في ذكر الثعلبين المدعو
أحدهما بالرئيس
والآخر بالعادل
[ ٥٩ ]
فراغ
[ ٦٠ ]
قال الحكيم بلغني: أنه كان في بعض الغياض أسد عظيم في خدمته ثعلبان يدعى أحدهما بالرئيس والآخر بالعادل ملازمان منادمته، وله دب وزير بينه وبين الثعلبين عداوة وكان هو أقربهما من حضرة الملك.
[ ٦١ ]
فحاقهما المكر السيئ فكان يتوقع لهما عثرة يتوصل بها إلى إفساد صورتهما. ففي بعض الأيام كان الثعلبان ينادمان الملك فغلب عليه النعاس فخرج منه ريح سمعاها واستيقظ هو لها فتناوم ليعرف ما يصدر منهما فلم يتمالك الرئيس أن ضحك فقال له العادل: مم تضحك أما علمت أن الضحك بلا سبب من قلة الأدب وأن الملوك تحترم مجالسهم غابوا أو حضروا، ناموا أو استيقظوا، وقد قيل: رفع قلم العتاب عن النايم والسكران والمجنون والصبي وعذر النائم أوضح من عذر الباقين فإن النوم أخو الموت، ولقد قال صاحب الأخلاق: لا يعيب الشخص على أحد عيبًا هو فيه، وإذا صدر من الملوك منقصة فلا تغد منقبة، ويجب على جلساء الملوك أن لا ينظروا من الملوك إلا المحاسن، وقد قيل في المثل من جالس الملوك بغير أدب فقد خاطر بنفسه وأوجب لها التعب. فقال الرئيس: اللسان إذا ظهر من الكذب، والعرض إذا نقي من العيب والنفس إذا زكيت عن الجهل يصلح لها أن تضحك على كل أحد، وأنا إذا اتصفت بهذه
[ ٦٢ ]
الأوصاف فلا علي إذا ضحكت على غيري. قال العادل: يعرف الجاهل بثلاث علامات أولها، أن يرى نفسه عاريًا عن العيوب ثانيها، أن يرى نفسه أنه أعلم من غيره ثالثها، أن يغتر بعلمه ويتصور أنه انتهى في ذلك إلى أعلى المراتب، وقالت الحكماء: إذا رأيت نفسك طاهرًا من دنس العيوب وطالبًا عيوب غيرك فأعلم أنك غارق في العيوب ومتدنس بأوساخ المساوئ وأعلم أنك لا تشم رائحة الفضل الموجب للتقدم ما دمت ترى لنفسك مقدارًا، ولكن كن في تفقد عيوبك حريصًا لتفقد عدوك. قال الرئيس: لقد صدقت ونصحت فجزاك الله عني خيرًا وقد وقع الخطأ على سبيل الغفلة وقد خرج هذا الأمر مني على سبيل السهو وهو كالسهم إذا له رد وكيف يدر الحالب اللبن، ولكن الذنب غير المستمد المار لا يستحق صاحبه العقوبة ولا الدمار وإنما أنا أحمد الله من أجل أنك رفيقي وصاحبي ونصيحتي وأرجو منك أن لا تفض ختام هذه الهفوة عني، فقد قالت الحكماء: السر لا يستقر إلا في صدر محب وأنت محب وشفوق. فقال العادل: من علامات الجهل شيئان أحدهما أن أحدهما أن تقرض مالك ثم تتقاضاه بالعنف، والثاني أن تودع سرك لمن يحتاج أن تتضرع إليه وتحلفه أن يكتمه ولا يبديه وقد قيل:
وإذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذي يستودع السر أضيق
وقالت الحكماء لا تستودع أحدًا سرك فإن كتمان السر ثقيل يتولد منه هم وعيا وإفشاؤه هلاك وبلا وقد قيل:
كل سر جاوز الاثنين شاع وكل علم ليس في القرطاس ضاع
والمراد بالاثنين الشفتين وناهيك بقصة الحرامي مع البرغوث
[ ٦٣ ]
