في أمثال الفيل والأسد
ومحاربتهما
[ ١٠٧ ]
فراغ
[ ١٠٨ ]
قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في بعض جزائر الهند جزيرة تشتمل على طائفة من الأفيال ولهم ملك عظيم فبلغه أن في بعض الغياض والأجم مكانًا في غاية النزاهة ذا أرض خضرة ومروج نضرة وروائح عطرة وأزهار نورة ومياه جارية وفواكه كثيرة ونعم غزيرة وبها أسد عظيم هو ملكها وتحت يده كواسر الوحوش، وهو سلطان تلك الغياض والوحوش فارتاحت نفسه إليها وأراد استخلاصها من يد أصحابها وكان له أخوان ووزيران أحدهما واسطة خير يسمى مقبلًا والآخر واسطة شر يدعى مدبرًا فاختلى بهما واستشارهما فيما عزم عليه فقال المقبل: يا مولانا الملك لا تفعل فإن بها صاحبًا هو ملكها وهو جار الملك وله حق الجوار ولم يبدلنا منه ضرر ما والملك أيضًا لم يعهد منه غدر ولا طمع ولا حدث منه شر خصوصًا في حق جيرانه وما قضى عمره وأيامه إلا في فعل الخيرات ودفع المنكرات وهذا الذي اشتهر عنه. ولقد سمعت من نصائح الحكماء ثلاث نصائح: الأولى أحذر أن تقع في دم بغير حق والثانية إياك وأموال الناس بغير طريق استحقاق،
[ ١٠٩ ]
الثالثة إياك وهدم البيوت القديمة، ولاشك أن الأسد من أهل البيوت الملك وهو عريق في مملكته، وأعلم أيها الملك أن الله تعالى قد أفاض على كل واحد من المخلوقات يستحقه من نعمة وصداقة، وأقام الأسد في ذلك الأماكن، ولولا أنه مستحق لذلك ما أقامه فيها فلا ينبغي أن ينازع فيما أنعم الله تعالى عليه به خصوصًا لك لئلا تدخل في حيز قول الله تعالى (أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله)، وكما قيل شعر:
يا أحمد اقنع بالذي أوتيته إن كنت لا ترضى لنفسك ذلها
وأعلم بأن الله ﷻ لم يخلق الدنيا لأجلك كلها
فالتفت الملك إلى وزيره مدبر وقال له: ما ترى أنت؟ قال يا
[ ١١٠ ]
ملك الذي قاله مولانا الوزير هو عين النصيحة ولكن لم تزل الملوك تطلب الترفع على أقرانها وفتح البلاد لتكثير خراجها وأخذ الولايات والاستيلاء على الأقاليم، مع أن الأسد حيوان ظلوم كاسر ومشؤوم جاسر فخلاص الرعية من شره واجب على كل أحد ومولانا الوزير كأنه لم يقف على ظلم الأسد للرعية واعتدائه عليها بحيث أنها طالبة لمن ينقذها من شر الأسد ومتطلعة لمن يتصدى لطلب السلطنة وإقامة ناموس الملك ينبغي أن يكون له كل يوم فتح جديد وازدياد ما له من العساكر والجنود والأنسب إلى قصور الهمة وعدم كشف الغمة. نعم وإن كان هذا يستدعي إلى صرف أموال وجمع قروم من الرجال لكنه يكون سببًا في تعمير خزائن الملك وتكثير عساكر الجند فإن مولانا الملك يحتاج إلى ملء خزانته لأن كل وارد عليه طامع في إنعامه وصدقاته فإذا لم تنل ما تؤمله نقصت رغبتها ونفرت خواطرها والذي يقتضيه جفاء الحاكم عدم ذلك كله وحيث كان الأمر كذلك فالمرأى عندي إنقاذ ما عزم عليه الملك وإبراز ذلك من قوة الفكر إلى قوة الفعل.
فلما سمع الملك ذلك ثنى وجهه إلى مقبل وقال: لا تبق في هذا الرأي مجهودًا وابذل ما يسمح لك فقال المقبل: أفعل يا مولانا الملك شرط أن تقبل ما أقول وأعلم أيها الملك أن الحكماء قالت إن كل من طلب نفع نفسه بمضرة غيره فإنه لا يمتع بتلك المنفعة ولقد صدقوا هذا على تقدير حصولها والظفر بها وإن لم تحصل هلا يزداد إلا توزيع الخواطر وتفريق البال والندم والخسران واكتساب السيرة السيئة وكل من أراد الظفر بمظلوم واقتصر على تمشية هوى نفسه وأنه أحق بذلك من غيره فإنه لا يسلم أبدًا من الأفكار والهموم ولا يكاد يصفو له الزمان، وأما كون الخرج أكثر من الدخل فقد قيل شعر:
[ ١١١ ]
قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير مع الفساد
والأصل في هذا كله التدبير وحسن التصرف وشيء يحتاج في تحصيله إلى بذل أرواح وأموال وأجساد وتعب قلوب وبعد حصوله يتكلف إلى احتمال الهموم والغموم، وآخر الأمر يخرج من اليد ولا يبقى إلا حسابه وتبعاته فجدير بأن لا يلتفت إليه ولا يهتم بشأنه ويستغنى عنه بغدر الطاقة والأمر كان وإلا فمثل الساعي في بقائه والقاصد إلى دوامه وعدم بلائه كمثل كسرى لما مات ولده وحصل له الوجد عليه والاضطراب ونبهه على خطيئته البهلول لما دخل عليه. قال الملك: كيف كانت تلك الحكاية أخبرنا بها.
