في معاملة المخاديم
والأصحاب
[ ٢١٩ ]
فراغ
[ ٢٢٠ ]
قال الحكيم مرزبان: ثم إن السلطان طلب اليعقوب واستدعاه وإلى الخلوة دعاه وقال له: أعلم يا جليس الخير ويا أنيس الطير ورئيس الدير أني تحملت من اليؤيؤ المنة الكثيرة والجميلة القريرة وحيث أرشدك إلى بابي ونظمك في سلك أصحابي ولا جرم أنه قام بما يجب عليه وعرف مقدار إحساني إليه وأنه أوثق أعواني وأصدق خلاني وصاحب قديم وخديم عديم النظر نديم وصديق كافي وخل مصافي وأنا أتيمن بطلعته وأتبارك بمشاهدته وأستنجح بآرائه واستضئ في المهمات المظلمة بأضوائه ولقد حصل مثلك على ظهره وساعد وذخر مساعد فإياك أن تترك ذيل مودته أو ترغب عن صحبته ومحبته ومودته، ولا تقتصر يا ذا الوقوف في المحبة والوفا بل اجتهد في ذلك يومًا بعد يوم ولا تأخذ عنه مصرفًا وكررا ورادا الولاء والثناء دائمًا شهرًا وعامًا ويقظة ونومًا فأفضل المحبة ما تزايدت على ممر الدهور وتضاعفت وتأكدت على كر العصور وثبت أصلها وغرزت فروعها وفاض من سويد القلب على مجالي الجوارح ينبوعها بحيث يقع الاتفاق ويمتزج الوداد والوفاق.
[ ٢٢١ ]
وقد قيل لا تصح المحبة بين اثنين حتى يصيرا كالعينين حيثما نظرت إحداهما إلى سرور مالت إلى جهتها الأخرى تابعة لها بل يصير كالنفس الواحدة تكفيهما أكلة مفردة ويكون كل منهما مع الآخر على حدة سرورهما واحد وهمهما متحد التواجد قد ملأت المحبة قلبهما فلم تجد الزيادة بدًا معهما كما قال شاعر الملاحدة:
ملأت حشاشتس ودًا وحبًا فإن ترم الزيادة هات قلبا
والفتاح عنده الفتوح وباب الزيادة مفتوح وانظر ما قيل يا ذا العلم العريض الطويل:
أيها السائل عن قصتنا أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنًا من رآنا لم يفرق بيننا
نحن مذ كنا على عهد الهوى تضرب الأمثال للناس بنا
وألطف من هذا وأحسن ما قاله القائل وأحسن
أنا والمحبوب كنا في الأزل نقطة واحدة من غير مين
فبرأنا الله قد أوجدنا مهجة واحدةً في بدنين
فإذا ما الجسم أمسى فانيا تلقنا واحدًا من غير مين
ولقد ذكرت اليؤيؤ عندي بأنواع الفضل وبوفور الحكمة وأنواع التجارب والعقل وهذا يدل على نصحه ووفور دينه وصدقه في المحبة وقوة يقينه ولم يذكر غير واقع ولا جازف فيما أنهاه على السامع، بل قال قليلًا من كثير وقطرة من غدير ولا أخبر بذلك غير خبير بعواقب الأمور يصير فإني عرفتك كما عرفتك كما عرفت ووقفت على فضائل شمائلك كما وقفت وكل ذلك فوق ما وصف فأريد منك فوائد تكون فرائد لنحور أرباب ذوي العقول قلائد ولضبط أساس الملك والدين أحكم قواعد وعقائد فتلقى مرسومة بالامتثال، وقبل الأرض وقام في مقام العبودية والإجلال وقبل بعد أداء العبودية وظائف السنة وأدى ما عليه بكامل الأوصاف المستحسنة بقوله
[ ٢٢٢ ]
أعلم يا ملك الزمان أن الملك العادل أنوشروان كان بنى أساس مملكته على العدل وعامل رعيته بالإحسان والفضل ويكفيه من الفضائل والشمائل قول سيد الأواخر والأوائل: ولدت في زمن الملك العادل وأنعم بها من مقالة أكرم قائل وقال الرحمن في محكم القرآن أن الله يأمر بالعدل والإحسان وقد قيل في الأقوال لا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال ولا مال إلا بالعدل ولا ملك إلا بالفضل، ومن أقوى الصفات العدلية عمارة بلاد المرعية وبذل الجهد في العمارة ليكثر الربح وتقل الخسارة فإذا غمرت البلاد وترممت الطرق والتلاد وكثرت الرجال حصلت الأموال.
