اكتساب الأمور
من التجارب
[ ٢٢٧ ]
فراغ
[ ٢٢٨ ]
ليعلم الناظر في هذا الكتاب بأن فيه من الحكم ولطائف الكلم ما يصلح أن يكون للملوك معتمدا وللأكابر والأفاضل مرشدا وللأدباء جليسا وللغرباء أنيسا ولقد فاق سلوان المطاع وكليلة ودمنة:
على أنني راض بأن أحمل الهوى واخلص منه لا علي ولا ليسا
وأن المطالعة فيه والاقتباس من فرائد معانيه تزيد العقل عن التجارب بل تفيد زيادة المتقارب لأن العمر يصرف إلى اكتساب الأمور من التجارب واستفادة الفوائد والحكم من هذا أمرها راقب وأحب ما يتمنى الإنسان طول العمر وقد قيل:
وأحسن ما كان الفتى من زمانه مع السعد والجاه العريض معمرا
وأحب ما أسمع للحاكم قول الناظم:
فلا زلت بين الورى حاكما بجاه عريض وعمر طويل
فمن أراد أن يطول عمره فليعم الناس خير وبره. وقد قيل خمسة أشياء تزيد في العمل: الأولى البر قال ﵊: لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، الثانية إسباغ
[ ٢٢٩ ]
الوضوء قال ﵊: إسباغ الوضوء زيادة في العمر، الثالثة التحية الحسنة. كان أمير المؤمنين عمر ﵁ يدخل الأسواق يسلم على أهلها ببشاشة فقيل له في ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: السلام ببشاشة وطلاقة الوجه يزيدان في العمر، الرابعة الصدقة قال ﵊: داووا مرضاكم بالصدقة. وجاء في التفسير أن عيسى ﵇ كان جالسا فمر قصار ومعه كارة للقصارة فقال عيسى لأصحابه: هذا الرجل يموت اليوم من عقرب تلدغه فمر القصار عشية سالما فقيل لعيسى ﵇ في ذلك فقال: فطلب القصار وسأله عما عمله في ذلك اليوم، قيل كان معي رغيفان لما جلست لأتغدى جاءني سائل فأعطيته أحد الرغيفين فسد به جوعته وقال: أكثر الله خيرك وزاد مالك وطول عمرك ففتش عيسى ﵇ لرزمته فوجد العقرب ملجما بلجام القدرة وقال: إنما كف عنك هذا البلاء ببركة الصدقة، الخامسة العدل في الرعية فإنه ورد في تفسير الثعالبي قال في قوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا) .
كان قال في بني إسرائيل ملك يدعي صديقا عالما عارفا عادلا في حكومته محسنا في رعيتها وكان في زمن نبي من أنبيائهم فكان يمتثل ما يأمره به نبي زمانه ويقوم به وينظر في فصل القضايا بنفسه فخرجت له في رجله قرحة أشغلته بنفسه حتى صار لا يعرف صباحه من أمسه فوقع في بلاده بلاء ووباء فمات من أهل مملكته طوائف عديدة وجملة من الخلائق مديدة، فقصد مملكة رجل من بابل اسمه سنحارب النازل وهو رجل كافر ظالم غائل معه من العساكر ستمائة ألف مقاتل يعجز عن مقاومته ويعي عن
[ ٢٣٠ ]
مخادعته، فجاء نبي ذلك الزمان يعوده وينظر ما يريده فاستشاره الملك في أمره وما هو راء من غدره فنزل عليه الوحي قبل أن يرد له جواب بل عقب سماع هذا الخطاب أن قل لصديق يوصى بالملك إلى من يرى أنه من أهل الملك فإنه لم يبق له من العمر إلا ليلة واحدة فأخبره ذلك النبي بذلك فسلم له ورضي وتوجه إلى الله تعالى وصلى وسجد وقال في سجوده: اللهم رب الأرباب وإله الخلق قدوس تقدست يا رحمن يا رحيم يا رؤوف أنت الذي لا تأخذه سنة ولا نوم فأوحى الله تعالى إلى هذا النبي أن بشر صديقا باستجابة دعائه وإني أمهلته مدة خمس عشرة سنة ببركة عدله وطاعته وانقياده لأمري، فلما بشره سر بذلك وسجد سجدة ثانية وقال في سجوده: إله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترجم وتستجيب دعوة المضطرين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي، فاستجلاب الله دعوته قبل أن يفارق سجدته وأوحى الله