قال سيهل بن عباد: حللت بالرملة لوطر أقضية، ودين أقتضيه. فأقمت بها شهرًا وكنت أحسبه دهرًا. حتى إذا بلغت اللدنة، خرجت تحت الدجنة. وكان الشهر قد وقع في الأنين، فاعتسفت بين الشك واليقين أتجانف تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين. وما زلت أخبط الظلماء، حتى أقمرت السماء.
[ ١١١ ]
فتبينت وجه الهدى وإذا أنا أمشي على مثل المدى، من حرار تلك الكدى. فوقفت كالحائر اللهف، لا نظر من أين تؤكل الكتف. وإذا ركب يضربون أكباد الإبل، وفي صدرهم شيخ ينشد بصوت زجل:
يا من يرى ما لا يرى ولا يرى ويعلم السر وأخفى في الورى
دعوتك اللهم إذا طال السرى ومالت الأعناق من خمر الكرى
يسر لنا رزقًا من العرش جرى أو فاهدنا لباب رزق يعترى
نعد إليه مثل عدو الشنفرى
[ ١١٢ ]
قال: فلما سمعت ذلك الدعاء خشيت أن يستجاب وأكون أنا ذلك الباب. فوقعت في حيص بيص. إذ لم أجد لي من محيص. ولم يكن إلا كنغبة طائر حتى حمل علي كالثائر. وقال: قد أنجح ربك الطلب، فخل عن السلب. حتى إذا كاد يدركني بسنانه، أخذت جارية بعنانه، وقالت: بتربة خزام دعه يمضي لشانه. فلما آنست ريا الخزام، تفرست فإذا ميمون وليلى والغلام. فاطمأن هنالك قلبي، وانفثأت لوعة كربي. ونزلنا جميعًا على تلك السلام، وتطارحنا السلام بالسلام. وقضينا ثميلة ليلنا البارح، إلى أن صدح الصادح، وسكت للنابح. فقال أنا نريد الرملة، فهل أنت في الجملة؟ قلت: إن العود مع مثلك أحمد، ولو إلى برقة ثهمد. وقمنا
[ ١١٣ ]
نسير الوحى، فدخلناها رائعة الضحى. وإذا أنا قد كنت أمشي مشية الرحى، ولما ألقينا العصا، أخذ الشيخ يتجهز لطرق الحصى. ثم قام بي يتفقد المعاهد، ويتعهد المشاهد. حتى انتهينا إلى مكتبة مكتظة بالطلبة فتخللنا المقام، وقلنا: سلامًا! قالوا: سلام. وكان بينهم شيخ قد لبس العمائم الثلاث فأشار إلى بعض أولئك الأحداث. وقال: هل تذكر الأبيات العواطل، أم ذهبت عنك بالباطل: فأنشد ولم يماطل:
ألحمد لله الصمد حال السرور والكمد
الله لا إله إلا الله مولاك الأحد
لا أم لله ولا والد لا ولا ولد
أول كل أول أصل الأصول والعمد
الواسع الآلاء وال آراء علمًا والمدد
الحول والطول له لا درع إلا ما سرد
[ ١١٤ ]
كل سواه هالك لا عددٌ ولا عدد
صاح ادع مولاك لما أوعد واسأل ما وعد
واصدع رداء اللهو وال مكر ودع سوء اللدد
واسل المدام والمها وارم المراء والحسد
وامح رسومًا ما لها حد ولا لها عدد
وسامح المرء سها لما رماك أم عمد
واردع هواك كارهًا ما ود واعكسي ما طرد
واعلم وعلم واطرح أحكام عاد وأدد
ودر مع الدهر كما دار ولو طال الأمد
وسر مع الرود ودع حر السموم والومد
[ ١١٥ ]
واعدد دواء الداء لل دهر وأكحال الرمد
واسل وراء ماطر لماطل ولو رعد
للمرء سهم مرسل وهمًا وكم سهم صرد
وكم وكم حلو له مر وكم وار صلد
هول الحمام طالع مطلع روع كالأسد
كأس لكل دورها والكل للكأس ورد
وكل عمر كالكلا والدهر للكل حصد
وكل رسم دارس وماهد وما مهد
ألله أهل الله، را ع كل عدل وأود
كل هواه عامل والله لكل رصد
فقال: أحسنت يا بجير، يا سلافة الدير. ثم نادى: عكرمة،
[ ١١٦ ]
هات أبياتك المعجمة. فبرز غلام أنقى من العاج، وأجمل من نصر بن حجاج. وأنشد:
بشجي يبيت في شجن فتن ينتشبن في فتن
شيق تيقٌ تجنب في نفق ضيق بقي ففني
شغف شفني بذي تقة نجب شن جيش ذي يزن
شيبة في شيبة خضبت بشقيق غضن ينض جني
[ ١١٧ ]
بين جني شقة خشنت في قضيض تبيتني خشن
قضت جفني بيقظة ثبتت غب بين فبت في غبن
بي شقيق يغيب غيبة ذي ضغن بين تجنبني
شيخ فن فتي شنشنة شب في بيت نخبة فبني
ينتقي زين جنة جنيت يتقي شين ضنة بغني
غيث فيض يفي فينبت في في قنن بغتةً بذي فنن
فقال: حياك الله يا بني، وأقر بك عيني. ثم نادى: يا صلمعة بن
[ ١١٨ ]