فقال الرئيس: أخبرني بتلك الحكاية قال العادل: زعموا أن لصًا كان ماهرًا في صنعة السرقة وكان كثيرًا ما يقع في خاطره أنه ينقب خزانة الملك ويأخذ منها الذخائر ويطلب لذلك ممن يفشي إليه سره ذلك وهو يخاف من إفشائه، إلى أن زاد عليه الخاطر ولم يتمالك كتمانه وعجز عنه فوجد في ثيابه برغوثًا فقال في نفسه: هذا البرغوث قد أكل من حمي وشرب من دمي وهو حيوان ضعيف ولا لسان له يفشي السر به، ثم أدنى رأسه إلى البرغوث وهو في يده وقال: أعلم أيها البرغوث أني أريد أن أدخل دار الملك وآخذ مما تصل إليه يدي من الذخائر والدراهم والدنانير وأنا الآن مودعك هذا السر فلا تفشه عني. ثم أطلق البرغوث في ثيابه وقصد إلى دار الملك فلما دخلها اختبأ تحت الملك حتى يجد فرصة فيأخذ ما يريد فخرج البرغوث من ثيابه وقصد الملك فقرصه فأقلقه، فطلب النور ونظر في ثيابه فوجد البرغوث فأراد القبض عليه ففر ونزل تحت السرير ففتشوا عليه فوجدوا الحرامي فقبضوا عليه وفعلوا معه ما يجب فعله كما قيل:
مشى برجليه عمدًا نحو مصرعه ليقضي الله أمرًا كان مفعولا
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن السر لا يؤمن عليه الحيوان بل ولا الجماد فضلًا عمن يكون فيه أدنى ناطقيه أو يسمى باسم إنسان. فلما انقضت هذه المحاورة وكان الأسد قد استوفاها من
[ ٦٤ ]
أولها إلى آخرها وقد امتلأ غضبًا فوثب مغضبًا وأمر بالقبض على الرئيس وإيداعه في السجن، ففعلوا به ما أمر به الملك من القبض عليه وإيداعه في السجن، فتنكد عيش رفيقه العادل وتوجه إليه وأغلظ له القول ولكن كان الأمر قد خرج من يده فقال الرئيس: كل هذه الأمور بقضاء الله تعالى وقدره وفي الجملة إذا كان السعد مقبلًا فكل حركة له تصدر عن الشخص فإنها سعيدة وإذا أدبر فلا يكاد يصيب العاقل واللبيب فضلًا عن غيره وهذه عادة الزمان مع أبنائه وقد قيل شعر:
ومن ذا الذي ما غره صرف دهره فأضحكه يومًا ولم يبكه سنه
وأنا كنت غافلًا عن هذه النكت ماشيًا على ما كنت أعهده من نفسي وعودني به الزمان فصادفني مثل حكاية الهدهد والرجل الصالح.
قال العادل: كيف كانت تلك الحكاية؟ قال الرئيس: ذكروا أن رجلًا من الصلحاء كان قد علمه الله تعالى لسان الطير وكان له هدهد يدعي صحبته فرآه في بعض الأيام جالسًا على رأس حائط فقال له: يا صاحبي هذا المكان كثير العاهات فانتقل إلى مكان
[ ٦٥ ]
آخر، قال الهدهد: قد علمت ذلك ولكن سبب جلوسي هنا أني رأيت صبيًا قد نصب لي فخًا يريد أن يوقعني فيه فأنا أتفرج عليه وأسخر من كونه يسعى في أمر باطل ويضيع وقته في ما لا يتحصل منه على طائل، فمضى الصالح في حاجته ورجع فرأى الهدهد ي يد الصبي فقال له: كأنك وقعت له في الفخ طوعًا أردت أن تنظر هل له من الاقتدار عليك نوعًا فإنك كنت حريصًا على أن لا تقع في مكايد هذا الصبي ورأيت أنه لا يحصل له إلا التعب والعي ولو لم يكن ذلك فأنت ترى الماء تحت الأرض أفلا تنظر حبل الفخ؟ فقال له الهدهد: ذلك لا يمنع من إنفاذ القضاء والقدر إذا جاء القضا عمي البصر. فاشترى ذلك الرجل الصالح الهدهد من الصبي وأطلقه وحرره وأعتقه.