قال المقبل: ذكروا أن كسرى أنوشروان كان له ولد يخجل الغصن حال قيامه والبدر ليلة تمامه والغزال بلفتاته والمسك بشاماته وكان به معجبًا وتصور لفرط شغفه به وحبه له أنه لا يموت فاتفق أنه أدركه الأجل المحتوم ووافاه في اليوم المعلوم فاضطرب كسرى لموته وكاد أن يضطرم نارًا لفوته وما قر له قرار ولا طاوعه ثبات ولا اصطبار فوعظه العلماء فما أفاق وثبته الحكماء بضرب الأمثال
[ ١١٢ ]
فأعياهم المراد، وكان في بلده بهلول يتردد إليه ويدخل في أكثر أوقاته عليه فدخل عليه ذات يوم من الأيام وهو في حالة لا تسر صديقًا ولا ترضي جاهلًا ولا رفيقًا فسأله البهلول عن حاله وما أوجب توزع باله وتفسير أقواله وأفعاله وخطاباته وأحواله، فقال: يا بهلول عدمت ولدي قرة عيني وراحة روحي وجسدي ولا صبر لي على فراقه ولا لقلبي معين على لهب احتراقه فقال له البهلول: يا أخي إن عيسى ﵇ شكى إليه بعض أصحابه ما تشكوه أنت، فقال له عيسى ﵇: كن لربك كالحمام الألف يذبحون فراخه ولا يطير عنهم، ثم قال البهلول لكسرى: وأنا أسألك سؤالًا فأجبني عنه بجواب شافي إن كنت ترجو أن ذكرك لا يموت، قال كسرى: ولكن أردته يعيش ليمتع بحياته ويتلذذ بطيب المآكل والمشرب ونعيم الدنيا برهة ثم يقضي نحبه، قال بهلول: هب أنه عاش الأجل الذي كنت تريد أن يعيشه أفكان يذهب معه من طيب عيشه شيء أو يغني عنه شيئًا حين فراقه قال: لا قال: فلا فرق الآن بين طويل عمره وقصيره وكثير تمتعه ويسيره كما قيل:
وإذا كان منتهى الأعمار موتًا فسواء طويله والقصير
أو كما قيل:
فعش ما شئت في الدنيا وأدرك بها ما شئت من صيت وفوت
فحبل العيش موصول بقطع وخيط العمر معقود بموت
فهب أنه عاش ما أردته يعيش ويأكل ما أردته يأكل ويتنعم ما أردته يتنعم ما آخر ذلك؟ قال: الموت والفوت قال: فهو الآن كغد قال كسرى: نعم الناصح أنت وسكن بعض ما يجده فقال المدبر: ثلاثة أشياء ينبغي أن يتفكر الإنسان في عواقبها، الأول: سفر البحر
[ ١١٣ ]
فإن طالب الجواهر النفيسة والأموال الكثيرة يركب البحر ولا يتفكر في الغرق، الثاني: المقدم على الحرب ومقارعة الأبطال لا يتفكر في الكسرة والجراح والموت، الثالث طالب الرياسة والملك لا يتفكر في اقتحام الأخطار والمشاق كما قيل:
بقدر الكد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي
تروم العز ثم تنام ليلًا بغوص البحر من طلب اللآلي
وقال غيره:
إذا المرء ألقى بين عينه عزمه تنكب عن ذكر العواقب جانبا
قال المقبل قال الله تعالى: (وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم أولو الألباب) المميزون بين الخطأ والصواب الناظرون في أوائل الأمور عواقبها آمنون من النوازل في تجشها حتى قالوا إن الثعلب المتأني في بيته المتحصن داخل جداره له قوة الأسد الآتي من خارج ولا شك أن انزعاج العساكر المتوجهة إلى قتال من هو ساكن في بيته متحصن في قلعته غير محتاج إلى إخراج أموال وإزعاج رجال وتحمل أخطار وتحتم أسفار ليس من رأي الصواب لأنه موجب لأخذ صغار تحت الأقدام وهدم دور وقطع أرحام وبذل أموال وفقد جملة من الرجال، ومع هذا فحصول المقصود أمر متوهم فإن حصل فقد مر لأنه لا ثبات فيه ولا تمتع وإن لم يحصل فكم من دماء تراق وكانت مصونة وأموال تهلك وكانت مضمونة وأعراض تهتك وقد كانت مختومة وأنفس تذل وكانت عزيز مكرومة، بل ربما اتفق أن من نجا برأسه ربح وإنما قررت هذا التقرير لأن العاقل كما يحسب حساب الربح يحسب حساب الخسارة وكما يتصور الجيد يتصور الردي وهذا كله من العاجلة فضلًا عن المحذورات الآجلة ومن غضب الله وعقابه وتوبيخه وأليم عذابه والعياذ بالله
[ ١١٤ ]
تعالى إذا أخرج الأمر من اليد وذهب المال والرجال فأي حرمة تبقى له من الهيبة بين الرجال وكيف يستقر ملكه أو يدور عليه سعد فلكه فلا تخافه الرعية ولا يرجونه ولا يسمعون كلامه ولا يطيعونه ويصير كالسحاب الخلب لا يوثق منه بوعد ولا يحصل منه مطلب لفرد أو وفد، إن تكلم أبوا كلامه وإن حكم تقضوا أحكامه وإن حلم عنهم قالوا عاجز وإن تقدم في الحرب قالوا معتوه مبارز وأما الغني فهو على غير هذه الأحوال لأنه إن زاول أدنى فعل رفعت إليه بسببه العيون وكان من بينهم هو الأجل العظيم فإن أعطى قليلًا استصغروا حاتمًا عنده وأطنبوا بلسان شافي في شكرهم رفده وإن بخل عليهم قالوا مدير غير مضيع ماله وإن كذب صدقوا مقاله واستصوبوا حركاته وترشفوا كلماته وقد قيل شعر:
إن ضرط الموسر في مجلس قيل له يرحمك الله
وإن عطس المعسر في مجمع ساءوا وقالوا فيه ما أشناه
فضرطة الموسر عرسه وعطسة المعسر مفساه
ولقد نقلت من أقوال الحكماء ونصائح العلماء أن الفقر يشيب الفتيان ومسقم الأصحاب ومبعد الأقارب وقاطع للرحم ومبغض للأحباب، وفي الجملة فالذي يجب على الملك أن يتفكر في مبادئ هذا الأمر ويتأمل في عواقب هذه الحركة ولا يقدم على هذا الأمر ولا يتحرك لهذا الوارد إلا بذهن صافي ورأي كافي ولا يعتمد على الحول والقوة قوة الشوكة وكثرة العدد وإمداد العدد مع عدم الاكتراث بالأخصام وقلة المبالاة بكل أسد ضرغام فإن الأسد سلطان السباع وهو ملك مطاع كثير الجند والاتباع شجاعته مشهورة وبسالته مأسورة به يضرب المثل ويشبه به كل بطل، ونحن إن كانت عساكرنا كالجبال تهدم الحصون وتهلك التلال لكن ما
[ ١١٥ ]
