قال سهيل بن عباد: لقيت الخزامي في حماة فانضويت إلى حماه، ولبثت نتسم رياه، وأترشف حمياه. وهو يطوف بي على الرياض والغياض ويرد المعين والحياض. ويتفقد الأجارع النضرة، والخمائل الغضرة. حتى دخلنا إلى حديقة
[ ٣٥٥ ]
بهيجة أنيقة. والدواليب حولها تحن حنين الناقة الرؤوم، وتئن أنين المدنف السؤوم. فجعلنا نتخير الأفياء، حتى انتهينا إلى ظلال لمياء. فجلسنا وقد أطاعنا العاصي، وتسخرت لنا مياهه من الأقاصي. وأخذنا نجتني الثمار الذوابل من الأفنان السوابل، وقد رقص البلبل على نغمات البلابل. وإذا قوم من كرام الوجود سيماهم في ناضرة، إلى ربها ناظرة. وهم يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لما تقدم وما تأخر من ذنبهم. فلما رآهم الشيخ قال: أعوذ برب الناس، وجعل يضرب أخماسًا لأسداس! ثم قال: يا بني كنت قد عزمت أن أنتبذ مكانًا قصيًا، ولا أكلم اليوم إنسيًا. ولكن ما كل رامي غرض يصيب، وكل وافد له نصيب. فلم يكن إلا كتلاوة أم القرآن،
[ ٣٥٦ ]
حتى تقدم القوم يخطرون كالمران. ولما كانوا منا بمسمع، جلسوا على رصيف من اليرمع. وأخذوا يتداولون الأحاديث المسندة، ويتناشدون الأشعار العربية والمولدة. فقال الشيخ: التجلد، ولا التبلد. ثم أقبل علي كأنما أنشط من عقال وخلل عذاريه وقال: يا بني إنني خضت القفار، وكشفت الأسرار. وشاهدت بين الإدبار والإقبال، في السهول والجبال، ما لم يخطر لبشر ببال. فكم رأيت إبرة تطلب، وخيطًا يهرب. وثعلبًا في جبة، وأرنبة في قبة. وغزالة في السماء وجمرة في الماء. وكوكبًا في مقلة، وشهابًا في حقله. وهلالًا في راحة ونجمًا في ساحة. وقومًا يحبسون الناصح،
[ ٣٥٧ ]
ويكرهون المصافح. ويحتنبون الخاشع ويمتهنون الضارع. ويركبون الشكور ويدوسون الجمهور. ويرون قطع ساق العبد، ألذ من قطف الورد. ويعتقدون أن الكافر هو الظافر. واللعين، نعم الأمين. وأن أكل الأحرار، من شيم الأبرار، وقرة العين لمن علاه الدين. فثق بما أعتمده، وصحح هذا الرأي واعتقده. واستقم ولا تتبع سبيل الذين لا يعلمون، فإن الله إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون. قال: فلما سمع القوم كلامه رأوا فيه لغوًا ولحنًا، فعابوه لفظًا ومعنى. وقالوا: إن هذا شاعر به جنة،
[ ٣٥٨ ]
فاجعلوا قلوبكم في أكنة. فثار الشيخ كأنه ليث عفرين، وقال: إني أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. من أنتم يا سلالة الأنبياء، وثمالة الأولياء. وما بالكم تحكمون بما لا تعلمون وتنكرون من حيث لا تفكرون. أتعلمون اليتيم البكاء والنديم الغناء؟ أم تحسبون أنكم تحسنون صنعًا، إذا تحككت عقربكم بالأفعى؟ لقد غركم بالله الغرور، والله لا يحب كل مختال فخور. فليحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وستعلمون غدًا من الكذاب الذي يراغ عليه ضربًا باليمين. فلما رأى القوم ما رأوا من ازدهائه، شعروا بدهائه. وقالوا: لعل له عذرًا وأنت تلوم، فلينظر المولى بعلمه الذي فيه حق معلوم، للسائل والمحروم. فلما آنس منهم لين الشرة لاحت على أساريره المسرة. وقال: إذا تلاحت الخصوم، تسافهت الحلوم. ثم أفاض
[ ٣٥٩ ]
في نقض ما أبرم، وفاض كالسيل العرموم وهو يحرق الأرم. فانقادوا أذل من النقد، وقالوا: نعوذ بالله من شر النفاثات في العقد. ثم قالوا: إنا لنراك غزير السيل، لكنك قصير الذيل يسير النيل. فخذ هذه النفقة، على سبيل الصداقة لا الصدقة. وقد انتهينا عن الصلف، إلى الكلف، فاغفر لنا ما قد سلف. فأبدى الثناء الجميل وأسدى الشكر الجزيل. وانقلب مفتخرًا بما فاز، ومغتبطًا بما حاز. قال: فلما أتينا المدينة انحدر عن المطا، ودخل بي إلى مثل أفحوص القطا. فبت معه ليلة أشهى من عصر الصبا. حتى إذا أصبحنا ثار بين النفير، كالعنقفير، وأخذ في التشمير، للمسير. وقال: إني منصرف إلى بلدة أخرى، فإن شئت أن تؤوب إلى أهلك فهو الأحرى. فودعته وداع الهائم المشتاق، وسرت وأنا أحدو بذكره النياق.
[ ٣٦٠ ]