وإنما أوردت هذا المثل ليقل عني توبيخك وتقريعك وتتعاطى أسباب خلاصي من هذه القضية ولو بان يكون مسكني بعدها في البرية وذلك بحسن تدبيرك على ما تقتضيه سابق الصحبة وقديم المودة وما أعهده عنك من طيب الأعراق ومكارم الأخلاق وسابق الصحبة وقديم المودة والمحبة وما أعهده عنك من وفور الشفقة وحسن الوفاء والقيام بحق الإخاء وقد قيل:
دعوى الأخاء على الرخاء كثيرة بل في الشدائد تعرف الأخوان
وأنا أسألك بالله وسالف حقوق المودة والصداقة أن تكف عني توبيخك فقد آلمني أكثر مما أنا فيه، فرق له العادل وقال: حبًا وكرامة ولو لم تقل لي ذلك لما كان يسعني التخلص عن خلاصك وإنما قلت لك ما قلت من شدة ما نابني من الحرق والأرق وقد قبل أربعة أشياء فرض في شريعة المودة وطريق الأخوة الأول المشاركة في هموم الأخوان ونوازلهم، الثاني إذا أخطأ أحدهم يردونه إلى
[ ٦٦ ]
طريق الصواب بألطف وجد وأسن إشارة ولا يتركونه على الخطأ، الثالث إذا صدر من أحدهم جفا يتداركونه بالوفا ولا يتركون الوفاء القديم الجفاء الحادث، الرابع عدم المؤاخذة وأنا إن لم أبذل مجهودي في إنقاذك بكل ما تصل إليه يدي وإلا فلا فائدة في صحبتي، فإني والله لأبذلن المجهود في ذلك وهاأنا متوجه إلى الملك فانظر ما يصدر منه ثم أتم الأمور على ما يقتضيه ذلك.
ثم توجه العادل إلى الملك فوجد الدب عنده وهو يريد أن يكلمه في أمر الرئيس فإنه قد وجد للظفر فرصة يريد أن ينتهزها فإنه عدو قديم فأراد أن يتكلم ثم أفتكر أنه ربما يعاكسه الدب فتنخرم أموره فأمسك عن الكلام ثم بدا له أنه ربما يفتح الدب الكلام بطبيعة العداوة فيرسخ في قلب الملك فلأتمكن إزالته ويعسر رده ويتعذر إزالته من خاطر الملك كما قيل شعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
فبادر العادل بالكلام وافتتحه بالدعاء على العادة في استعطاف الملوك الكرام ثم قال: إن من عادات الملوك العظام العفو عن الجرائم لا سيما إذا كان وقوعها على سبيل السهو والخطأ وصدرت من المعروف صدقهم وإخلاصهم.
ومن ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
وكان مملوك مولانا الملك الرئيس معترفًا بتقصيره متوقعًا من مولانا الملك عفوه ومراحمه وإسبال ذيل الشفقة والحنو عليه ووجبت الشفاعة فيه على الملوك السابقة والأخوة وقديم الصداقة. فلما سمع الأسد ذلك علم أن قصد العادل جميل وهو يريد سوق الأجر وإثبات الحسنات في صحائفه وانتشار صفاته بالجود والعفو
[ ٦٧ ]
بين الأقران فما رد عليه جوابًا وأطرق، فلما رأى الدب إطراقه وسكوته قال إن الملوك سكوتها رضاها وحيث سكت أتت الفرصة فانتدب للجواب واستعد للخطاب فقال: أعلم يا عادل أن من أخفى خيانة الخائن واستخف بزلة الجاني واعتذر منه فهو شريكه في الذنب خصوصًا إذا كان صادرًا في حق ملك من الملوك ويقدر المجني عليه على الجاني. قال العادل: يا مولانا الوزير كلنا محل الخطأ والتقصير.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرد نبلًا أن تعد معايبه
