قال سهيل بن عباد: لقيت أبا ليلى في المسجد الأقصى، بين جمهور لا يحصى. والناس قد تألبوا عليه كالأجربين، وأحاطوا به كالأخشبين. وهو يخاطبهم بالوعظ والإنذار، ويحذرهم عذاب النار وسوء عقبى الدار. حتى صارت مدامعهم تصوب، وكادت أكبادهم تذوب. فلما رآني تحز وهو قد استوفز. فانقضضت إليه كالأجدل، وسقطت عليه كالجندل. فحياني تحية الأحبة، ثم استأنف الخطبة، فقال: الحمد لله الذي جعل حرمه أمنًا للعباد ومقامًا للعباد. وهو الذي خلق فسوى وقدر فهدى، وأضحك وأبكى، وأمات وأحيي. والذي جعل الأرض مهادًا، والجبال أوتادًا
[ ٤٢٠ ]
وبنى فوقكم سبعًا شدادًا. والذي مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لم يبغيان وهو كل يوم في شأن. لا إله إلا هو الفرد الصمد الذي لا يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد. سبحانه وريحانه ما أعظم قدرته وشأنه، وأوسع منته وإحسانه. أما بعد فإنني قد قمت فيكم مقام الفقيه الخاطب، وهي صفقة لم يشهدها حاطب. فإني طالما ارتكبت الأوزار، وتبطنت الأقذار. واجترحت المغارم، واستبحت المحارم. وانتهكت الأعراض فسودت منها كل بياض. وما زال ذلك دأبي مذ شببت، إلى أن دببت. فليس لي أن أعظ أحدًا ولا أفوه بخطبه أبدًا. وعلي أن أقصر درسي على وعظ نفسي. وها أنا قد اعتمدت الأوبة، واعتصمت بالتوبة. فادعو الله لي أن يأخذني بحلمه، ولا يحكمه. ويعاملني بفضله لا بعدله. ثم أخذ في الأجبج والضجيج، وجعل يراوح بين
[ ٤٢١ ]
النحيب والنشيج. حتى أبكى من حضر، من البدو والحضر. فأخذ القوم في تسكين ارتعاشه، وتمكين انتعاشه. حتى خمدت لوعته وهمدت روعته. فحباه كل واحد بدينار، وقال: أدع ربك لي واستغفره بالأسحار. قال إني قد تجردت عن عرض الدنيا، إلى الغاية القصيا، فلا أقبل منه مثقال ذرة ما دمت أحيي. ثم نهض بي مكبرًا، وولى مدبرًا. فبات بليل أنقد يساهر الفرقد. وهو لا يفتر من ذكر الله، ولا يمل من الصلوة حتى إذا أخذت الدراري في الأفول، قام على مرقبة وأنشأ يقول:
قم في الدجى يا أيها المتعبد حتى متى فوق الأسرة ترقد
قم وادع مولاك الذي خلق الدجى والصبح وامض فقد دعاك المسجد
واستغفر الله العظيم بذلة واطلب رضاه فإنه لا يحقد
واندم على ما فات واندب ما مضى بالأمس واذكر ما يجيء به الغد
واضرع وقل يا رب عفوك إنني من دون عفوك ليس لي ما يعضد
أسفًا على عمري الذي ضيعته تحت الذنوب وأنت فوقي ترصد
يا رب لم أحسب مرارة مصدر عن زلة قد طاب منها المورد
يا رب قد ثقلت علي كبائر بإزاء عيني لم تزل تتردد
[ ٤٢٢ ]
يا رب إن أبعدت عنك فإن لي طمعًا برحمتك التي لا تبعد
يا رب قد عبث البياض بلمتي لكن وجهي بالمعاصي أسود
يا رب قد ضاع الزمان وليس لي في طاعة أو ترك معصية يد
يا رب مالي غير لطفك ملجأ ولعلني عن بابه لا أطرد
يا رب هب لي توبة أقضي بها دينًا علي به جلالك يشهد
أنت الخبير يحال عبدك إنه بسلاسل الوزر الثقيل مقيد
أنت المجيب لكل داع يلتجي أنت المجير لكل من يستنجد
من أي بحر غير بحرك نستقي ولأي باب غير بابك نقصد
قال سهيل: فلما فرغ من أبياته غاص في التهليل والتحميد، والترتيل والتجويد، حتى تهات من وجده وكاد يغيب عن رشده. عجبت من استحالة حاله وأيقنت بحووله عن محاله. ولبث عنده شهرًا، أجتني من روضه زهرًا، وأجتلي من أفقه زهرًا. إلى أن حم الفراق، وقال ناعبه غاق: فاعتنقني مودعًا، ثم سايرني مشيعًا. وقال: موعدنا دار البقاء، فكان ذلك آخر عهدنا باللقاء.
[ ٤٢٣ ]
قال مؤلفه الفقير:
هذا آخر ما علقته من الأحاديث الملفقة كما فتحت علي القريحة المغلقة. وأنا ألتمس ممن سلمت بصيرته وطابت سريرته. أن يغض الطرف عما يرى من الإخلال والإجحاف، وأن ينظر إلي بعين الحلم والإنصاف. فإني قد تلقيت هذه الصناعة من باب التطفل والهجوم، إذ لم أقف على أستاذ قط في علم من العلوم. وإنما تلقفت ما تلقفته بجهد المطالعة وأدركت ما أدركته بتكرار المراجعة. فإن أصبت فرمية من غير رام وإن أخطأت فلي معذرة عند الكرام. والله المسؤول أن يحسن خواتمنا اللاحقة، كما أحسن فواتحنا السابقة. إنه ولي الإجابة، وإليه الإنابة، والحمد لله أولًا وآخرًا.
وكان الفراغ من تبييضه في شهر نيسان سنة ألف وثماني مائة وخمس وخمسين للمسيح.
[ ٤٢٤ ]