قال بعض الحكماء: ما استشرت أحدا قط إلا تكبّر عليّ وتصاغرت «١» له ودخلته العزّة وأدركتني الذلّة. وإيّاك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب.
وكانت الفرس والروم مختلفين في الإستشارة.
فقالت الروم: نحن لا نملك من يحتاج أن يستشير، وقالت الفرس نحن لا نملك من يستغني عن المشاورة وفضل الفرس لقوله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
«٢» وما زال المنصور يستشير أهل بيته حتى مدحه ابن هرمة بقوله:
يزرن امرأ لا يصلح القوم أمره ولا ينتحي الأدنين فيما يحاول
فاستوى جالسا وقال: أصبت والله. فما استشار بعد ذلك.
وقال بعض جلساء هارون «٣»: أنا قتلت جعفر بن يحيى، وذلك أني رأيت الرشيد يوما وقد تنفس تنفسا، مفكرا فانشدت في أثره:
واستبدّت مرّة واحدة إنما العاجز من لا يستبدّ «٤»
فاصغى إليه واستعاده «٥»، فقتل جعفرا بعد عن لبث.
وقال المهلّب: لو لم يكن في الاستبداد بالرأي إلا صون السر، وتوفير العقل لوجب التمسك بفضله.