جربنا مصارعة الأسود ولا مارسنا مقارعة النمور والفهود ولا نعرف طريقة بلادهم ولا طريق جلادهم وإن لهم في الحروب أساليب وفي افتراس الفرائس أنياب ومخاليب، فأخشى أن لا تتم هذه الأمور وتقصر حيالنا عن مصادفة ما لهم من قصور ويرجع وبال هذا الأمر علينا إذ ابتداؤه منسوب لنا وإلينا ولا يحل بنا إلا الندامة والتقريع والتوبيخ والملامة ويخاطبنا القائل بما قيل:
بيني بأنقاض دور الناس مجتهدًا دارًا فتنقض يومًا بعد أيام
قال المدبر: لاشك أن هذا الكلام صادر عن فكر بعيد ورأي سديد وتأمل في العواقب مفيد أصله الحكمة وفرعه الشفقة وثمرته المعرفة والفطنة، ولكن من حين قامت الدنيا لم تزل الملوك تطلب الولايات الواسعة وتقصد الأقاليم الشاسعة وتروم الرفعة على الأقران وعلو المكان بقدر الإمكان وكيف يتصور أن الملك تكون همته أدنى من همة تاجر يطلب الربح لأن التاجر إذا تفكر في لذة الربح ورغب في زيادة المال يضع جميع ماله من مال في سفينة لا عقل لها ويركب هو أيضًا فيها ولا يبالي بالغرق ولا يذكر خوف اتلف ويسلك قياده إلى مصرف الهواء ونفسه وماله إلى حاكم المال ويعمل بموجب ما قيل:
وإنا أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر
وأما قولكم إن العساكر تملك البلاد ولا معرفة لهم بمصادمة الأسود ومقاومة تلك الجنود، فأعلم أيها الوزير أن الأسد ملك كاسر وعلى سفك الدماء جاسر لأن في رعيته من أذاه وابكاه في ذروته وأنكاه واسترعاه قسرًا واستولى عليه جبرًا وقهرًا منتظر لبقاء عين الزمان متوقع انقلاب الحدثان مترقب معنى ما قيل إذا لم يكن للمرء في دولة امرءٍ نصيب ولا حظ تمنى زوالها.
[ ١١٦ ]
وعكس هذا ما قيل:
إذا كان للإنسان في دولة امرءٍ نصيب وإحسان تمنى دوامها
فما سمع بأحد خرج على الأسد ولو كان أقل العمال فضلًا عن ملك الأفيال بل فيل الأفيال العادل في رعيته البار بأهل ولايته ومملكته المشفق الحكيم الرؤوف الرحيم فبالضرورة يبادر إلى الملاقاه ويغتنم عودته للملك وبعدها غاية مرتجاه فيدل على عورات العدو ويصف عثراته ويرشد إلى طريق نكاياته ونكباته وأيضا في ذلك الإقليم من هو منتشب بأمر جسيم من مال وأولاد وعقار وبلاد وسوائم ومواش وأثقال وحواش ولا يمكنه التحول عن طريقنا ولا التحول لوعودنا فيدع بالطاعة ويتشبث بذيل سنتنا مع الجماعة فنستمد بآرائه ونستفيد فيما نحن بصدده بدوائه. فقال الملك المقبل ما الجواب عن هذا الخطاب؟ قال المقبل: نعم هذا المقال وإن كان لا يخلو عن الاحتمال وإن وقوعه غير محال لكن الأقرب إلى الذهن أن هذا لا يقع فإنه أمر مبتدع فإن طبائعنا مباينة لطباعهم وأوضاعنا غير أوضاعهم وناهيك بقوم نارية طباعهم الحرارة فيما بينهم يمزق بعضهم بعضًا ويتحاورون فيما بينهم عداوة وبغضًا حتى إذا دخل بينهم ذئب أو حيوان غريب عنهم توجهوا كلهم إليه واتفقوا بأجمعهم عليه فمزقوه أديمه وهتكوا حريمه وجعلوا الحمد لجماعتهم وليمه وعند الأسد من الوحوش أنواع جسيمة ما بين أفهاد وضباع ونمور وسباع وثعالب وأرانب وذئاب وذوات مخالب وكل من هؤلاء له على خصمه درية في مشاورته ووثبة في مصادمته وأنواع في الكر والفر وزوغان في الخير والشر وليس في عساكرنا سوى الصدمات والحطم بقوة النهضات والعزيمات وإن أقرب شيء إلى الرأي عدم الإفادة والراحة أولى من الإبادة وأن لا يفيد شيء من هذا الاضطرام سوى التولي والانهزام.
[ ١١٧ ]
فلما بلغ الكلام والنصح من مقبل إلى هذا المقام وكان رأي المدبر رسخ في خاطر الملك لأن النفوس بطبعها مائلة إلى الفساد والتولي عن النصيحة والعناد لم يعد كلام المقبل شيئًا فأخذ في أسباب التوجه إلى محاربة الأسد وأمر بفتح الخزائن وتجهيز الجنود وسار إلى جزيرة الأسد فعندما حل بساحتها أطلع الأسد على هذه الأحوال وسمع هذه الحركات والأقوال وعاين الفيل مكابدة الأسود ومكايدة النمور والفهود ورأى من مقارعتهم مصادمة الجبال وعدم معرفة الموت والوبال زاغ كأنه وطف أو ولد قهر ولايات الأسد فأخبر أنه قدم جزيرة الأسد، للتنزه وتغيير الهواء والكد فأنكر الأسد في نفسه هذه القضية وعلم أن هذا الكلام خداع ودهيه وإن هذه القضايا لابد فيها من إراقة دماءٍ وخراب أماكن وهلاك رعايا سواء تمت للأفيال هذه الأمور أو لم تتم ما عزمت عليه من الشرور، فأخذ يضرب أخماسًا إلى أسداس وخاف على سكنه وخراب وطنه واستئصال أولاده وذهاب طريفه ومتلده وكل هذا والأسد منتظر الوقوف على حقيقة ذلك الأمر. فبينما هو كذلك إذا قبل عليه مقبل وأخبره الخبر ليكون له حظوة عنده يتداركه بها لحسن آرائه ويصير ممنونًا بحسن تدبيره وإمضائه ويصير له عند الأسد بذلك وجه ويد ورجع مسرعًا إلى ملكه بعد أن أطلع الأسد على حقيقة الأحوال وما عزم عليه ملك الأفيال فنادى الأسد في جيشه بالحرب والغزو فتشوشت الخواطر وانصدعت الأصاغر والأكابر ورسم باجتماع رؤوس مملكته وأعيان خاصته ورعيته وأعرض عليهم ما بلغه من القول من هذا الأمر المهول وإذن لكل أحد في ذلك بأن فاتفقوا على أن يجمعوا من كل جنس من الحيوانات واحدًا يتفقون على خصاصته وكفايته وعظته ودرايته ويعقدون معهم مجلس مشاورة، فمهما وقع عليه الاتفاق من
[ ١١٨ ]
المجمع وارتضاه عملوا بمقتضاه فاتفق جنس الأسود على حضور واحد منهم هو رئيسهم وكبيرهم ونفيسهم قد مارس الأمور وهو بالجلالة مشهور وبالفراسة والافتراس مذكور فقدموه عليهم لرجاحة رأيه.