إلى نبيه أن قل في أمر عدوه فقال الله تعالى: أنا أكفيك أمره فلما وصل العسكر واحتاطوا بالبلد أرسل الله عليهم صيحة أخذتهم عن آخرهم وأهلكتهم وهرب سنحارب فاختفى في جبل فأدركه الطلب هناك وأحضروه لدى صديق فسجد صديق شكرا لله تعالى ودعا سنحارب إلى التوحيد فقال له سنحارب: كنت سمعت عناية ربك بك والآن فقد رأيت وحققت ولكن لا أفارق ديني فأمر به للاعتقال فأوحى الله تعالى إلى النبي أن قل له يطلقه ويرسله إلى بلاده فأطلقه وأرسله إلى بلاده ومات على دينه. ثم جلس مكانه بخت نصر ووقع من وفاته الظلم والجور
[ ٢٣١ ]
بعد صديق فسلك الله عليهم من أهلكهم فانظر إلى ذلك العدل وبركته وظلمه الظلم وقباحته: وذكر في التفسير المذكور في تفسير قوله تعالى: (وأن اليأس لمن المرسلين) قال: كان ملك اسمه أجب وكان عادلا وله زوجة ظالمة كافرة النفس وكان يحبها وكان في جوار بيته جنينة لرجل صالح فطلبتها زوجة الملك من الرجل الصالح فلم يسمح بذلك لها فأمهلته حتى غاب الملك وأقامت بينة كاذبة شهدت على الرجل الصالح أنه سب الملك، وكانت العادة أن كل من سب الملك يهدر ماله ودمه فقتلته واستولت على جنينته فلما رجع الملك من السفر استغاثت زوجته فلم يتعرض إليها بأكثر من ذلك فأوحى الله تعالى إلى الياس ﵇ أن يخبر الملك بما فعلته زوجته ويأمره بالقصاص ورد الجنينة إلى ورثة صاحبها، فلما بلغ الرسالة غضب الملك، وغلبت عليه محبة الزوجة وأراد قتل الياس فهرب منه واختفى في مغارة فأرسل وراءه أربعين فارسا تطلبه فأرسل الله عليهم صاعقة أهلكتهم عن آخرهم ثم جاء الياس إلى بلدة إنطاكية فنزل في بيت المرأة وكان لها يتيم وهو يونس ﵇ وعمره إذ ذلك سبع سنين فأمنت بالياس ثم ذهب الياس من عندها ومات في غيبته ولدها اليتيم ثم إن الياس عاد إليها وسألها عن حالها فأخبرته بموت ولدها فسأل الله أن يحييه فأحياه ولما بلغ أكرمه الله بالرسالة وأهلك الله اجب وامرأته وقومه بشؤم ظلمهم وهكذا عاقبة الظالمين والطاغين والباغين.
وينبغي أن لا يتمنى لقاء العدو ويكتفي بمشاهدة الأصحاب كما قيل في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل وقال رسول الله ﷺ: لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا. وقيل للأرنب أيما أحب إليك رؤيتك للكلب أو رؤية الكلب
[ ٢٣٢ ]
إياك فقال الأحب أن لا أراه ولا يراني لأني إن رأيته خفته وخشيت أن يراني ويطلبني وإن رآني طلبني وربما لم يمكنني منه الفرار فأقع في الهلاك والبوار وأحسن ما تلبس به الحاكم والرؤسا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون فاسقًا محرومًا وإذا نزل العذاب فإنه يشمله. وقال رسول الله ﷺ: لما قيل له أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث وقال تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون) فأدخل الذين لم ينهوا مع الذين ظلموا وقال: الساكت في الحق شيطان أخرس. وقيل خسف الله بني وقومه في بني إسرائيل فناجى بني من أنبيائهم ربه تعالى في أمرهم وأمر نبيهم فأوحى الله إليه أنه كان يصلي والصبيان أمامه ينتفون دجاجة حية فلم يخلصها من أيديهم وإذا كان فعل هذا في طير قبله وذبحه مباح فما ظنك بمن يؤذي مؤمنًا الذي هو بنيان الله تعالى وقد حرم الله تعالى عرضه وماله ودمه، ولتعلم أن يد الله فوق أيدي المؤمنين ورحمته عامة جميع الصالحين ونقمته نازلة على الطاغين والباغين ولا عدوان إلا على الظالمين:
وما يد إلا يد الله فوقها وما من ظالم إلا سيبلى بظالم