قلمعة، أين الأبيات الملمعة؟ فوثب يافع من الأنباط معتدل الشطاط. وأنشد:
أسمر كالرمح له عامل يغضي فيقضي نخب شيق
مسك لماه عاطر ساطعٌ في جنة تشفي شج ينشق
أكحل ما مارس كحلًا له جفن غضيض غنج ضيق
در دموع حوله كاسدٌ في جنب زيف بين ينفق
لا لعهود الود راع ولا في شجن ذي فتنة يشفق
ما مال إلا راع أحلامه خفة شنف خنث يخفق
[ ١١٩ ]
ولاح سطر الآس أكمامه بين شقيق غضة تفتق
فقال: عشت ونعشت، يا زهرة البنجكشت. ثم قال: قم يا أبا الهيفاء، وأنشد الأبيات الخيفاء. فقام فتى ميمون النقيبة، أنقى من مرآة الغريبة. وأنشد:
ظبية أدماء تفني الأملا خيبت كل شجيٍ سألا
لا تفي العهد فتشفيني ولا تنجز الوعد فتشفي العللا
غضة العود تثنت مرحًا بضة اللمس تجنت مللا
تقضي أحكام بغي طالما نفذت أحكامها بين الملا
بجبين كهلال فتنت كل ذي علم يزين العملا
في لماها بنت كرم تختشي سكر جفن حكمه نقض الولا
[ ١٢٠ ]
بين ورد شفة واردها يبتغي الماء فيجني العسلا
درر بيض لها في أحمرٍ في سوادٍ بين مسكٍ في طلا
فتنة صماء يثني وصلها فتنة الداء فتبغي حولا
شنفت سمع شجي كلما قبضت عودًا فغنت رملا
قال: عافاك وشفاك، ولا فض فاك. ثم نادى: يا أبا الشمطاء، علي بأبياتك الرقطاء. فوثب غلام من الخواص، كدرة الغواص. وأنشد:
ونديم بات عندي ليلة منه غليل
خاف من صنع جميل قلت: لي صبر جميل
قرة لي ميل قلب منك يا غصنًا يميل
سيدي رق لذلي سيدي عبد ذليل
[ ١٢١ ]
قلبه قد ذاب من وجدٍ به ظل يسيل
لذ لي حجر قديمٌ تحت هجر يستطيل
قاتلي وجه بديع زاجري عنه قليل
فلما استتم الإنشاد، وقف الشيخ بالمرصاد. وقال: أعيذكم بالله من أعين الإنس وأنفس الجان. فقد خرج من أفواهكم اللؤلؤ والمرجان. ولقد أباهي بكم كل من نطق بالضاد، حتى يقال أين العين من الصاد. قال سهيل: فلما انتهت الكنانة إلى الأهزع، ولم يبق في القوس منزع. وثب الشيخ ميمون، كأنه ريب المنون. وقال: ما بالك ذكرت اللجين وتركت اللجين. أين عاطل العاطل الذي لا نقطة في اسمه ولا مسماه كالدال دون العين؟
[ ١٢٢ ]
قال: هيهات ذلك مما يخال، ولا يقال، حتى يصاغ من الخاتم خلخال، فإن استطعته جعلناك حالي الحالي في الحال. فصوب الشيخ نظره وصعد، ثم اقعنسس وأنشد:
حول در حل ورد هل له للحر ورد
لحصور حلوٍ وصلٍ ورده للصحو طرد
وله صولٌ وطولٌ وله صد ورد
دهره حر صدورٍ هل له لله حد
قال: فلما اعتبر الجماعة سر تلك الصناعة، تكأكأوا عليه من الأمام والخلف، وقالوا رب واحد يعدل بألف. وإنا لنراك شاسع الوطن،
[ ١٢٣ ]
واسع الفطن. فخذ هذه النفقة عدًا، وإن شئت أن تقيم معنا أجرينا عليك ماء عدًا. قال: حبذا لولا دين أثقل حاذي وحال دون نفاذي. وهذا غريمي قد لصق بي كالقار، ولو هبطت إلى النار حتى أسعى له بمائة الدينار. قال: فنقدوني مائة ندرى، وقالوا: قد صادفت قدرًا، فاتخذ لوردك صدرًا. فشكر الشيخ ذلك الامتنان، وأنشد بصوت مرنان:
ساعدوني على جميل الثناء عن جميل أضاع حق الوفاء
وهبوني قلبًا يقوم أمامي فأنا قد تركت قلبي ورائي!
بشروا زوجتي وأمي وأختي وغلامي براحة وهناء!
فعلى الرملة ابتنيت عهودي وعلى الدرس قد عقدت ولائي
[ ١٢٤ ]
قال: فأعجب القوم بأبياته المخيلة، ولم يأبهوا لما فيها من الدخيلة. ثم ضرب الشيخ لهم موعدًا، وودعهم مرتعدًا، وخرج من بينهم وعدا. فلما بنا وأمنا. قال: يهنئك المغنم البارد، فرب ساع لقاعد. وإن الحسنات يذهبن السيئات فاغتفر ما فات. لكن اغرب إلى حيث لا مناقش، لئلا يفرط منك بادرة فتجني على أهلها براقش. وأنا غداة غد أخرج من المحيط، وأدع القوم ينتظرون حتى يرجع نشيط، ثم كبر واستغفر وأنشد حين أدبر:
[ ١٢٥ ]
رأيت الناس قد قاموا على زور وبهتان!
فلا يرعون ميثاقًا، ولا حرمة إحسان!
فإن راعيت إنسانًا فما أنت بإنسان
قال سهيل: فتركته وانطلقت من هناك ولم أدر ماذا فتك بعد ذاك.