وإن لم يشفع الشخص في الجاني فالمحسن لا يحتاج إلى شفاعة ومن لم يأخذ بيد العاثر لم يجد ليده آخذًا إذا عثر وأحسن ما يكون العفو من القادر على المؤاخذة وهم الملوك وأحسن ما تتصف به الملوك من الصفات الجميلة والخطأ الذي يصدر من الشخص أربعة أقسام: زلة وتقصير وخيانة ومكروه، فجزاء الزلة العقاب وجزاء التقصير الملامة والتوبيخ وجزاء الخيانة العقوبة، وإيصال المكروه جزاؤه إيصال مكروه مثله، والذنب الصادر من الرئيس إنما هو زلة وقد استوفى جزاءه وزيادة والملك أدام الله تعزيزه له أن يعاقب على الذنب اليسير ويعفو عن الذنب الكبير ولا يؤخر عنده العفو والخير والفضل ومكارم الشيم أولى من أن يؤثر عنه القصاص والعقوبة فإن ذلك أليق بحشمة الملك. فلما سمع الدب منه هذا الكلام قال: من شرط ناموس السياسة إقامة حرمة الملك وأن لا يسامح طوائف بل يستوفي الملك القصاص منهم ولا يأمن إليهم، فإنه لا يصدر منهم خير منهم من عزل عن منصبه بغير سبب ومنهم من يصادف أعداء الملك ومنهم من يرى له مسرة في مضرة الملك ولا يبالي بذلك ومنهم من يطلب على خدمته مكافأة، فإن لم يحصل مطلوبه تغير خاطره ومنهم من يتعرض لسخط الملك ومنهم من يهتك حرمته
[ ٦٨ ]
ومنهم من يفشي سره ومنهم من يخون في الحريم، ولا شك أن الرئيس قد ارتكب بعض هذه الخصال وهو متصف بباقيها وهذا يدل على دناءة أصله ولؤم طبعه. قال العادل: لا تقل هذا يا مولانا الوزير فإن الرئيس خادم قديم وعبد مخلص ونديم ظريف لم نعلم عليه ما يسوءه من صدق ولايته ولا أطلع أحد منهم على سهوه والخطأ شيء من تفوه نادرة في حق الملك فحلم مولانا الملك لا يقتضي طرح هذه الأوصاف كلها لأجل هذه النادرة المنفردة وقد حصل له من الكسر ما لا يجبره إلا عفو الملك ومراحمه وإلا فلا جابر لكسره أبدًا، وأنا ما قمت في مقام الشفاعة إلا لقوله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة لكن له كفل منها)، وأنا أسأل صدقات الوزير أن يكون شريكًا لي في الأجر والثواب وأن لا تقع منه مخالفة في ذلك فإن كريم الطبع لا يصدر منه إلا الكرائم التي تليق بطبعه واللئيم إذا أراد أن يتعاطى شيئًا من مكارم الأخلاق المحمودة لا تساعده طباعه كما قيل:
كلما رام التخلق جاذبته فعاله إلى الطبع القديم
وقال آخر:
الناس على دين ملوكهم وتأبى الطباع على الناقل
وحيث كان مولانا الملك مجبولًا على الشفعة الكاملة والمراحم الشاملة فكلنا يجب علينا أن نتشبث بتلك الخصال فإن العبد من طيبة مولاه وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، فالتجم الدب بهذه المغالطة ولم يرد جوابًا فقال الأسد: حتى انظر في الأمر فتفرقوا من المجلس فتوجه العادل إلى الرئيس وهو في الحبس وأخبره
[ ٦٩ ]
بصورة ما وقع وقال له: أبشر فإني رأيت لخلاصك أثرًا قويًا في بشرة الملك فشكر الرئيس للعادل جميل مساعدته وقال الرئيس للعادل: كنت أود أن تؤخر الكلام في أمري فإن الطالع قد أدبر والسعد في هبوط وطالع الخصم في قوة أما سمعت قصة الحكيم بزرجمهر في مخدومه كسرى، قال العادل أخبرني بها.
قال الرئيس: ذكروا أن كسرى انوشروان أراد النزهة يومًا فدعا وزيره الحكيم بزرجمهر وجلس معه على جانب حوض يتنادمان وكان في الحوض طائفة من البط وكان كسرى يلعب بخاتمه وفيه فص ثمين فسقط من يده فابتلعته بطة وهو غافل عن ذلك، كل ذلك وبزرجمهر لم يشاهد هذه الأمور فلما دخل كسرى إلى الحريم افتقد خاتمه فلم يجده فدعا الحكيم بزرجمهر ليسأله عن ذلك وعرف بزرجمهر ما قد دعاه إليه فنظر في الطالع فرآه غير مستقيم فخاف أنه إن تكلم في هذا الأمر بما رآه عاكسه الطالع فربما يذبح ذلك الطير كله وربما لم يجد الخاتم وأن عين طائرًا بعينه
[ ٧٠ ]
فربما يكون الخاتم في غيره فينسب إلى الجهل فلم يزد عن السكوت لما سأله عن ذلك.