واختارت طايفة النمور نمرًا سريع الوبة قوي الضربة لطيف الحركات خفيف النهضات فقدموه عليهم واختارت جماعة الثعالب من بينها ثعلبًا مليح الزوغات صحيح الاحتيال طالبًا صرف الكلاب السلوقيات بحيلته التي اتخذها له سلاحًا ونفذ من غالب الأسود والنمور بالمكر والحيلة ونال نجاحًا قرم من القروم مكار معلوم واعتمد الذئاب على ذئب عجيب الحيل والختر شديد المكر والكسر طالما أفسد برأيه صنوفًا وخاض بمكره صفوفًا ما أفسد مفسد علمه ولا دخل داخل قطع فضله فرضوا به جميعًا وقدموه عليهم، فاختلى بهم الأسد وشاورهم في دفع هذا الشر والنكد فقال الأسد: لا نطلب النصر في هذا الأمر إلا بالاتكال على رب الجلال ونحن ما ابتدينا ولا ظلمنا ولا اعتدينا وهم بدونا بالعدوان فيرجعون بالخذلان ويرد الله كيدهم في نحرهم ويرجع عليهم وبال أمرهم، فنحن أمرنا دائر بين إحدى خصلتين إما الثبات وإما الفرار، فأما الفرار فلا سبيل إليه لأن ذلك شيء لم تعرفه الأسود وكونها لا تهاب اقتحام الأهوال أمر معهود وبنا يضرب المثل في الشجاعة والبسالة والفطانة والإقدام والنبالة وبنا تشبه الأبطال في الإقدام
[ ١١٩ ]
والنوال ولنا في محاربتهم إحدى الحسنين إما الظفر بهم وهو المقصود وإن كانت والعياذ بالله تعالى الأخرى فرتبة الشهادة ومن قتل دون ماله فهو شهيد ولا يمكننا أن نترك أوطاننا ونسلم بلادنا التي فيها أولادنا وبها نشأنا من أول وهلة من غير مصادمة ولا مواقعة ولا مقاومة ولو فعلنا ذلك عاد علينا وباله وصرنا في العار والنكال بحيث لا يمحى عنا هذا الاسم ولا ولا يرسم لنا من بين الحيوانات برسم وكل امرئ ساع إلى تحصيل العناء ومواقع حسن الثناء والموت في مقام العزة خير من الحياة في الذل وناهيك بقضية الملك مع النجم، قال المحتال: ما هذه القضية وما سببها؟
قال: زعموا أن أهل بابل كانوا لا يولون عليهم ملكًا إلا من يختارونه فإذا أرادوا عزله عزلوه فاتفق أنهم ولوا عليهم واحدًا فمكث في الملك سبعين يومًا ثم بدا لهم أن يعزلوه فعزلوه واتفقوا على عزله فاهتم لذلك ثم تفكر وقال لو نظرت في الطالع من أول أمري حتى اخترت لساعة جلوسي على التخت وقتًا فيه طالع نجمي يكون ثابتًا ربما كان لملكي بثبات ودوام، ولكن حيث فاتني ذلك أولًا فسأفعله آخرًا فلعله يفيدني ثم دعا منجمًا حاذقًا وقال له: انظر في طالع نجمي واختر لي ساعة انزل فيها عن الملك سريعة العود إليه والرجوع فيه فقال المنجم: أحسن ما يكون ذلك إذا كان على طالع الولادة لأنها هي أول دليل على الوجود، فقال له: ولدت يوم كذا من شهر كذا في ساعة كذا سنة كذا فنظر في الطالع بعد حسابه
[ ١٢٠ ]
وتحير في أداء جوابه، فقال له الملك: ما ظهر لك أيها الحسوب أطالب أم مطلوب، فقال: يا أيها الملك طالع الوجود معدود له سبعون يومًا في كبد السعود فتعجب الملك من هذا الكلام، فقال له المنجم: أما أنا فلا أعد من العمر أيامًا غيرها وإن كان من غير العمر فملك طويل ورزق فيه جليل فسلم لله وقال العبد: أسير لمولاه.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أن أيام الموت على طالع العز المعبر عنه بالاسم الحسن خير من الحياة على ذل. ثم نظر الأسد إلى النمر فقال له ما تقول أنت في هذه البهم والأمر الذي دهم فقال النمر: لا شك أن الأفيال أكبر منا جسومًا وأقوى في الحرب والضرب وقد استعدوا وأقبلوا وأخاف أن يكون لا طاقة لنا بهم ولا مقاومة ولا قدرة على المصادمة، فإن فينا الضعيف والعاجز وصغير الجثة فيطؤنا تحت أقدامهم وتنكسر حرمتنا وشوكتنا من بينهم ولا يقر لنا بعد ذلك قرار معهم وتتأسس العداوة بيننا وبينهم بأجمعهم وقد قيل:
هل للحرائر من صوت إذا وصلت أيدي الرعايا إلى الخلجان والخدم
فعندي الرأي المصيب والفكر الثاقب النجيب أن ينتخب الملك للرسالة رجلًا كاملًا خليًا عن الجهالة يؤلف بين الماء والنار والقط والفار يصلح لمخاطبة الملوك سهل العريكة حسن السلوك يسكن من فورهم ويهون من غضبهم يعدهم ويمنيهم ويبشرهم ويهنيهم ويريهم بأسامع الإهانة في قالب مدح وليانة فإن أمكن رجوعهم وإلا طاولناهم على ألسنة رماحهم ثم أخذنا في الأهبة لهم كما
[ ١٢١ ]