ولقد بلغني أيضًا يا ملك الزمان أن الملك أنوشروان كان مارًا في سيرانه بين جنده وأعوانه إذ رأى شيخًا كأن قامته قوس من خيزران وقد نثر الزمان على رأسه ووجهه أبيض القطان وهو في بعض البساتين يغرس قضيب تين العناء هارب من انحناء قامته وبياض هامته على شدة حرصه وتصبه في نصبه وغرسه، فقال له يا ذا التجارب ومن هو من شرك العنا فهارب إلى متى ترتع في ميادين الأمل وقد تطوفت بشائبة الأجل وأركان جسدك واهية وتغرس وإعجاز نخل بدنك خاوية نسيم طرواتك تبدل بعواصف الذبول وقوى عبالتك ذرها عواصف النحول! أما آن أن تغرس للآخرة وقد كنت عظامًا نخره فقال له الشيخ: أيها الملك العادل والسلطان الفاضل الكامل قد تسلمناها عامرة فلا نسلمها إلا عامرة وقد غرسوا وأكلنا ونغرس ويأكلون وفي الحقيقة كلنا زارعون وغارسون:
لقد غرسوا حتى أكلنا وإننا لنغرس حتى يأكل الناس بعدنا
وأبعد فلاح عن الرشد والفلاح من يستلك الدثور ويتركه وهوبور، فأعجب الملك من وفور عقل الفاني وحسن خطابه
[ ٢٢٣ ]
وسرعته في مفحم جوابه فقال لست بمجهلك حتى تأتيني بباكورة هذا البستان وإلا قطعتك في ميادين الخزي والخذلان فطال به العمر وأدرك ما نصبه ولم يخيب الله تعبه فحمل إلى الملك الباكورة ووقاه الله سيئاته وغدورته.
إنما أوردت هذا المثل لتعلم أيها الملك أن الأجل والدنيا وإن كانت ظلًا وائلًا وحائطًا مائلًا فهي مزرعة الآخرة وأن الآخرة هي الدار الفاخرة ثم إن الله تعالى ولاك هذه المزرعة وعلق أوامرك العلية بما لها من مضرة ومنفعة وحكمك في البلاد وملكك رقاب العباد فإياك أن تبورها عن الزراعة وتسلك زمام تدبيرها إلى يد الإضاعة، فإن عساكرها بها منوطة وأحوال مملكتك بالعساكر مربوطة فكلما تعمرت الضياع والقرى ترفهت أحوال الأجناد والأمراء واستراحت الرعية واستمرت مناظم الملك مرعية وتوفرت الخزائن واطمأن الظاعن والساكن وقلت المظالم وكف كف الظالم وملاك كل هذا العدل والاستوا ومجانبة الأغراض الفاسدة والهوى وهذا الذي هو يقتضيه مقامك ويتم به مرامك، فإن الملك إنما هو ملك الرعية والأجناد ولابد لإقامة الأجناد من عمارة البلاد والنظر في مصالح العباد لينتظم بنظره مصالح العالمين ويستقين به أمر المسلمين إلى الحين الذي قدره رب العالمين، فإن سنة الله تعالى جرت على هذا السنن وما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن ولهذا قال سيد سكان الخيف المنزه عن الحيف: أنا نبي السيف والجهاد فرض عين على الملوك لا على الفقير والصعلوك فهم من نوع من العبادة يقتضي من المال زيادة ليقيموا من الدين عماده ويقفوا من الشرع مراده ويعتصموا من الكفر عناده ويبيدوا أهله وأولاده وينهبوا طارفه وتلاده ويوطنوا الإسلام وبلاده وعلى كل ملك فرض أن يبذل في ذلك اجتهاده ويجعل إلى الآخرة زاده وعتاده ويحفظ من الكفر
[ ٢٢٤ ]
