وقال الملتمس، واسمه جرير بن عبد العزى، ويقال ابن عبد المسيح بن عبد الله بن دوفن بن حرب بن وهب بن جلي ابن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
قال ابن السكيت وابن الأعرابي: كان المتلمس مكث في أخواله بني يشكر حتى كادوا يغلبون على نسبه، فسأل الملك - عمرو بن هند، وهو مضرط الحجارة، وهو المحرق - الحارث بن التوأم اليشكري عن المتلمس وعن نسبه فأراد الحارث أن يدعيه. قال أبو عبيدة: كان
[ ١ / ٢٧ ]
جواب الحارثة عنه أنه أوانًا يزعم أنه من بني ضبيعة وأوانًا يزعم أنه من بني يشكر. فقال عمرو إلا كالساقط بين الفراشين. فبلغ ذلك المتلمس؛ فقال يذكر نسبه ويثبته:
يعيرني أمي رجالٌ ولا أرى أخا كرمٍ إلا بأن يتكرما
ومنْ كان ذا عرضٍ كريمٍ فلم يصنْ لهُ حسبًا كانَ اللئيمَ المذمما
ويروى: الملوما. ويروى: ومن كان ذا مالٍ كثير. والعرض: موضع المدح والذم من الرجل. يقال: إنه كريم العرض، ولئيم العرض. والعرض: الجسد. يقال: إنه لطيب العرض وخبيث العرض. والحسب: كرم الفعل من الإنسان وإن لم يكن له أبٌ في الشرف والمجد. ويقال: افعل ذلك على حسب ما ترى؛ أي على قدره مفتوح.
أحارثُ إنَّا لو تساطُ دماؤنا تزايلنَ حتى لا يمسَّ دمٌ دمَا
أمنتفيَا منْ نصرِ بهثةَ خلتني ألا إنني منهم وإنْ كنتُ ينما
ويروى: أمنتفلًا. يقال: انتفلَ من ذلك الأمر وانتفى منه. ويقال للرجل يرمي بشيءٍ: انفلْ ذاك عن نفسك. بهثة: ابن الحارث بن وهب بن جلي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار.
يريد أنا منهم وإن كنتُ أينما كنت. فاقتصر، كما قال النمر:
فإنَّ المنيةَ منْ يخشها فسوف تصادفه أينما
أراد أينما حل وصار.
ألا إنني منهم وعرضيَ عرضهمْ كذي الأنفِ يحمي أنفهُ أن يصلمَا
يقال: جدع أنفه إذا قطع طرفه وكشمه، وأوعبه، واستوعبه، وصلمه: إذا استأصلهُ. ويقال: اصطلم أنفه، واجتثه، واقتلعه، واقتبهُ، واجتلمه؛ هذه الأربعةُ الألفاظِ للأنفِ دونَ الأذنِ.
وعرضي عرضهم:
يقول: من سبهم فأنا أحمي حماهم كما يحمي ذو الأنف أنفه أن يقطع.
وإن نصابي إنْ سألتَ وأسرتي منَ الناسِ حيٌّ يقتنونَ المزنمَا
النصاب: الأصل. والأسرة: العشيرة الذين أسربهم؛ أي قوى. والتزنيم: أن تشقَّ أذنُ البعير من أعلاها شقين أو ثلاثة، ثم تترك تنوس معلقةً فذلك التزنيم؛ والترعيل مثله، يقال: زنمها ورعلها.
وكنا إذا الجبارُ صعرَ خدهُ أقمنا لهُ من خدهِ فتقومَا
الصعر الميل. والعرب تقول: والله لأقيمن صعره وصيده وقذله وصغاه وأدده، ويقال: أود العود، وأدِدَ وعوج وعَصِل: إذا اعوجَّ.
لذى الحلمِ قبلَ اليومِ ما تقرعُ العصَا وما علمَ الإنسانُ إلا ليعلمَا
قيل: إنما عرض بالحارث بن التوأم في هذا؛ أي قد قرعتك بهذا الكلام كما كان يصنع بعامر بن الظرب العدواني. وكان من حكماءِ العرب وأربى على مائتي عام؛ أي زاد عليها، فكان ربما هفا في محاورته فتقرع له العصا بجفنة فيرتدع ويعلم أنه قد جار عن الطريق فصار مثلًا.
وقيل: إن الذي قرعتْ له العصا عالم من علماء اليمن يقول اليمانون: هو عمرو بن حممة الدوسيّ من رهط بي هريرة.
وربيعة تقول: الذي قرعت له العصا قيس بن خالد بن عبد الله بن ذي الجدين.
وقيس تقول: هو عامرُ بن الظرب. وهذا أصح الأقوال وأكثر على أفواه العلماء.