ينبغي ونأتيهم ليلًا كما نشتهي فربما وصلنا إلى القصد منهم أو إلى بعض منه. فقال الأسد للذئب ما تقول أنت وما رأيك؟ فقال الذئب: الذي سمعته من وصايا الحكماء وتلقيته من أفواه أولى التجارب والعقلاء أن الإنسان إذا ابتلى بخصم لا يطيق مقاومته يدافعه بالهدايا ويستدعيه بشيء من التحف فإنه قد قيل خير المال ما وفيت به النفس فالتفت الأسد إلى الثعلب وقال هات يا أبا الحصين رأيك في هذه الواقعة وإني أراه يقرب للصواب، فقال الثعلب: أمرنا لا يخلو من إحدى قضايا ثلاث: المقاتلة أو المصالحة أو تعاطي أسباب الحيلة أما المقابلة والمقاتلة فلا أراها لأنا عاجزون عن مصادمة الأفيال محتاجون إلى الطعام والشراب وهم يقنعون بالعشب والكلاء ونحن لا طاقة لنا بذلك، وأيضًا نحن لا نعرف أحوال عسكرنا ولا اعتماد لنا عليهم لأن عساكرنا أجناس مختلفة وطوائف مجتمعة وبينهم عداوة جيلية قديمة وبعضهم عدو لبعض لو ظفر به كسره وأكله فربما اشتد الشر منهم وصار بأسهم بينهم، وأما هم فلهم اعتماد على أنفسهم ومن معهم إذ هم جنس واحد لا يتخلف بعضهم عن بعض وكل من اعتمد على هؤلاء المساكين
[ ١٢٢ ]
وأمثالهم يصيبه ما أصاب الصياد مع القط، قال الأسد: أخبرني كيف كانت تلك الحكاية؟
قال الثعلب: ذكروا أنه كان رجل صياده وكان يحب الصيد ويولع به فرأى في بيته ذات يوم عصفورًا داخلًا من الكوة فوثب عليه القط فاصطاده وأكله فأعجب الصياد فعل القط وعزم على أن يأخذه معه ليصطاد به، فلما أصبح أسرج جواده وقصد الصيد وأخذ القط معه وركب والقط تحت إبطه وقصد البرية فوصل إلى حوش فخرج من وراء صخرة حجلة فرمى عليها القط فطارت الحجلة وخافت من القط وأرادت أن ترجع إلى تحت إبطه فظفرت وعلقت مخاليبها في وجه الفرس فجفلت الفرس وضربت الأرض بفارسها فكان آخر العهد به.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أنه لا ينبغي أن يعتمد الشخص إلا على عسكره وجماعته فيقصد بهم مثل عسكر الأفيال ومصادمتهم، وأما ما ذكره مولانا السلطان في كسبهم بالليل فليس برأي أيضًا لأن ذلك إنما يكون إذا كان العدو غافلًا وعن نكبات الدهر مطمئنًا وعلم ذلك بشرط أن يعلم أن عدوه لا تقوم له قائمة بعد ذلك ولا يشفق أحد عليه بعد ذلك مما له قدرة على مقاومة الكاسر، وأما إذا كان العدو مستيقظًا مستعدًا فلا يصح ذلك ولا شك أن الأفيال استعدوا وأخذوا حذرهم وترقبوا خوف حصول شيء لهم من هذه المكايد وربما يكونوا عملوا حيلة نحن
[ ١٢٣ ]
عنها غافلون ولم يصل فهمنا إليها كما فعل صاحب الجمل مع الجمل، فقالوا: هات يا أخا الزمان أخبرنا بتلك الحكاية كيف كانت؟
قال: ذكروا أن جمالًا كان له جمل يتعيش عليه ويكتسب لعياله بسببه فكان ينقل عليه ملحًا ويبيعه وكان يحمله فوق طاقته ولا يرثى له فهزل الجمل حتى كادت تسقط قواه وكان له أرنب صديق في بعض الأماكن فأرسله صاحبه يومًا يرعى فقصد وكر الأرنب وسلم عليه فلما رأته سألته عن حاله وسبب ضعفه فاخبرها بما يفعل معه صاحبه من تحميله الحمل الثقيل من الملح وقلة تعاهده بالعلف وأنه عجز عن تدبير أمره وسدت عليه طرق الحيل فتفكرت الأرنب طويلًا ثم قالت: رأيت لك وجهًا للخلاص وهو أنك إذا خضت بما حملك ماءً فابرك به فيه وامكث مقدار ساعة ولو ضربوك فإن الملح يذوب ويخف حملك وافعل هذا مرارًا فإنك تخلص من حمل الملح وتستريح، قال: ففعل ذلك مرارًا عديدة حسبما أشارت به عليه صديقته الأرنب فصار صاحبه المسكين يتضرر ولا يفيده ذلك شيئًا فعلم الجمال أن ذلك الفعل مكر وخديعة وحيلة تعلمها الجمل فقال: والله لأمكرن به مكرًا يترك مكره بسببه ويرجع لعادته الأولى فعمد الجمال إلى أشياء أخرى وصار يحمله منها ويمشي به في طرق خالية من المياه حتى حمله في بعض الأيام صوفًا ومر به على طرق الماء فانتهز الجمل الفرصة ولم يعلم ما دبره صاحبه من المكر والخديعة فبرك في الماء فتشرب الصوف منه فصار أثقل مما كان بأضعاف مضاعفة فما أفاده ذلك الفكر الوبيل إلا زيادة التعب والنصب.
وإنما أوردت هذا المثال ليعلم الملك والحاضرون أن العدو يصنع
[ ١٢٤ ]
من المكايد والحيل ما تصل إليه يده فتارة يدرك أمله بذلك وتارة يغفل عنه فيقع فيه فلا ينبغي أن يفعل عن مثل ذلك بل يحرص الشخص من فكره في ذلك بقدر الطاقة. وأما طلب الصلح وإرسال الهدايا والأموال فذلك أيضًا يدلهم على خورنا وعجزنا ويجرئهم علينا، ولكن الرأي عندي أن يرسل إليهم رسولًا لبيبًا عاقلًا فصيحًا بصيرًا بالعواقب في الأمور برسالة تتضمن السؤال عن موجب التوجه إلينا وقصد بلادنا وما سبب هذا الاعتداء ولم يصدر منا غير الخير لهم ولغيرهم ويذكر لهم طرقًا من شجاعتنا وبسالتنا وما عندنا من اسود الحرب ونمور الطعن والضرب وأجناس السباع الكواسر والوحوش الجواسر وأصناف القبائل من العشائر ويتكلم بما يراه ويقتضيه المقام مما يناسب الحال بالانسجام ويميز عساكرهم وأوضاعهم وأحوالهم ويرد الجواب فيعمل على مقتضى ما يرد به علينا من ذلك ويبني عليه ما يقع عليه الاتفاق. فاستصوبوا هذا الرأي.