واستمر كسرى على الطلب والاهتمام بشأن الخاتم فلما استقام الطالع وزال عنه الوبال توجه بزرجمهر إلى خدمة مخدومه وأخبره بما كان من وبال الطالع فأحضروا الطير كله وقبضوا على واحدة وذبحوها فوجدوا الخاتم في جوفها ولم يحتاجوا إلى ذبح غيرها وذلك لقوة الطالع وإقبال السعد. وإنما أوردت هذا المثل لمراقبة الطالع ولم أورده اعتراضًا على ما فعلت، فإني أعرف أن مقاصدك جميلة فقال العادل: الأمر كما قلت وإنما بادرت بذلك خوفًا من حاسد يسيق بكلام يستقر في خاطر الملك فتعسر إزالته ولئلا أنسب إلى تقصير وتوان ومع هذا إن الله هو المدبر ومقاليد الأمور بيده ولم يخطر ببالي أن أقواني في هذه القضية لحظة واحدة وأني مباكره فناظر ما يصدره منه. ثم إن العادل باكر إلى خدمة الأسد فوجد الدب قد سبقه وهو يريد أن يفتح الكلام فبادر العادل وقاطع عليه ودعا للملك ثم قال: يا ملك إن المواعيد الوفية والأخلاق المرضية تقدمت في حق عبده القديم الرئيس بالنظر في أمره ولم يبق إلا المراحم وإجراء عبيده القدما على ما كانوا عليه من سالف حالتهم المرضية خصوصًا المخلصين من خاص الندما كما دعوتهم المكارم البهية والصدقات السنية.
ولازال يتكلم بمثل هذا الكلام حتى لان قلب الأسد وظهر للدب ذلك فاشتعل غيظًا وخرج عن دائرة الاعتدال وقال: كل من ستر على أعداء الملك فهو شريكهم في الخيانة ومن يشفع في الجاني فهو الجاني وما أظنك أيها النديم والخادم القديم إلا منقصًا لهيبة الملك وانتهاك حرمته، فعند ذلك هم الأسد على الدب وقال: لم تزل إلا ظالمًا من قديم الزمان إلى هذا الأوان وأنت ترقب مراحم
[ ٧١ ]
الأكابر لتنسلط على أحبائهم بظلمك وتوقعهم في الأثام وإن السلاطين لم تزل تغضب وترضى وتسبل ذيل إحسانهم على هفوات أصحابهم وأصدقائهم ويطلبون أجر مخدومهم وثبوت الأجر والثواب في صحائفهم، وكلامك أيها الوزير يلوح على صفحات وجهك منه خيالات الغش ومنازلة الفتن وإن كان العادل هذا مساعدًا في أمر الرئيس فذلك هو الذي يجب عليه لأنه صاحبه القديم ولو تخلى عنه من قبل هذه الورطة نسب إلى عدم المروءة وقلة الدين وقد راعى ما يجب عيه من وجوه عديدة: أولًا قام يجب عليه لأخيه وصاحبه من شروط الأخوة، ثانيًا قصد إثبات الحسنات في صحائفي، ثالثًا تحرى ما يوجب رضائي وانشراح صدري ويزيل غيظي، رابعًا باعدني عن الوقوع في الإثم فربما تعديب الحد في عقابه، خامسًا طلب اشتهار اسمي بالفضل دون العدل، سادسًا اشهر نفسه بحسن الوفاء وحفظ العهد، سابعًا غرس في قلوب الأماثل محبته، وأما أنا فقد تحققت أن الرئيس قد ندم على ما وقع منه ورجع واعترف بذنبه ويكفيه خجلته عقوبة ولا يليق بحشمي إلا العفو ومكارم الشيم وهذا الذي ورثته من
[ ٧٢ ]
أكابر أسلافي. فندم الوزير على ما وقع منه وعلم أنه فرط ووقع مع صاحبه في ورطة فلا حاجة قضى ولا صديقًا أبقى. فلما علم أن الأسد عفا تفكر في تدارك ما وقع منه وما هفا فلم ير أوفق من السعي بينه وبين الرئيس، وكان للدب صاحب أرنب يدعى مبارك الميلاد فعرض عليه القضية فلامه على ما كان منه وقال: يا أخي أما علمت أن الملوك يمال على هواهم ويطلب رضاهم وهل تحققت أن الملك طرح جانب الرئيس قطعًا حتى أنه لا يقبل عليه أصلًا هيهات إذا لم يعرف الكبير مقدار خدمة عبده ووفائه وحسن عهده، فما فائدة خدمته خصوصًا هذا الملك الجليل الذي نحن في خدمته هذه فنكون في عقب هذا الأمر مثل التاجر البلخي في أمر زوجته.
