حكى سهيل بن عباد قال: نزبت يقوم من العرب، في أثناء رجب. وكانوا قد ارتبطوا القنابل، واعتزلوا الصوارم والذوابل، واجتمعوا حتى اختلط الحابل بالنابل. فرأيت جيشًا كأولاد فارزٍ وعقفان. قد تألف من أسود بيشة وظباء عسفان. فلبثت عندهم بضعة أيام، في بعض أطراف الخيام. وكنت كلي يومٍ أشهد المحافل، وأتخلل الجحافل. وأسمع الشاعر، والناثر. وأطرب للشادي، والحادي. حتى إذا كنت يومًا ببعض الأندية، وقد سالت الشعاب
[ ١٤٢ ]
والأودية. أقبل شيخ ضئيل، تليه امرأة أكبر من عجوز بني إسرائيل. فلما وقف بنا قال: حيا الله الموالي، وأعز بهم المعالي والعوالي. أنني طالما أيمنت وأشأمت، وأنجدت وأتهمت وأحجزت وأعرقت، وغربت وشرقت، وشهدت الولائم والوضائم، وشاهدت العزائم والعظائم. ورضت الرجال، وخضضت الآجال. ولقيت السراء والضراء، ومارست الحسناء والخثناء. وأترعت العساس والجفان، وملأت الثبن والأردان. وأجزت الخطباء والشعراء، وأحسنت إلى العفاة والفقراء. وها أنا الآن قد صرت نحسًا مستمرًا، لا أملك نفعًا ولا ضرًا، ولا أذكر مما لقيت حلوًا ولا مرًا. حتى كأني الآن قد ولدت على هذا البساط، تدرجني هذه الحيزبون بالقماط. فاعتبروا بما رأيتم وسمعتم وخذوا الأهلة لأنفسكم ما استطعتم. فإن الزمان، ليس فيه أمان. والدنيا الغرور، لا يتم فيها سرور. والحياة ظل زائل والنعيم لون حائل. والسعيد من نظر لنفسه، قبل
[ ١٤٣ ]
حلول رمسه.. وكفر عن ذنبه، قبل لقاء ربه. فلما فرغ الشيخ من كلامه اعتمد على عصاه، وبرزت العجوز كالسقلاة. وقالت: يا كرام العرب إن الله قد أمر بالمعروف عباده، كما أمر بفروض العبادة. فعليكم بالمروءة والكرم، ورعاية الذمم والحرم. وحافظوا على الوفاء ولو أفضى إلى الخسف، واحد سوا لوفدكم ولو بمطفئة الرضف. فإن بئس الردف لا بعد نعم، والكثير خير من القليل والقليل خير من العدم. قال: فرضخوا لهما بما حضر، وقالوا: خير الناس من عذر فتناول الشيخ ميسورهم وقال: إني قد قبلت بركم بالجنان، لا بالبنان، وحق علي مدحكم بالقلب لا باللسان. ثم دنا فتدلى، وأنشد وهو قد ولى:
حلموا فما ساءت لهم شيم سمحوا، فما شحت لهم منن
سلموا، فلا زلت لهم قدمٌ رشدوا، فلا ضلت لهم سنن
[ ١٤٤ ]
قال: وكان في الموقف فتى شديد الخنزوانة قد انتصب كالأسطوانة. فلما أدبر الشيخ قال: إني لأعرف هذا الخبيث، وقد رابني ذكره القلب في الحديث. فاقلبوا البيتين، لعل بهما شيئًا من الشين. فابتدر رجل إلى قلبهما، بعد كتبهما، وإذا هو يقول بهما:
منن لهم شحت، فما سمحوا شيم لهم ساءت، فما حلموا
سنن لهم ضلت، فلا رشدوا قدم لهم زلت، فلا سلموا
فلما سمع القوم ذلك استشاطوا غضبًا وقالوا: من لنا برد هذا الرجيم فنجعله للناس أدبًا؟ أنا لها فإني أعلم بمهب ريحه ومدب طليحة. فأركبوه متن طمرة، وقالوا: هلا يا ابن الحرة! قال سهيل: وكنت عرفت سريرة تلك الصناعة، فانسللت في أثر الفتى من بين الجماعة. فما أدركته إلا على بريد، وإذا هو قد جلس بين الخزامي وابنته على ذلك الصعيد، فلما رآني وثب إلي وقال: لا يفل الحديد إلا الحديد. فاهتز الشيخ تيهًا، وأنشد بديهًا:
[ ١٤٥ ]
هذا غلامي لا تسل عن خيمة أن الشراك قد من أديمه
لما رأى الحي إلى زعيمه، قصر في الوفاء عن تعليمه
تلقف المهرة لا من شومه، لكن ليقضي الدين من غريمه
ثم قال يا أبا عبادة إن الله لم يختص برزقه، أحدًا من خلقه، فمن ظفر بشيء فقد أخذه بحقه. لكن أخاف أن القوم لا يأخذون بهذه الفتوى، فلننصرف قبل أن تحل بنا البلوى. ثم نهض إلى بعيره المعقول، وهو يقول:
أنا ابن أم الدهر يا ابن المنجبة رزقت بين الناس حظ الغلبة
بكل وادٍ أثرٌ من ثعلبة
[ ١٤٦ ]
قال سهيل: فسرت في صحبته على حذر، ولبثنا في اجتماعنا إلى أن فرقنا القدر.