وكان عند الأسد ذئب هو له من خواص حضرته وندماء
[ ١٢٥ ]
مجلسه وأهل محبته وله عليه الاعتماد الكلي وهو ممن يصلح للسفارة بين الملوك والدخول في معضلات الأمور والسلوك فوقع اختيارهم عليه فحمله الأسد هذه الرسالة ومن مضمونها بعد إبلاغ ملك الأفيال الرسالة والتحية ليعلم ملك الأفيال أن قوتنا من قديم الزمان ظاهرة وهيبتنا تذل لها الوحوش الكاسرة وصولتنا قاهرة باهرة تفترس الفرائس ونجندل الفوراس ويضرب بنا في الشجاعة المثل المثوال وتفر من بين أيدينا الأبطال، وقد بلغنا أن ملك الأفيال متوجه إلينا بجنوده وهيأ في ذلك أجناس عساكره وجنوده ولا علمنا لذلك موجبًا ما ولا تقدمنا إليه بعداوة توجب حزنًا وحرمًا بل ولا تعرضنا لأحد في مملكته وملكه ولا قهر أحد منا بالتعدي على اتباعه أحدًا في ملكه وفلكه والرعايا بحمد الله تعالى منا شاكرة ونشر جميل الذكر عنا في حقوقكم أموره ظاهرة فانعموا برد الجواب وميزوا الخطأ من الصواب وأكدر من اللعاب قبل تفاقم الأمور وتعاظم الشرور والتهاب شواظ الغيظ من الأسود والنمور، مع أن اعتمادنا على الله تعالى العلي العظيم وتوكلنا على الله العزيز الرحيم، فلما أبلغ الذئب الرسالة وأجرى ما فيها من شجاعة وبسالة وتبين لملك الأفيال ما تضمنت من رفعة وجلالة استشاط ملك الأفيال وتغيرت لاضطرابه الأحوال وكاد أن يقلقل الجبال من شدة ما تغيرت منه الأحوال ونظر من بين تلك الأفيال والفيول إلى فيل ظلوم وجهول وقال له: من غير فكر ولا تأمل في الكلام ولا تفكر اذهب إلى هذا المغر بكلامه المغر ومزهو أنه السكران بمدامه الراقد في غفلة منامه وقل له متى ما رست معركة الشجعان أو صارعت أبطال الميدان ومن أين لك طاقة لمصادمة الجبال وأنى تعرف مقاومة الأفيال فاستيقظ لنفسك فعن قليل تحل برمسك واستعد لجنود لا قبل لك بها تشاهد منها ما لم تسمعه من حربها وضربها فلقد
[ ١٢٦ ]
جاءك عسكر القضاء وبنوده وليحطمنكم سليمان الأفيال وجنوده فليرقن منكم الدما وليستأسرن منكم الحرائر كالإما وليدوسن الأطفال وليرينكم الأنكاد والأنكال وليشعلن بنار الدمار والبوار مالك من مساكن وديار وأنت بين أمرين خيرين فتخير تكون من أي الفريقين إما أن تطيع لأمرنا وتنقاد وتسلم إلينا ما بيدك من بلاد وإما أن تنحاز في طرائق الفراق وتنجو منا منجاء الذئاب وتتنحى عن طريقنا بما معك من كلاب وذئاب وقد بالغنا في النصيحة بعباراتنا الفصيحة وأقوالنا البليغة الصحيحة وكلماتنا الموزونة الرجيحة فوصل ذلك الفيل الرسول وأدى إلى الأسد هذا المقول فتشوش خاطر الأسد وداخله الهم والغيظ والكمد والنكد، فأراد إيقاع الهلاك بالرسول الظلوم الجهول إلا أنه لنفسه تمالك وعن ذلك الغيظ قد تماسك أن لا يقدحوا زند الغضب على الرسل ولا يضيقوا عليهم الطريق والسب، ثم قال له والله لولا أنت رسول من عند الظلوم الجهول والرسول لا يقاتل ولا يهان ولا يضرب ولا يعاقب بتوبيخ ولا حرمان لقتلتك على هذا الكلام القبيح بما يجب لك من الجزاء الرجيح ثم نظر إلى الثعلب متلفتًا إليه لأنه في مهماته عوال عليه وقال يا أبا الحصين ما تقول في هذين النحسين قال الثعلب: الأغلب ذو الرأي المصيب الأصيب لا يغرنك هذا الثقيل فإنه على عقل الفيل أقوى دليل وإن فكره وبيل وقلبه عليل وبصيرته قد عميت وطرق هدايته قد خفيت وأنه قد غوى وأضل قومه وما هدى وكل من اعتمد على قواه وحوله واستجلى غرور عقله وقوله فقد ضل وذل وفي عقد البلاء حل، وهذا الجاهل السخيف الكثيف الثقيل الجثة الحصيف قد استحقرنا في عينه فسيرى منا بحول الله وقوته حلول حينه وكل من استخف بعدوه فسيعدم
[ ١٢٧ ]
حداوة حدوه. وقد قالت الحكماء أربعة لا يستحقرها أهل الاعتبار ولا يستخف بها أولو الأبصار السقم والدين والعدو والنار فالملك أعز الله أنصاره وأكثر جنده ونصاره وأعلى قدره وسلط على أعدائه قهره لا يلتفت إلى هذا الكلام ولا يتزعزع لعواصف هذه الأوهام ولا يخف من جهامة الأفيال فكل ما هم فيه باطل ومحال، بل يعتمد على الله العزيز الجبار ويصلح نيته مع الكبار والصغار ويقوي جنانه على الملاقاة وقد قابله النصر ولاقاه ووقاه فإن هؤلاء اعتدوا بغير حق على بلادنا وأتوها بدون استئذاننا فسينصرك الله عليهم بجنود لم تروها فكم من مستضعف حقير نصر على مستعظم أمير وصدر منه بالحيلة وحسن التدبير أمر خطير وبحسن الدبير تساعد المقادير والصبر العزيز يتم كل أمر كبير وناهيك بقصة الفأرة مع رئيس الحارة وما فعلته من المكايد معه إلى أن قتلته بها.