[ ١ / ٢٨ ]
ولو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتي جعلتُ لهم فوقَ العرانينِ ميسما
نقيصتي: تنقصي؛ أي أسمهم على العرانين، يعني أهجوهم هجاءً يبقى أثره في وجوههم. وإذا كان في الوجوه لم يغط، وإذا كان في غير الوجه غطى. والعرنين: أعلى قصبة الأنف. والخيشوم: اسم يجمع الأنف وهو المعطس وهو النخرة. ويقال لثقبه السم، وكذلك ثقب كل شيء إذا ضاق فهو سم. ويقال للحاجز في الوسط الوترة. ويقال لطرفه: الروثة والعرتمة والحثرمة، وهي الأرنبة.
وهل لي أمٌّ غيرها إنْ تركتها أبى اللهُ إلاَّ أنْ أكونَ لها ابنمَا
أراد ابنًا فزاد الميم، كما قيل: ستهم، وزرقم، وفسحم للكبير الاستِ والزرق والمنفسح؛ وهو مما يتبع فيه حرف الإعراب ما قبله، قال العجاج:
ولم يلحك حزنٌ على ابنمٍ ولا أبٍ ولا أخٍ فتسهمي
وقال الهذلي:
تعاورتما ثوبَ العقوقِ كلاكُما أبٌ غيربرٍّ وابنمٌ غيرُ واصلِ
ولا يثني ولا يجمع إلا أن الكميت ثناه؛ فقال:
ومنا ضرارٌ وابنماهُ وحاجبٌ مؤرثُ نيرانِ العداوةِ لا المخبي
المخبي: المطفئ.
وما كنتُ إلا مثلَ قاطعِ كفهِ بكفٍّ له أخرى فأصبح أجذما
الأقطع والأجذم: واحد. جذمتُ الحبل: قطعته. ورجل مجذامة ومجذام: أي مقطاع للأمر.
فلما استقاد الكف بالكفِّ لم يجدْ لهُ دركًا في أن تبينا فأحجمَا
تبينا: تفارقا. والمحجم: الممسك عن الشيء الهائب له. يقال أحجم عن الشيء وأجحم: إذا لم يقدم عليه.
يداهُ أصابتْ هذه حتفَ هذه فلم تجد الأخرى عليها مقدما
فأطرق إطراق الشجاعِ ولو يرى مساغًا لنابيهِ الشجاعُ لصمما
الإطراق: أصله السكون. والشجاع: حية لطيف أقرع الرأس. مساغًا: أي مضيًا، معناه مساغًا في نكزه. صمم: مضى على أمره وجد فيه.
وقد كنتَ ترجو أن أكون لعقبكمْ زنيمًا فما أجررتُ أن أتكلما
الزنيم: المنوط اللاصق بالقومِ ليس منهم. وأصله من الزنمة التي تكون في حلق العناق، وهذا كما قال حسان:
زنيم تداعاه الرجالُ دعاوةً كما زيدَ في عرضِ الأديم الأكارعُ
والعقب: الولد الذين يأتون من بعد. وعقب كل شيء آخره. وقوله: فما أجررت: أصل الإجرار أن يشق ظهر لسان الفصيل والجدي حتى لا يرضع، وأنشد:
كما خلَّ ظهرَ اللسانِ المجرَ
والتفليك: أن يثقب لسانه ويجعل فيه خيط من شعر ويعقد طرفه كالفلكتين فيمنعه أيضًا من الرضاع. فالمعنى لم يربط لساني عن الكلام، فضرب الإجرار مثلًا للسكوت.
لأورثَ بعدي سنةً يهتدى بها وأجلو عن ذي شبهةٍ إن توهما
أرى عصمًا في نصرِ بهثةَ دائيًا ويدفعني عن آلِ زيدِ فبئس ما
عصم: رجل من بني ضبيعة: قال للمتلمس: أنت من بني يشكر ولست منا.
المعنى: ينتسب عصم إليهم وينفيني عنهم. وقوله: فبئسما أي بئسما يفعل.
إذا لم يزل حبل القرينين يلتوي فلا بد يومًا من قوى أن تجلما
القرينانِ: بعيران يقرنان في حبل. ضرب ذلك مثلًا له ولعصم. يقول: إذا كان الرجلان كل واحدٍ منهما ينادي صاحبه فلا بد لأحدهما أن يغلب الآخر.
إذا ما أديم القوم أنهجه البلى تفرى، وإن كتبته، وتخرما
أديم كل شيء: جلده. وأنهجهُ: أخلقه. يقال: نهج الثوب وأنهجَ، ومحَّ وأمحَّ: أي خلق. وتفرى: تمزق. وكتبته: خرزته. والكتب: الخرز، يقال: اكتبها: أي اخرزها. وتخرم؛ تفتق.
[ ١ / ٢٩ ]