حكى سهيل بن عباد قال: كان لي زوجة صناع اليدين، كريمة النبعتين. فحسدتني عليها المنون، وخانني فيها الدهر الخؤون. فلبثت بعدها طويلًا، أردد زفرة وعويلًا، وأنوح بكرة وأصيلًا. حتى حال عليها الحول. وآلت الفريضة إلى العول. فناجتني الحوباء، أن أستبدل ما طالب لي من النساء. ولما لم أجد في الحي، من تروق بعيني. أزمعت الاغتراب، وبكرت بكور الغراب.
[ ١٠١ ]
فهملجت سحابة النهار، على هملعة عبر اسفار. حتى إذا جنح الظلام رفرف، نزلت بقاع صفصف، في خلال نفنف. فبينما ألقيت وسادي، وتلقيت مائي وزادي. سمعت غطيطًا كأطيط البعير، وزفرات تتصاعد كالزفير. فجنحت عن القمر، إلى السمر وأخذت لنفسي الجذر. ولبثت أتنكب الغمض، وأقلب طرفي بين السماء والأرض. وإذا جارية قد تنهدت، ثم أنشدت:
هل من سبيل لي إلى العتاق من رق ظلم أو إلى الإباق
ما زلت من ذلك في وثاق تكاد روحى تبلغ التراقي
أطوي على الطوى من الإملاق حتى إذا امتدت دجى الأغساق
أضوى إلى شيخ جو خفاق واهي القوى منهتك الصفاق
[ ١٠٢ ]
ذي الحية أثيثة الأعراق تضربها الرياح في الافاق
تلبدت طاقًا وراء طاق كأن فيها مربض النياق
منها دنار الليل حتى الساق وظلة النهار كالرواق
يجري عليها رمض الآماق ووضر المخاط والبصاق
حتى ترد المشط بالإزلاق فهل كريم النفس والأخلاق
يحتال لي بفرجة الطلاق وهبته ما لي من الصداق
وزدته ثوبي إلى النطاق
قال سهيل: فافتتنت بفصاحتها، ولم ألتفت إلى قيد ملاحتها. وقلت: لا جرم أنه قد خازمني التوفيق، من معاجيل الطريق. فأنشدت:
الحمد لله وبالله الثقة قد صادق الكحل سواد الحدقة
واهًا لهذي الطرفة المتفقة إن لم نقل وافق شن طبقة
فإننا أحمق من هبنقة
[ ١٠٣ ]
قال: وإذا بالشيخ قد استوى، وقال: ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى. ثم أنشد يقول:
قد علم الله الذي له البقا لو ترك الدهر لكفي رمقًا
[ ١٠٤ ]
لم تبق إلا ريث أن تطلقا ولم تجد عندي فؤادًا شيقًا
ولا ذكرت جيدها المطوقا ولا جبينها النقي اليققا
ولا سواد عينها ذات الرقى ولا محياها الجميل الطلقا
ولا حديثها وذاك المنطقا لكن لها علي مهر سبقا
ومهر أخرى بعدها قد لحقا فإنما الإنسان زوجًا خلقًا
فإن أر المهرين عندي غسقا طلقتها والصبح لم ينبثقا
لا عيش للزوجين لم يتفقا ومن تراه معرضًا قد وثقا
بالهجر فاهجره إلى يوم اللقا
قال: فاستفزتني أبيات الشيخ فرحًا، حتى كدت أصفق مرحًا. ولم
[ ١٠٥ ]
أتمالك أن دلفت إليه دلفة من تيمن، وقلت: حيا الله الشيخ فمن أنت وممن؟ قال: أنا المبارك بن ريحان، من بطون قحطان. وإني لأرى الفتاة قد شغفتك حبًا، وخلبت منك لبًا. فإن كنت تملك النقدين، فابذل اللجين، واغتنم قرة العين. قال: فهل علي الوجد بذل الجدة، ونفحته بما معي حتى أفعم ردنه ويده. فأشهد عليه الله والملائكة المقربين وقال لي: بالرفاء والبنين! فلما طرحت النقد، واستبحت العقد، أردت أن أتحول بأهلي، إلى رحلي. فقال: حاشا لك أن تتركني الليلة سمير الفرقدين، ولكن غدًا تذهب أنت بالعروس وأنا بخفي حنين. فبت عنده بليلة