قال الدب أخبرني كيف كانت الحكاية؟ قال مبارك الميلاد ذكروا أنه كان في بلخ تاجر كثير المال عريض التجارة فاتفق أنه تراجعت عنه الدنيا وصار كلما قصد شيئًا خسر فيه إلى أن نفد ما عنده فلم ير لنفسه إلا التغرب والبعد عن وطنه إلى أن يقضي الله ما يختار، فقصد بلاد المغرب وأقام بها مدة ففتح الله تعالى عليه
[ ٧٣ ]
بمال جزيل ثم اشتاق إلى وطنه فجاء إلى بلخ فلما وصل إلى البلد تخفى ودخل البلد لينظر ما حدث في غيبته فجاء إلى داره وصعد إلى السطح من طريق كان يعرفها فنظر من الكوة فرأى زوجته قد عانقت شابًا جميلًا وهما نائمان على السرير فأخذته الحمية وقصد قتلهما ثم تفكر في نفسه وقال: إن مدة غيبتي طويلة وقد تكون المرأة فسخت عقد نكاحي وتزوجت بهذا الرجل حلالًا فالتأمل في هذا الأمر والفحص عنه أولى، ثم نزل وأتى إلى جارة له في صبيحة تلك الليلة فطرق عليها الباب فخرجت له فقال لها إني رجل تاجر كنت أتردد على صاحب هذه الدار مدة بعيدة فأخبريني ما حاله، فقال إنه سافر من مدة مديدة ولم نعرف له خبرًا وإن زوجته لما طالت الغيبة عليها توجهت إلى القاضي وشكت إليه طول غيبة زوجها وأنها لا تعرف أهو حي أم ميت ولم يأتها جواب منه ولا خبر عنه فطلقها عنه وأمرها بتزوج غيره، فظهر للتاجر البلخي أن الأمر على ما ظنه وأنه لو قتلهما لكان ذنبهما بعنقه فحمد الله تعالى وأثنى عليه بمحامده إذ ألهمه التثبت ف الأمر، وإنما أوردت لك هذا المثل لتعرف فائدة التأمل في العواقب فقال الدب: دعنا يا أخي يا مبارك من هذا الكلام وخذ بنا في تدارك هذه القضية قبل أن يخرج تداركها من أيدينا فنندم حيث لا ينفع الندم. لأنهم قالوا إذا لم تتدارك زلة القدم ندمت حيث لا ينفعك الندم، فقال مبارك: عندي من يتدارك أسباب الصلح والسعي ويفعل لك ما فيه الرشد وينفي عنك ما يوقع في الغي وخلص لك الرئيس ويأخذ لك في المصافاة باطنًا وظاهرًا بحيث ترتفع الكدورات من الاثنين أصلًا فإن شاطرتني على هذه الشروط كما ذكرت فأنا أتعاطى أسباب التدارك في هذه القضية وإن أبقيت في نفسك شيئًا من نقص فلا يفيدنا ذلك شيئًا بل ربما وقعنا في بلية ولا تنتج أمورنا ولا تنجح
[ ٧٤ ]
آراؤنا، فوافقه الدب على ذلك وعاهده وصفا باطنه وصدق في مودته وألقى زمام تدبير الأمور إليه وعول في هذه المهمة عليه وذلك بعد الإيمان الأكيدة والعهود الوثيقة الشديدة أنه أزال ما في باطنه من الكدورات أصلًا ولم يبق لها في قلبه مكانًا ولا محلًا.
