[ ٣٢٤ ]
حدث سهيل بن عباد قال: نزلنا بشاطئ الفرات، في إحدى السفرات. فراقنا ما هناك من المياه الخصرة، والخمائل النضرة. ولبثنا أيامًا نتنقل في تلك المروج، كما تتنقل الكواكب في البروج، ونجتلي مفاكهة السمر، كما نجتني فاكهة الثمر. ونتوسد كل قضة أنقى من الفضة. ونرد كل سبيل أعذب من السلسبيل. حتى إذا أزفف الترحال، وشدت الرحال. قيل: قد فاح نشر الخزام، على الأنام. فنظرت وإذا شيخنا الميمون، والناس إليه بهيمون وعليه يحرمون. فنفرت إليه نفرة الريم، في ثنايا الصريم، وقلت: هذا الحجر الكريم، فكيف نريم؟ فنقضنا غزلنا أنكاثًا، وعدنا فأقمنا ثلاثًا. قال: وكان في الركب شيخ غضر الناصية، من عاربة البادية. فالتقى الشيخ بالشيخ، لما يلتقي سمهر
[ ٣٢٥ ]
بفريخ. وطفقا يتساقطان الحديث، ويتلاقطان الشتيت منه والأثيث. حتى ركبا متن اللغة، وأحاطًا به كالحلقة المفرغة. فتغافل الخزامي كأنه واسطي، حتى طمع ذلك الشيخ الناعطي. فألقى إليه شيئًا من المسائل الدقاق، وتمادى المراء بينهما حتى أفضى إلى الشقاق. فاهتز أبو ليلى كالخليع الماجن، وقال: قبل الرماء تملأ الكنائن. إن كنت من ذوي الحصافة الضابطة، فما عندك من الألفاظ التي تنتابها الظاء القائمة والضاد الساقطة؟ فأطرق برأسه مليًا وأمعن النظر جليًا. ثم قال: أرك قد أبعدت الخطط وركبت الشطط.
[ ٣٢٦ ]
فإن كنت ممن يبرز المعصم، لالتماس الغراب الأعصم، فأفض علينا من روائك ونحن تحت لوائك. فلم يكن إلا كر ولا، حتى أنشد مرتجلًا:
يدعى نقيض البطن باسم الظهر وذروةٌ من جبلٍ بالضهر
والقيظ في الصيف بمعنى حره والقيض في البيض لبادي قشره
والغيظ والغيض وقل فاظ إذا مات، وهذا الماء قد فاض كذا
ظن وضن باخل والحنظل للنبت والظل المديد حنضل
والظب للهاذر ثم الضب والظرب نبت عندهم والضرب
وقيل للروض الأثيث معظل وهكذا الأمر عليهم معضل
وجاض عنه حائدًا حين ضلع وجاظ في المشي اختيالًا وظلع
والحمض والحمظ لعصر الرطب والمظ للوم ومض الخطب
وقارظ على جنى الصبغ عظب ملازمًا وقارض له عضب
[ ٣٢٧ ]
وأبرق الظرير والضرير وهكذا النظير والنضير
وقيل زيد في القتال ظجًا مستنجدًا وفي سواه ضجا
وللآلي في السموط نظم وقيل للبر الخصيب نضم
والفض والفظ وقيل ضلمه للسهر الطويل تحت الظلمه
والظعف للنبت وضعف العظم ومقبض القوس دعي بالعضم
والبيظ بيض النمل والحظيره للشاء والناس لهم حضيرة
كذا الوظيف ووضيف الوقف ظل وضل عن سبيل العرف
وعظة الحرب وعضة الأسد والحظ والحض وحسبي ما ورد
قال: فلما فرغ من ارتجازه وجلا بدائع إعجازه، في سرده وإيجازه. أعجب القوم بسحر بيانه، وعقد بنانه. وقالوا: مثلك من تلقى إليه المقاليد، وتجفخ به المواليد. فشمخ بأنفه من التيه،
[ ٣٢٨ ]
وأنشد بغير تمويه:
أنا ابن الخزام أنا ابن الرزام أنا ابن اللزام غداة النزال
حديد الشواظ مديد اللحاظ شديد الحفاظ سديد المقال
ولكن تجنى علي الزمان بنقض الذمام ونكث الحبال
وأغرى بنيه بشد الرحال وعد الرخال وصد الرجال
وأخنى علي بإمحال حالي وإخمال مالي وبلبال بالي
فرحت أسيفًا ضعيفًا نحيفًا قضيفًا سخيفًا حليف السؤال
على أنني قد تقلدت صبرًا بديع الجمال كصبر الجمال
فلست أبالي بزج الإلال وسلب اللآلي وكيد الليالي
قال: فأوى له من حضر، وحباه كل منهم بقدر. وتقدم إليه ذلك الشيخ الدهري بنجيب مهري. وقال: لا جرم أن الشيخ من تقدم
[ ٣٢٩ ]
جهده، لا من تقادم عهده. وبتنا تلك الليلة نتفكه بأنفاسه، ونتنزه بصهباء كأسه. حتى إذا غمضت الجفون عن الشفون. أدلج على ذلك النجيب، وترك القوم عليه ألهف من قضيب.