[ ٢٠٧ ]
قال سهيل بن عباد: ألقتني الرواحل إلى بعض السواحل. وكان عودي يومئذ رطيبًا وفودي غربيبًا. فطفت المعالم والمجاهل ووردت الحياض والمناهل. وشهدت المحاشد وافتقدت المشاهد. حتى إذا كنت بمجلس بعض الأمراء، وقد حفت به العلماء والشعراء. دخل شيخ عريض اللثام، قد أخذ بتلبيب غلام. وقال: أعز الله الأمير إني ربيت هذا الغلام مذ دب، إلى أن شب. واتخذته لي عمدة وعدة، في كل رخاء وشدة. واستأمنته في كل ملمة على كل مهمة. فلما كان بعض الأيام المواضي أرسلته بتقريظ إلى القاضي. فاستبدل القوافي، وحول ما في الأبيات من المديح الصافي، إلى الهجاء الجافي. فحكم القاضى علي بالحيس، وقال. المال فداء النفس، فخرجت لا درهم معي ولا فلس. فمر الغلام أن يعطيني حق الجناية علي، ويعوضني ما فقد على يده من يدي. فقال الأمير: وماذا كتبت من الأبيات وكيف بدل الحسنات بالسيئات؟ قال: أما المديح المكتوب، فعلى هذا الأسلوب:
[ ٢٠٨ ]
أرى القاضي أبا حسنٍ إذا استقضيته عدلا
وإن جاءته مسألة لطالب رفده بذلا
إمام لا نظير له نراه بيننا جبلا
قد اشتهرت خلائقه فأصبح في الورى مثلا
وأما التبديل الذي طرا، فكما ترى:
أرى القاضي أبا حسنٍ إذا استقضيته ظلما
وإن جاءته مسألة لطالب رفده لؤما
إمام لا نظير له نراه بيننا صنما
قد اشتهرت خلائقه فأصبح في الورى عدما
فقال الأمير للغلام: أف لك يا عقق، يا ابن شارب الفلق أتجزي جزاء سنمار، ولا تخاف من العار؟ قال: يا مولاي إني غلام غر، لا أعرف الهر، من البر. غير أن هذا الشيخ قد استخدمني
[ ٢٠٩ ]
بضع سنين، وهو يطعمني ولا يسقين. فلما أتيت القاضي بكتابه، شكوته إلى بعض حجابه. فقال: لا ظالم إلا سيبلى بأظلم وأخذ الأبيات فحرفها والله أعلم. فإن شئت فمر بسجني لعلي أملأ بطني. فقال الشيخ: بل فاسجننًا جميعًا، فإني أشد منه جوعًا. وكان بينهما قناة كصدر القناة. فقال: يا مولاي أرى أن تدفع إليهما، ما ستنفقه في السجن عليهما، واغتنم الراحة من كليهما. قال: لا جرم أن ذلك أجزم، وحصب كل واحدٍ منها بمائة درهم، قال سهيلٌ: وكنت قد استروحت ريح الخزام، وعرفت الشيخ والفتاة والغلام. فلما انصرفوا خرجت على الأثر، وإذا الشيخ ينشد على حذر:
هذا أبو ليلى وهذه ليلاه يحوم في طلاب رزق مولاه
كطائرٍ وأنتما جناحاه
فزلفت مبتدرًا إليه وقبلت مفرقة ويديه. وقلت: يا مولاي ألم يئن لك أن تسلك الجدد، وتترك اللدد؟ فحملق إلي كالغول،
[ ٢١٠ ]
وأنشد يقول:
للناس طبع البخل، وهو يقودني كرهًا لخلق عضيهةٍ ونفاق
فدع الجماعة يتركون طباعهم حتى تراني تاركًا أخلاقي
ثم قال: يا بني ذاك المسجد إن كنت خطيبًا وإلا فلا تداو طبيبًا. واعلم أن الصيد لا يؤخذ إلا بالختل، ولا يدرك إلا بالنبل. والفرصة لا تضاع، والمتعنت لا يطاع. فراع المصادر والموارد، وكن ماردًا على كل مارد ودع الناس يضربون في حديد بارد. قال سهيلٌ: فأمسكت من مرائه وسرت من ورائه، وأنا أعجب من سفاهة رائه.