بلاد الإسلام وعباده إلى يوم يلقى معاده ويجازيه بالحسنى وزيادة. وهذه أيها الملك طريقة الملوك ومن إنسهم بسهم في هذا السلوك وإياك أيها الملك العظيم وصاحب الملك الجسيم الأخذ للمال من غير حله ووضعفه في غير محله ولو كان موضع الخير أو قصد به نفع الصغير فإنه لا ينبغي خيره ولا يفي بشره بل ولا يقوم نفعه بضره وذلك كلوازم الفارس وبنيان المدارس وتعيين المساجد وتعمير المعابد وسد الثغور وعمارة القناطر والجسور والقبور وعمل مصالح الجمهور على أحسن وجوه المعمور وإطعام الطعام وكفالة الأيتام والحج إلى بيت الله الحرام وزيارة النبي ﵇ لا كمن مثله الوبيل وعمله الذي فيه قيل:
بنى مسجدًا لله من غير حله وكان بحمد الله فيه غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد فرجها لها الويل لا تزنى ولا تتصدقي
وقال من لا تخفى عليه الخافية: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ثم خبر عن ما يناله مما تعلمونه، فقال ولكن يناله التقوى منكم فإن توقع من هذا أجر فهو خسران وكفران ذلك استهزاء واستخفاف وهل يطلب لقبيح الحرام حسن الجزا بل الواجب رد المظالم وخلاص ذمة الظالم ورد الحقوق إلى أهلها وإيصالها إلى محالها وما يرضي ظالم غوى يحل الحرام محل الهوى أن يخرج من الدنيا سواء بسوا وإن كان والعياذ بالله صرف ذلك على الفسق والملاه ونيل الأغراض الفاسدة وقامة الحاجة فهو في أشد النكال وأعظم الهوان والخسران والوبال. وهذا مقام يطول فيه الكلام وأقل ما في الباب أن الجلال حساب والحرام عقاب وعذاب وقد سمعت يا جليل القدر ما نطق به ذلك الصدر الذي أخجل نور جبينه البدر سيد الأنام ومصباح الظلام وحبيب الملك العلام محمد المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام يومًا لأصحابه الغر الكرام رضى الله
[ ٢٢٥ ]
عنهم وأرضاهم وجمعنا في مستقر رحمته وإياهم: أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إن المفلس متن أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي أخذ من خطاياهم فطرحت عليه وقال أيضًا أفاض عليه سحائب فضله فيضا إنكم لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجمامن الشاة القرنا هذا إذا كانت هذه الخيرات المأتي بها من هذه الطاعات قد حصلت من المكاسب الطيبات والمرابح المستحسنات فهي على هذا الحصر من غير ريب ولا غدر، وأما إذا كانت من الحرام فقد حرفها الكلام ولأجل هذا الخطب الجسيم والخطر العظيم تورع من الحلال الزاهدون وشمر ذيل الرغبة عن التلوث بالدنيا العابدون. قال سيد البشر الشفيع في المحشر: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء. وقال ﵊ على ممر الليالي والأيام: اللهم اجعل رزق آل محمد في الدنيا قوتا ولا بد للملوك من خمس خصال: الأولى اجتناب التبذير، الثانية مراعاة النفس والتأمل في حالة الرضى والغضب، الثالثة تقديم مصالح رعيته على مصالح نفسه، الرابعة لا يمكن القوي من الضعيف، الخامسة لا يقدم أحدا على العلم والعلماء وليتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. قال ﵊ من قتل عصفورا عبثا جاء العصفور يوم القيامة وله صراخ عند العرش يقول يا رب سل هذا فيما قتلني من غير منفعة. فلما انتهى الحجل في الكلام إلى هذا المقام قبله العقاب بين عينيه وزاد في تقريبه إليه ومكانته لديه وإنعامه عليه.
[ ٢٢٦ ]