قال الأسد: كيف كانت تلك الحكاية؟ قال الثعلب بلغني أنه
[ ١٢٨ ]
كان في مكان رئيس ضيق الغطن خسيس وكانت له زوجة ذات أمانة وتعفف وصيانة وتقوى وديانة ولهم دجاجة تبيض كل يوم بيضة وفي البيت فأرة تراقب الدجاجة كل يوم فكلما باضت بيضة لقطتها وسارعت إليها وسرقتها فيطالب الرجل زوجته بالبيضة فتحلف له أنها ما رها ولا تعرف كيف ذهبت فينكر عليها ويؤلمها تارة بالكلام والسب وتارة بالملام والضرب. ففي بعض الأيام رأت المرأة الفأرة وهي تجر البيضة إلى وكرها فدعت الرجل وأرته ذلك، فلما تيقن الرجل براءة المرأة اعتذر إليها وتعطف بخاطرها وأحسن إليها وعمل مكيدة ونصب مصيدة للفأرة فنظرت الفأرة إلى المصيدة فعلمت أنها شرك ومكيدة فتحرزت منها ولم تتقدم عليها فاتفق أن ضيفًا من معارف الفأرة قدم عليها فأرادت أن تضيفه بشيءٍ ولم يكن عندها سوى هذه البيضة التي دونها ريب المنون فاعتذرت إلى الضيف بما وقع وأرته المصيدة فقال أنا أقدر أن أتخطاها وأجيء بالبيضة فحذرته ومنعته عن مجيئها فأبى إلا المجيء بها فخلت بينه وبينها فتقدم فوقع في المصيدة فهلك فتنكدت الفأرة لموت ضيفها وعلمت أن ذلك عيبه عليها وعاره مستحق لها بين أقاربها وجيرانها وقالت: لا رأس لي ترفع إليهم ولا عين تنظر وجوههم حتى أخذ بالثأر من رب تلك الدار. وكان لها صاحبة قديمة وهي عقرب خبيثة لئيمة قد أودت السموم في ذباب أبرها وسقت سم المنايا إبرة شوكتها فقصدتها وترامت عليها ونزلت بساحتها وجلست لديها وقالت: إنما تدخر الأصحاب لأيام الشدائد ولدفع الضرر والمكائد وحلول البلاء وأخذ الثأر والانتقام من المعتدين اللئام وقصت القضية عليها وأنهت أمرها إليها وطلبت منها إذ لاحت هذه القصة أن تدرك بضرباتها القصاص ويحصل لها من بين أقرانها الخلاص، فأجابتها إلى ما سألت وأقبلت إلى وكر
[ ١٢٩ ]
الفأرة بما أقبلت وأخذا في أعمال الحيلة إلى أن أدتهم أفكارهم الوبيلة أن يخدعوا صاحب الدار بالذهب ويلقوه بسبب ذلك في أشد اللهب ثم تمهلوا إليها إن دخل الليل وشرعوا في أعمال الحيلة والويل فأخرجت الفأرة دينارًا وألقته في صحن الدار ووضعت دينارًا آخر عند حجر الفار وأظهرت نصف دينار من الذهب من حجرها وجعلت النصف الآخر عند العقرب واستترت العقرب إذ كانت تحتاج السكون واختفيت تحت أذيال الكمون وقد عبت في شوكتها ريب المنون وزبانها السم الكمون، فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح وأغنى الليل عن ضوء المصباح وقام من نومه ذلك العديم للفلاح وجد هذا الدينار في صحن الدار فنهض إليه واسعد نهاره بصباح ديناره ولم يعلم أنه سبب لدماره ففتح عينيه وحلق حواليه فوجد عند حجر الفأرة ثاني دينار ففرح وطار ونشط واستطار وزاد في الطلب عن بقية الذهب فرأى نصف دينار داخل حجر الفار فمد يده إليه وأعمى القضاء عينيه عما قدر عليه فضربته العقرب ضربة فقضى منها نحبه فبرد مكانه ولاقى هوانه وأخذت الفأرة ثأرها وقضت من عدوها أوطارها.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أن حيلة الأفكار تفعل ما لا يفعله الصارم البتار وبقليل الحيلة تدرك الأمور الجليلة فلا يهتم الملك بحديث الأفيال ويأخذ فيما هو بصدده بدقيق الاحتيال، وأنا أرجو من كرم الله تعالى أن ننتصر على عدونا ونظفر منه بما مولنا ومرجونا فأول ما نعاملهم بالوهم وإظهار الصولة والتخويف وقوة شوكة الدولة فإن الوهم قتال والعاقل يحتال وطائفة الفيول عديمة العقول وبالوهم يبلغ الشخص مراده كما بلغ الحمار من الأسد ما أراده، قال الأسد: أخبرني بتلك الحكاية.
