قال سهيل بن عبادٍ: دخلت بلاد قحطان بين شيبان وملحان. فأصابتنا ديمة مدرار، ألزمتنا الوجار من أوهد إلى شيار. فلما أقلعت السماء، وغيض الماء. خرجنا نتضحى في
[ ٢٦٩ ]
تلك الضواحي، وتنفكه بابتسام ثغور الأقاحي. وما زلنا نمرح بين الجد والددن، حتى انتهينا إلى أكناف عدن. وإذا قومٌ قيام، حول شيخ وغلام. والشيخ قد وقف على مويهة، في رديهة وأطرق برأسه بريهة. ثم قال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، ورفع بعض خلقه درجات فوق بعض. أما بعد يا عشائر اليمن، وبشائر الزمن. فإنكم جرثومة العرب وأرومة النسب. وأسد الدحال، ومحط الرحال. ومعدن العربية والكتابة، والشعر والخطابة. ولكم
[ ٢٧٠ ]
المشارف المعهودة والمحاجر المشهودة والمخاليف المذكورة والمحاريب المشهورة. ومنكم سدنة المقام، وحماة الكعبة الحرام. وعليكم مدار العزائم، وإليكم محار العظائم. فإنكم أهدى في الخطى، من القطا. وأثبت على السروج، من البروج. وأمضي في المآزم، من اللهاذم. وأصبر على السوافي من ثالثة الأثافي. وإذا ذكرت المفاخر، بين الأوائل والأواخر. فلكم الرتبة الأولى، واليد الطولى. وإذا حل بساحتكم النزيل، فقد ورد ماء النيل. وإذا استجار بكم المرهق، من العدو الأزرق فقد تمرد ماردٌ وعز الأبلق. وإني شيخٌ قد
[ ٢٧١ ]
أداني القنوت والتبلغ بالقوت، إلى أن صرت أوهن من بيت العنكبوت، وأوحش من برهوت، في حضرموت. فتركت وطني القديم، وهجرت السمير والنديم، وهمت على وجهي ابتغاء وجه الله الكريم. وقد اشتريت هذا الغرانق الوضاء، بألف من الرقة البيضاء. فنقدت شطرها، واستأنيت غبرها. فلم يستطع الغريم صبرًا، وارتهن الناقة جبرًا. فخرجت بالغلام أسعى حتى أفضيت إلى هذه البقعة الوسعى. وهو غلامٌ فاره، أرى منه جنة لم تحف بالمكاره. فإنه ثقف لقف فوق ما أصف. وهو أشعر من نصيب، وأحكم من أبي الطيب.
[ ٢٧٢ ]
وأحضر من تأبط، وأسرى من ربيعة بن الأضبط. ثم أشار إلى الغلام وقال: يا بني هات ما نظمت اليوم، في مديح القوم. فوثب كالقضاء المنزل وأنشد بنغمة أطرب من عود زلزل:
قل للذي يشكو تصاريف الزمن: هلم فورًا نحو أحياء اليمن
[ ٢٧٣ ]
ترى بها من الفروض والسنن نحر العبيطات وتوزيع المنن
والغارة الشعواء تستقصي الدمن وليس تبقي هامةً على بدن
وتلتقي جنة عدنٍ في عدن وقصر غمدان الشبيه بحضن
وأثر الملوك بين ذي يزن ومن يلي من قومه كذي يمن
وقد أتينا القوم من أقصى وطن نرجو فكاك الرهن أو دفع الثمن
إن لم يكونوا أهل ما نرجو فمن؟
قال: وكان بين القوم زعيمٌ صلت الجبين، كأنه أحد الذوين.
[ ٢٧٤ ]
فقال: شهد الله أنك أدهى من جن عبقر، وأسحر من كهان حيد حور. فخذ هذه الناقة الوجناء جائزة الثناء. وسيأتي مولاك حوط المال، فتظفران بحسن المآل. ثم انهال على الشيخ الحباء وانسكب، حتى امتلأ دلوه إلى عقد الكرب. ولما قضى الوطر، ودع النفر، وأنشد على الأثر:
من أيمن الحق أن اليمن في اليمن أعطى يميني يمين المال واليمن
قد كنت قبلًا لكم عبدًا بلا ثمن واليوم قد صرت عبد العبد بالثمن
قال سهيل: فخلع الزعيم عليه إحدى بردتيه، وانصرف والغلام بين يديه. وكنت قد عرفت الشيخ والغلام إنهما رجب وابن الخزام. فسعيت من ورائهما، بعد انبرائهما. حتى أدركت الشيخ وهو قد تثبج بعصاه وأخذ يداعب فتاه. فقلت:
[ ٢٧٥ ]
إلى كم يا أبا ليلى تجرد للوغى خيلا؟
لقد سودت وجه الشي ب فانقلب الضحى ليلا
فنظر إلي بعين الأشوص، وأنشد بلسان الأشمص:
إلى كم يا ابن عبادٍ تجازف عندنا كيلا؟
إذا لم تقتبس أدبًا فشمر للنوى ذيلا
ثم قال: يا أبا عبادة إن الناس قد أنكروا الذمم، ونبذوا الوفاء والكرم، حتى صاروا لحمًا على وضم. فمتى لم نقض التلنة، أخذتنا اللتنة. والآن فلنقطع هذا الطريق الطامس، قبل أن يدركنا الليل الدامس لئلا نقع في هند الأحامس. وإذا وصلنا رفعت لك المنبر، وأقمتك مقام الخطيب الأكبر. قال: فأوجمني الخجل، وسايرته على عجل. حتى انتهينا إلى دار القرار عند سلخ النهار. فبتنا ليلتنا
[ ٢٧٦ ]
نتداول الحديث، ونتناول الطيب منه والخبيث. حتى إذا انتهك حجاب الظلام، لم أره ولا الغلام.