فتوجه مبارك الميلاد إلى منزل العادل وذكر له ما جرى بينه وبين الدب وأخبره أن المكارم لا تكون إلا من الكرام وأن انتهاز الفرصة في وقت الذلة سيما اللئام وأن السعي لإزالة الحقد محموده والمشي في طلب صفاء ذات البين موارده عند الكرام موروده. وأنت أيها العادل من أهل الصلاح وسيمتك الخير والنجاح وأعلم أن لو كانت هذه الزلة في شيمتك صدرت منه لسعيت له لأجل التجاوز عنه وإن كان الرئيس متصفًا بصفتك إلا أنه بوجودك معنا لا يخرج عن مشيمتك. فلما سمع منه العادل هذا الكلام اعتدل واستقام ووثب معه وقام وتوجها إلى الرئيس واعتذر له من جهة الوزير وقال له: إن كنت ممن يحب المشاغبة والمتاركة والجزاء على أمثال هذه المشاركة فهذا غير الجبلة والفطرة لأن الوزير ما قام بما قال إلا موافقة مراد مولانا خوف أن يستغشه في الصحة وبعد التبين يتكلم بالمحبة على أن الوزير صرح بأن هذا ما صدر منه إلا في معرض السهو والخطأ وما عني الأذى والإختطا.
[ ٧٥ ]
أقر بالذنب ثم اطلب تجاوزه فإن جحود الذنب ذنبان
ومع هذا فهو واقف موقف الندم يرجو عفو مولانا فيما زلت منه فيه القدم وما زال يتعاطى أسباب الموجبة للصفاء والمودة وتأكيد المحبة والصحبة حتى انعقدت بينهما كما ينبغي وتأكدت كما يجب.
ثم توجه العادل ومبارك الميلاد وصحبته الوزير إلى حضرة املك ووقفوا في مقام الخدمة والشفاعة في الرئيس إلى أن عطفت عليه جوانحه ووقع كلامهم منه في محل القبول فأمر بإحضاره فحضر مكبلًا في حديده مغبرًا في صعيده ووقفوا به في مقام الخدمة والخجل والإفتقار فقال الملك: أما سمعت يا رئيس قول القائل إياك وما يعتذر منه وقالت الحكما: إذا كان أحد في خدمة الملك فينبغي أن لا يفوه بكلمة حتى يشيرها أولًا بميشار الفكر ويقيسها بمقياس العقل ويزنها بميزان الحكمة ويعايرها بمعيار التدبير ثم يعبر عنها بأرشق عبارة وألطف خطاب ولا يتكلم بكلمة تورثه الندامة وتعقبه الملامة كما جرى لرأي ملك الهند مع محذومه فقال الحاضرون: أخبرنا يا ملك الزمان عن كيفية هذه الحكاية.
[ ٧٦ ]
قال الملك: بلغني أن ملك الهند كان في خدمته نديم فاضل ثقيل الرأس خفيف الروح فكان في بعض الليالي في خدمة مخدومه فطلب منه أن يحدثه بأحاديث مختلفة ثم جرى على لسانه أن قال: رأيت في عراق العرب حيوانًا في شكل الطير والجمل يأكل الحصا فتذيبه معدته ويبتلع الحديد المحمي قلا يضره فأنكر الحاضرون ذلك وقالوا حيوان من لحم ودم يأكل النار لا يتصور ووافق الملك على ذلك فخجل النديم وتندم على حكاية ذلك وودان لو كان لم يذكر هذا الحديث، ولزم من هذا أنه يتوجه إلى عراق العرب فوصل إلى بغداد وحصل من النعام عدة وتكلف في حملها وإيصالها إلى بلاد الهند وأنفق عليها أموالًا عديدة وتحمل ما ادعاه حتى وصل إلى الهند وأخبر الملك بذلك فأحضر ما وصل من النعام بين يديه وطرح الحديد المحمي والحصا أمامها فما تتمالك أن أكلت منه فتعجب الحاضرون من ذلك وصدقوا فقال
[ ٧٧ ]
النديم: يا مولانا الملك أنفقت أموالًا كثيرة وقاسيت مشقة عظيمة حتى ظهر صدقي فقال الملك: نعم ما فعلت ولكن كلام يحتاج قائله إلى إنفاق أموال جسيمة وتحمل مشقة عظيمة وتعب البدن والروح وصرف مدة من العمر لا يتفوه العاقل به.
