترده فأحتمل من كرامته، فوق ما احتملت من غرامته؟ قلت: هيهات إنه والعقاب، فرخان في نقاب وكان ذلك بيننا وسيلة الوداد والترداد، حتى خرجت من تلك البلاد.
[ ٣٧٨ ]