[ ١٠٦ ]
الملسوع، وعيني لا يأخذها الهجوع، حتى آذن الصبح بالطلوع. فتبينت وإذا الفتاة ليلى الخزامية والشيخ أبوها ميمون، فقلت أنا لله وأنا إليه راجعون. ما أرى بعل هذه الصبية، إلا كعكاش بعل طمية. فاستغرب الشيخ في الضحك، ثم أنشد غير مرتبك:
سلامًا يا ابن عباد سلامًا أكهلًا قمت فينا أم غلامًا؟
أريتك إن ملكت طلاق ليلى فهل عقد ملكت به الزماما؟
عروس ليس تخلو من خداع، وقد لا تعدم الحسناء ذاما
فطلقها، كما طلقت، واعلم لقد جعلت على كل حرامًا
[ ١٠٧ ]
عرفت وقائعي في كل أرضٍ ولكن لست تعرفها تمامًا
ولست ترى سقامًا في مريضٍ فتعرفه كمن ذاق السقاما
رزأتك يا أعز الناس عندي لشدة فاقة برث العظاما
ورب كريمة أكلت بنيها إذا جاءت، ولم تجد الطعامًا!
قال: فقلت له شهد الله أنك لأمكر أهل الخافقين، وأقدرهم على الزين والشين. قال: يا بني إن الخلة، تدعو إلى السلة. والصدق خمر مزاجها الكذب، والجد ثوب طرازه اللعب. ورب طرفة، خير من تحفة. فإن كنت قد ظمئت إلى الضحل، ونسيت أن لا بد دون الشهد من إبر النحل. فهب المال عندي كإحدى القرض، ريثما أرزأ من أستنض لك منه العوض. قلت: قد علم من عنده
[ ١٠٨ ]
علم الغيب أن هذه الطرفة عندي خير نخل هجر وعرائض الحصيب. فاعتنقني كمن تملق، وقال: كلانا أفلس من ابن المذلق، فمن أحرز المال فعليه الإنفاق يعلق. قلت: أنا والمال في يديك، وكلانا لك وإليك. قال: حياك الله فسنستبدل الجمر بالتمر، ولكن اليوم خمر، وغدًا أمر. فقضيناه يومًا صفا زلاله، وغاب عذاله. إلى أن آذنت الشمس بالأفول، وهم النجم بالقفول. فجلسنا على الطعام معًا ثم أخذ كل منا مضجعًا. وطفق الشيخ يطرفنا من القصص، بما يسيغ الغصص. وما زال كذلك مذ أطبقت الجونة على الصمير، حتى أقبل فحمة بن جمير. فران على جفني الكرى، حتى سقطت
[ ١٠٩ ]
على الثرى محلول العرى، لا أسمع ولا أرى. فلم أنتبه إلا وقد ذر قرن الغزالة الضاحي ولا رجل ولا امرأة في تلك الضواحي. فاستعذت بالله من مكره ونكره، وثرت إلى الناقة لأرتحل في إثره. فلما دنوت من قتبها، إذا رقعة قد كتب بها:
قل لسهيل إذ يهب في السحر: إعذر فخير الناس عندي من عذر!
خلقت مطبوعًا على كيد البشر وليس للإنسان تغيير الفطر
ولا يعاند القضاء والقدر إلا الذي عصى الإله أو كفر
وإن تجد سيئة في ما ندر فكم وكم حسنة في ما عبر!
وإن يكن غرك منها ما ظهر فتلك لا علم لها ولا خبر
إلا الذي علمتها في ما استتر فإن ترد صاحب هذه الغرر
فخذ أباها! إنه أم العبر والمهر من أمس إليه قد حضر
جريًا على المفروض من حظ الذكر
[ ١١٠ ]
فلما قرأت تلك الرقعة، عجبت من تلك الرقاعة، وعلمت أنه لا يحول عن هذه الصنعة ولا يترك هذه الصناعة. فشكرت نعمته إذ لم يأخذ الناقة، ورجعت أدراجي لما اعترض دون سفري من الفاقة.