وإنما أوردت هذه الحكاية ليتأدب جلساء الملوك وندماؤهم لئلا يفعلوا شيئًا يحتاجون معه إلى غيرهم أو إلى مكث في الحبس واستعمال جماعة من الأصحاب في السعي إلى تدارك ما يترتب عليه من الخزي والنكال وتحمل منتهم وجميلهم، فقام مبارك الميلاد وقبل الأرض وقال: يا مولانا الملك كل هذا سعادتك وبركة ملاحظتك، وكان سعد الرئيس قد أدبر فانعكس عليه أمره فلما أقبل سعده استقام أمره ونظير هذه الحكاية حكاية الملك كسرى مع غريمه اسد: وكيف كانت تلك الحكاية؟
قال مبارك الميلاد: خرج على كسرى بعض الملوك وجاهره بالعصيان وابتدر لمحاربته فاستعد كسرى وتوجه لقتاله وتواقعا الحرب فيما بينهما فانكسر ذلك الملك الخارج عليه ونصر كسرى عليه فقبض عليه وتفرقت عساكره كلها وحمل إلى كسرى مغلولًا مذلولًا فعاتبه ثم من عليه وأعتقه، فلما تفرقت عساكره التمس من كسرى أن يقيم عنده تحت كنفه أيامًا إلى أن
[ ٧٨ ]
يختار التوجه بنفسه فأنعم له بذلك وأنزله في حديقة يانعة مشتملة على نخيل وأشجار وأزهار وأنوار فالتمس من صدقات كسرى من بين تلك النخيل نخلة يابسة فاستخف كسرى عقله وقال أنا وهبتك هذا البستان برمته قال: لا أريد إلا نخلة يابسة فأنعم له بذلك أيضًا وكان كل يوم يجلس تحتها. ومر على هذا مدة إلى أن جاء الأوان فاستأذن كسرى في التوجه إلى مملكته فسأله كسرى عن ذلك فقال: يا مولانا إن طالعي كان قد انعكس وسعدي أدبر وكل حركاتي كانت غير سديدة ولو كنت توجهت قبل ذلك ما انتظم لي أمر ولا صلح لي حال ولا استقام لي رأي فجربت أمري بجلوسي تحت تلك النخلة اليابسة فإني كنت لفقت من أقوال الحكما أن السعد إذا أقبل يصير اليابس أخضر فكنت أجرب ذلك إلى أن رأيت هذه النخلة اليابسة قد اخضرت فعلمت أن السعادة قد أقبلت والنحوس أدبرت والأمور استقامت فعلمت استقامة أمري ونفوذ قهري فرجعت لذلك وطلبت دستورًا إلى من هنالك.
[ ٧٩ ]
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن استقامة أمورنا إنما هي من سعادة مولانا الملك وقوة سعده ولمن طلعته وطالعه وكما أن الرعية لا يستقيم لها حال إلا بالملك كما قيل شعر:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلًا فاحكم على ملكه بالويل والحزن
كذلك الملك لا يكون ملكًا إلا بالرعية والله تعالى قد أحوج الصغير للكبير ليسوس أمره وأحوج الكبير للصغير ليخدمه. ونظير هذه الحكاية حكاية الشبيطر مع العصفور في زمن سيدنا سليمان ﵊ وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم فقال الأسد: أخبرنا كيف كانت تلك القضية؟
فقال مبارك الميلاد: قيل إن سليمان ﵇ كان يومًا في سيرانه فمر على شجرة دلب عليها وكر شبيطر وقد عشش في وكره عصفور وهما يتخاصمان في شأن ذلك فقال الشبيطر للعصفور: اشكر لي ولجواري إذ لولاي ما أبقتك الحية ولا شيئًا من فراخك وأنا أحميك شرها وأمنعك ضرها، فقال له العصفور أنت أيضًا أشكر لي صنعي إذ لولا أحاطني بك لما أبقى النمل من فراخك شيئًا فكل منهما يمن على الآخر بجواره. ثم قال ا؛ دهما للآخر نحن كلنا ندعو لنبي الله سليمان عليه أفضل الصلاة والسلام إذ هو ملك العصر ونحن في أمان به ونحن كذلك نحمد الله تعالى ونشكره ونكثر الدعاء لمولانا الملك بدوام أيامه حيث ملكه الله علينا إذ هو ملك الوحوش الأكابر والأكاسر الضواري للكواسر وشامل بفضله المساكين والأصاغر وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
[ ٨٠ ]