وقال الآخر وأجاد وما حاد عن المراد:
تنام وما المظلوم عنك بنائم ودعوته لا تنثني بحجاب
وينبغي أن يكون العمل خالصًا لوجه الله تعالى، فإن العمل الخالص هو رأس المال لجميع المخلوقات سواء كانوا أنبياء أو أولياء ولا يثمر في الدنيا سواه وناهيك وبحديث أصحاب الغار حيث أخلصوا في عملهم وأنجاهم الله ببركة إخلاصهم. وذلك أن ثلاثة
[ ٢٣٣ ]
آووا إلى غار خوف الابتلال بالمطر فنزل من الحبل صخرة سدت فمه فقالوا لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح عملكم، فقال واحد منهم: اللهم كان لي أبوان كبيران أؤثرهما على أهلي فتأخرت ليلة حتى ناما فلم أوقظهما وانتظرت يقظتهما وقدح اللبن في يدي إلى الفجر والصبية تصيح عند قدمي حتى شربا، اللهم إن كان ذلك ابتغاء لرضاك ففرج عنا فانفرجت شيئًا لا يمكن الخروج منه فقال الثاني: اللهم كانت لي ابنة عم أحبها فراودتها فأبت فحصل جدب فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين دينارًا على تمكيني منها فلما أردتها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فتركتها والمال اللهم إن كان ذلك ابتغاء لرضاك ففرج عنا فحصل ما لا يسع الخروج، فقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأخذوا أجورهم إلا واحدًا فنميت أجرته فجاءني يطلبها فقلت كل ما ترى من إبل وغنم وبقر ورقيق من أجرتك فقال أتهزأ بي. قلت: لا فأخذ ذلك كله اللهم إن كان ذلك ابتغاءً لرضاك ففرج عنا فانزاحت الصخرة وخرجوا يمشون، رواه الشيخان وغيرهما. وأعلم أن رئيس كل طائفة بمنزلة والدهم فإن السلطان والد الرعية أولاده، والأمير كذلك وكذا القاضي وكل والٍ حتى رؤساء القرى كل رئيس مهم بمنزلة الوالد والفلاحون أولاده والمقطعون والأجناد بمنزلة آباء الفلاحين يربونهم كالأولاد ويشفقون عليهم شفقة الآباء، كما يحكى عن بهرام جورانه وقع في بعض السنين قلة وقحط في بعض البلاد حتى قلت الأقوات فرسم بفتح مخازنه وحواصله وبذلها في رعاياه وحشمه وأمر بدوابه فتوجهت إلى أطراف البلاد تجلب الميرة فصار يفرق ذلك على الرعية من غير عوض فسد بذلك خلة الناس واستمر ذلك نحوا من أربع سنين، ثم بلغه أن شخصا من مملكته مات من الجوع ولم يكن له بذلك شعور فوجم لذلك وأخذه القلق
[ ٢٣٤ ]
والأرق واستغفر وصام وتصدق وبلغ ذلك منه مبلغا فصار يناجي بذلك ربه ويقول: يا رب اغفر لي هذه الغفلة وتجاوز لي عن هذه السهوة فلو كان لي شعور بذلك لبذلت الذي تصل إليه القدرة فهتف به هاتف حيث احتفلت لنفس واحدة من عبادي هذا الاحتفال وأسفت هذا الأسف فإني أرفع الموت عنكم مدة أربع سنين وعمر بهرام في أرغد عيش وأطيب عمر مع الصفاء والهناء، كل ذلك ببركة الشفقة والرحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحما فنسأل الله تعالى أكرم الأكرمين إياه نعبد وإياه نستعين أن يعاملنا بما يليق برحمته ويسبل علينا ذيل إحسانه ونعمته آمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل. إلى هنا الختام بحمد ذي الجلال والإكرام.
انتهى كتاب مرزبان نامة ترجمة الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عرب شاه الحنفي الدمشقي والرضوان عليه سحائب الرحمة وديمة المغفرة والإحسان ما تعاقب الملوان وتوالت الأزمان وما قرا قارئ في كتابه وعمل بما فيه مما ينجي يوم حسابه وتدبر معانيه وفهم عوالته وخوافيه وصلى الله على النبي محمد وآله وصحبه وبنيه وأزواجه
وتابعيه آمين.
[ ٢٣٥ ]