[ ١٣٠ ]
قال الثعلب: ذكروا أنه كان في بعض المعاصر حمار يستعملونه الليل والنهار إلى أن ضعف وعجز عن العمل وانعقر فتركوه ولأجل الثواب اعتقوه وفي المراعي أطلقوه فتدرج في المرعى إلى أن خرج إلى الصحرا واستطرد بمرور الأيام إلى أن دخل في بعض الحدائق وصار يرعى إلى أن صحى وسمن واستقوى منه البدن وطال وطال دبره وزال عنه ضرره وصار يغدو وينهق على عادة الحمير إلى أن ملأ تلك الأماكن من النهيق والزفير. وكان في بعض الأكام أسد ضرغام عارف بالأمور لم ير طول عمره الحمير فلما سمع صوت الحمار مار واستولى عليه الفزع ولم يخرج من شدة ما داخله من الجزع واستمر عدة أيام لا يخرج من جحره حتى أهلكه الجوع والعطش وكان بالقرب منه عين ماءٍ يشرب منها إذا عطش فصار الحمار يتردد إليها ويشرب منها ولا يجتري الأسد على الدنو منها إلى كاد يموت من العطش فأخرجته الضرورة وهو عطشان متخوف وقصد العين ليشرب منها فرأى الحمار واقفًا عندها فداخله الرعب منه ثم قال وهو يرجف: من أنت فعرف الحمار أنه خائف منه فقال: له بقلب حاضر وجنان ثابت مصادر: أنا مفرق أرزاق الوحوش ومقسم أقواتهم عليهم فقال له الأسد: إني جائع وعطشان أريد أن تعطيني قسمي من ذلك الأكل والشرب فقال له: أدن واشرب ولا تسرف فدنا وشرب وهو خائف ثم قال له أنا جائع فقال له الحمار: تعال معي حتى أطعمك فمشى إلى أن وصلا إلى نهر ماء عميق فأراد العبور فقال الأسد للحمار: هذا الماء عميق احملني في الذهاب وأحملك في الإياب قال: افعل فوثب الأسد على الحمار فركب وقطع به النهر وفي أثناء ذلك أنشب مخالبه في ظهر الحمار وثقل عليه فلم يتأثر الحمار لذلك وثبت فقال الأسد في نفسه هذا حيوان وعر ثابت لا طاقة لي به، فقطعا الطريق فوصلا
[ ١٣١ ]
إلى نهر آخر فقال الحمار: النوبة لي فقال له الأسد اركب فركب الحمار واسترخى فثقل على الأسد ثم وضع حوافره فيه فتأثر الأسد لذلك وماج تحته فقال له أثبت مالك قال: يا أخي ما هذا الذي وضعته في ظهري قال: معي أربعون مسمارًا هذا واحد منها ولابد من غرزها كلها في ظهرك وإلا فحصول الرزق ليس بهني ولا سهل فقال له الأسد: يا أخي سألتك بالله انزل عني واتركني في حالي لا أريد منك رزقًا ولا قوتًا فدعني أتقوت من حشاش الأرض ولا رايتك ولا رأيتني فنزل عنه الحمار وتركه الأسد فهرب وجعل يتلفت يمينًا وشمالًا لئلا يدركه الحمار.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم بذلك حقيقة ما قررته إذ بالحيلة والوهم يبلغ المقصود ونرجو من كرم الله تعالى أن نبلغ مقصودنا من الأفيال وهذا مثل العاجز مع القوة ونحن بحمد الله أقوياء فينا قوة لمصادمتهم وقدرة على مقاومتهم فلا نكن في جزع من أمرهم ثم اقتضى الرأي إعادة الذئب إلى الفيال برسالة مضمونها يا أخي بصرك الله بعيوب نفسك ونصرك على جنوده أعلم أن واضع الشطرنج من أحكم حكماء الهند وكان أعقل الحكماء والبراهمة وقد وضع لكل من الحيوانات مكانًا وبيتًا وقرر له نوعًا من السير لا يتعداه ووضع للفيل مكانًا لا يتخطاه فأنا أخاف أن تتعدى من مكان هو مقامك وتقصد بيت الشاه فيفوتك أمرك ومرادك ويقول لك إقليدس: العقل يا رجل ما هذا بيت الفرس ولا بيت من يلعب بالرخ مع النفس هذا بيت الأسد والشاه هذا بيت مالك أن تتخطاه فتخرج من رقعة الوجود إلى رقعة العدم والخمود فلا تعتمد عظم جسدك وكف عن حقدك وحسدك ولا تقصد حرم كعبة غيرك فيصيبك ما أصاب الفيل حيث أرسل الله عليه طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول
[ ١٣٢ ]
فلما قرأ الفيل هاج وماج وضاع منه اللب والابتهاج وعميت منه الباصرة وصمت منه السامعة الموسرة وأراد يطأ الرسول تحت أقدام الفيول لكن راجع عقله ورد الذئب بجواب مجيب غير مصيب وقال: استعدوا للقتال ومصادمة الأفيال ومقاومة الأبطال ثم أمر بالعساكر فتجهزت وبأمور الحرب فتحربت فسار مالئًا بجنوده الغضا يوقدون جمر نار الفضاء فبلغ الملك المظفر أبا الحارث الغضنفر ما قصده الكلب الأكلب فاستشار في ذلك الثعلب لما له من الحيلة والمكر إلا عليه فقال: أعلم أيها املك أن عساكر الأفيال لا يعرفون سوى المصادمة والاندفاع مرة واحدة والمخاصمة لكن بعض العساكر يكون فيهم المواجهة والمشاقة والمناهشة والمعانقة والمهاوشة والممارسة والمكافحة والمناطحة والمطارحة والمرابحة والوثوب والمشاورة والزوغات والروغات والمصادرة والكيد والاغتيال للصيد والربوض في الكمين والنهوض من ذات الشمال وذات اليمين. وكل أرباب هذه الملاعب وأصحاب هذه الحرف والمذاهب من عسكرنا مجدون موجودون معدون معدودون فلابد من ترتيب كل واحد في مكانه وإبقائه بين اقرانه وأحزابه ببغيتهم ومحبتهم، وكان من قرب موضع حسن التضاف ترد المرابض والتعاف ذات مياه جارية وعليها جسور وقناطر عالية فاتضى رأي الأسد أن يطلقوا تلك المياه على البرية لتكون الطرق مخيفة، ثم إنهم قطعوا تلك المياه وصفوا عساكرهم في طرق الفلاه وقدموا أمامهم الثعالب والكلاب وكل سريع المجيء خفيف الذهاب وجعلوا وراءهم الذئاب والنمور والقرود والأسود ووقف الأسد في حاشيته وأهل دولته ومملكته ثم إن الثعالب وما معها دخلت بين الأفيال وصارت تنط عليها وتروع من بينها وتلعب
[ ١٣٣ ]
أمامها وتستخف بها أمام عينها وتتعلق بأذنابها وتتشبث بعرقيبها وكعابها فازداد حمقهم وثار قلقهم وحطموا وصدموا وتقدموا واضطلموا فناوشتها الكواسر وهاوشتها الأبطال وهارشتها الجوتسر ثم ولوا أمامهم مدبرين ومن الطرق المخيفة هاربين فتصور الأفيال أن جيش الأسد فر وجنوده انحطم وانكسر وإن عسكرهم غلب وانتصر فحطم الأسد ومن معه عسكر الأفيال يدًا واحدة بهمة متعاضدة وصدمة متناكدة وقوة متساعدة وفي الوقت والحال ارتدوا في عسر الأوحال وهلكوا عن آخرهم وارتطموا وقطع دابر القوم الذين ظلموا ثم رجع عليهم الأسد بما معه من نمور وفهود وسائر السباع والذئاب والضباع والأسود فوقعوا في تلك الفوارس وقوع الجياع على الهرايس وعانقوهم معانقة الأحباب للعرائس وأكلوا وادخروا وحمدوا الله وشكروا ورأوا سر قوله ﷺ: من أذى جاره ورثه الله داره والله لا يهدي القوم الظالمين والحمد لله رب العالمين.
[ ١٣٤ ]