وقال كعب بن سعد الغنوي، يرثي أخاه:
تقولُ سليمَى ما لجسمكَ شاحبا كأنكَ يحميكَ الطعامَ طبيبُ
فقلتُ ولم أعْيَ الجوابَ ولم ألحْ وللدهرِ في صمِّ السلامِ نصيبُ
يقال: ألاحَ من الشيء: إذا أشفق منه. قال عبد الله ابن عتبة بن مسعود:
لعمرِي لئن شطتْ بعثمةَ دارها لقد كنتُ من وشكِ الفراقِ أليحُ
أروحُ بهم ثم أغدو بمثلهِ ويحسبُ أني في الثياب صحيحُ
والسلامُ: الحجارة، واحدها سلمة.
تتابعُ أحداثٌ تخر منَ إخوتي وشيبنَ رأسي والخطوبُ تشيبُ
يقال: تخر منه المنون: إذا ذهبتْ به.
لعمري لئن كانتْ أصابتْ منيةٌ أخِي، والمنايا للرجالِ شعوبُ
شعوب: اسم من أسماءِ المنية. يقال شعبتهم شعوب: فرقتهم. وشعوب في الأصل: نعتٌ، ثم سمي به. وهو في البيت نكرة.
لقد عجمت مني المنيةُ ماجدًا عروفًا لريبِ الدهرِ حينَ يريبُ
عجمتْ: عضتْ. عجمتُ العودَ أعجمه. ويقال: رابني يريبني ريبًا، وهو الأكثر. وبعضهم يقول: أرابني إرابةً، وينشد قول الهذلي:
كأنما أربتهُ بريبِ
فتى الحربِ إنْ حاربتَ كانَ سمامَها وفي السلمِ مفضالُ اليدينِ وهوبُ
السمام: جمع سم، وإن كان قولهم سموم أكثر على ألسنة الناس. وهذا مما اتفق فيه فعول وفعال.
جموعٌ خلالَ الخيرِ من كلِّ جانب إذا جاَء جياءٌ بهنَّ ذهوبُ
فعول وفعال يأتيان للمبالغة، كقولك: ضروبٌ وضراب. وحدث محمد بن زيد عن أبي محلم قال: أنشدتُ يونس أبياتًا من رجزٍ فكتبهنَّ على ذراعه ثم قال لي: إنك لجياءٌ بالخير.
فتًى لا يبالي أن يكونَ بجسمهِ إذا نال خلاتِ الكرامِ شحوبُ
[ ١ / ٢٥ ]
فلو كان ميتٌ يفتدى لفديته بما لم تكنْ عنه النفوسُ تطيبُ
فإنْ تكنِ الأيامُ أحسنَّ مرةً إليَّ فقد عادتْ لهنَّ ذنوبُ
أخٌ كان يكفيني وكان يعينني على نائباتِ الدهرِ حين تنوبُ
عظيمُ رمادِ القدرِ رحبٌ فناؤهُ إلى سندٍ لم تحتجبهُ غيوبُ
سند الجبل: ما ارتفع عن الوادي وسفل عن الجبل.
والمعنى أنه يكون حيث يراه الناس إذا طلبَ لم تحتجبه غيوبٌ. والغيب: البطن المنخفض من الأرض.
وروى الأخفش: تحتجنه بالنون: أي تغيبه. والأول من الحجاب.
إذا ما ترا آهُ الرجالُ تحفظوا فلن تنطق العوراءُ وهو قريب
أخي ما أخي! لا فاحشٌ عند بيتهِ ولا ورعٌ عند اللقاءِ هيوبُ
حليفُ الندى يدعو الندى فيجيبهُ سريعًا ويدعوهُ الندى فيجيبُ
هو العسلُ الماذيُّ لينًا وشيمةً وليثٌ إذا يلْقَى العدوَّ غضوبُ
الماذي: أجودُ العسلِ وأصفاهُ.
هوتْ أمُّه ما يبعُ الصبحُ غاديًا وماذا يردُّ الليلُ حين يئوبُ
كعاليةِ الرمحِ الردينِي لم يكنْ إذا ابتدرَ الخيرَ الرجالُ يخيبُ
كعالية الرمح: يريدُ كالرمحِ طولًا، كما قال: الواطئين على صدور نعالهم.
أخُو شتواتِ يعلمُ الحيُّ انه سيكثرُ ما في قدرهِ ويطيبُ
ليبككَ عانٍ لم يجدْ من يعينه وطاوِي الحشا نائي المزارِ غريبُ
كأنَّ أبا المغوارِ لم يوفِ مرقبًا إذا ربأَ القومَ الكرامَ رقيبُ
المرقب: المكان العالي. الربيئة: الطليعة، وهو الديدبان والرقيب.
[ ١ / ٢٦ ]
ولم يدعُ فتيانًا كرامًا لميسرٍ إذا اشتدَّ من ريحِ الشتاءِ هبوبُ
يبيتُ الندَى يا أمَّ عمرٍو ضجيعه إذا لم يكنْ في المنقياتِ حلوبُ
إذا شهدَ الأيسارُ أو غاب بعضهم كفى ذاكَ وضاحُ الجبينِ أريبُ
وداعٍ دعا يا منْ يجيبُ إلى الندى فلم يستجبهُ عندَ ذاكَ مجيبُ
فقلتُ ادعُ أخرى وارفعِ الصوتَ دعوةً لعلَّ أبا المغوارِ منكَ قريبُ
يجبكَ كما قدْ كان يفعلُ إنهُ نجيبٌ، لأبوابِ العلاءِ طلوبُ
وإني لباكيهِ وإني لصادِقٌ عليه، وبعضُ القائلينَ كذوبُ
فتى أريحيٌّ كانَ يهتزُّ للندى كما اهتزَّ ماضي الشفرتينِ قضيبُ