في ذكر العنز المحتال
والكلب الزكي
[ ٨١ ]
فراغ
[ ٨٢ ]
قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في ماشية راعي وعنز فحل يستطيل على الماشية ضربًا ونطحًا وزاد ضرره إلى أن عجز عنه الراعي فأتى به إلى السوق ليبيعه فرآه القصاب فبادر إليه ليشتريه فنظر المحتال فرأى شخصًا منكر الصورة بثياب رثة وعمامة دنسة وعلى حزامه سكاكين معلقة قد مد إليه يدًا ملطخة بالدما فارتاع منه وارتعش وأدرك منه بالفراسة أن سيهلكه فتحزر منه فاشتراه القصاب وجذبه إلى المذبح، فلما أدخله فيه رأى شقات اللحم معلقة ورؤوس الغنم مطروحة وجلودها ملأ المكان والدماء سائلة فتحقق ما ظنه، فما توقف القصاب حتى ألقاه إلى الأرض وربط رجليه وأخرج السكين ليذبحه فوجدها كليلة فتوجه لأخذ المسن فلما وجد المحتال الفرصة تمطى في الحبل المربوط به وقطعه وانتصب قائمًا وخرج من المسلخ هاربًا لما رأى من فجعة الموت وطلب مكانًا خاليًا فأدى به الطريق إلى البستان بجوار بيت القصاب فوجد باب البستان مفتوحًا فدخله والقصاب خلفه وبيده السكين مسلولة، وكان بين امرأة القصاب والبستاني عشق وشغف
[ ٨٣ ]
ومخايلات وكانا كلما وجدا فرصة للوصال انتهزاها، فاتفق أن زوجة القصاب كانت قد أتت إلى عشيقها واجتمعت عليه وقد كانت خواطرهم مطمئنة لعلمهم باشتغال القصاب في مصالحه وصناعته ولم يكن له عادة بالدخول إلى بيته في ذلك الوقت قصدا البستان فكانا أمنين على أنفسهما، فأخذ المحتال على مكانهما يجري وكانا إذ ذاك متعانقين والقصاب وراءه فلم يشعر كل منهما إلا وقد رآهما القصاب وبيده السكين مسلولة فلم تشك زوجته وصاحبها في أنه قاصدهما للقتل فنهضا قائمين يدفعان عن أنفسهما واشتغل كل منهما بصاحبه يتقابضان ووقع الصياح واجتمع عليهم الناس واشتغل القصاب بذلك وذهل عن المحتال واستمر يجري هاربًا فوجد ثقبًا في حائط البستان فخرج منها وقصد الصحرا والتجأ إلى مغارة في جبل هناك كان الراعي يأوي إليه فدخل إليه وأقام إلى الليل منتظرًا ما يحدث من الزمان إلى أن
[ ٨٤ ]
أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح فخرج خائفًا يترقب ويطلب له أنيسًا يأوي إليه فجعل يرعى وهو خائف إذ سمع نباح كلب فقصده فلما رآه وسلم عليه سلام مشتاق ثم قال له: أيها الرفيق الصالح أعلم أن المقادير قد جمعتنا على غير ميعاد وكل غريب للغريب يألف وأنت متفضل على كثير ممن لبس الثياب وركب الفرس وقام وحرس وأنت صالح للصداقة والأخوة والوفاقة وإن كانت الجنسية مختلفة لكن القلوب بحمد الله مؤتلفة وبيننا منك مواثيق ولك علينا منن لحفظك لنا ولراعينا والوثوب على من يقصدنا بسوء وحراستنا في الليالي إلى الصباح فأخبرني ما اسمك وما شأنك ومن أين مجيئك؟
فقال الكلب: أما اسمي فزكي وأما شأني فإني كنت أعرى ماشية فأضللناها وأنا أطلبها ومجيئي من بيت صاحبي لأجلها. قال المحتال أنا من حيث رأيت طلعتك رغبت فيك ورأيت أنوار الذكاء تلوح عليك وتفيض حتى نزلت على الأرض وطلبك لصاحبك يدل حسن وفائك وحفظ عهود صاحبك وكمال مروتك وأرجو من الله تعالى أن يعطفك علي لترغب في صحبتي وصداقتي فإني شممت فيك الخير وسررت بملاقاتك وسترى من صحبتي ومودتي وخدمتي ما يسرك ويشبعك ويؤيد رغبتك في موافقتي وتمحو محبة الآدميين من لوح ضميرك، فإنك أذهبت عمرك في خدمتهم والقيام بحقوقهم وحفظ مواثيقهم وأموالهم
[ ٨٥ ]
ودورهم وجيرانهم مع قناعتك منهم بما فضل عنهم من كسرة خبز شعير وعظمة يابسة، وقد أضاعوا حقوقك ونفوا خدمتك وأقاموا حدودك حتى لو مددت فمك إلى زادهم شجوا رأسك بالحجارة والعصا ولو ولغت في أنائهم ما قنعوا في طهارته بغسله مرة أو مرتين بل غسلوه سبع مرات وكمنوه بالتراب، وأنا أرجو أن تكون سلطان وحوش هذه الأماكن والقفار بحيث يكونون كلهم تحت حكمك وترتفع من الحضيض إلى الأوج ومن هوان العبودية إلى عز الحاكمية وأنا أساعدك على ذلك فإن لك علي فضلًا وعلى أمثالي بل وعلى أعظم منهم وهذا لا ينكره أحد ونحن معك على مدى الزمان كما قيل:
بقاؤك فينا نعمة الله عندنا فنحن بأوفى شكره نستديمها
قال الزكي: إن جميع ما قلته صادر عن محل الصدق وخلوص الطوية ونحن بيننا مودة من قديم الزمان تكاد تصل إلى حد القرابة ولم تزل المحبة بين آبائنا وآبائكم وأجدادنا وأجدادكم وقد قيل الحب يتوارث والبغض يتوارث. أما هذا الأمر الذي خطر ببالك
[ ٨٦ ]
والقصد الذي فكرته أمر عظيم يقصر عنه أكبر منا عمرًا وأكثر منا فضلًا ومن أين لنا ذلك وكلانا مفلس؟
قال المحتال: أما سمعت قول القائل: المرء يطير بهمته كالطير يطير بجناحيه: وأنا بعناية الله اجتهد إلى أن تصل إلى هذا القصد كما تحب ونحب ولي عليك شرط وهو أنك تترك أخلاقك المنفرة للوحوش عنك والحرص وتعف عن أكل لحوم الحيوانات إلى أن تتمكن وتتعاطى أسباب الزهد والصلاح والعفة بحيث تطمئن خواطرهم إليك ويأمنون على أنفسهم وأولادهم وقد بلغت مقصودك ثم بعد ذلك تتعاطاهم بالرفق واللين وحسن السياسة وقد ملكت قلب الصغير والكبير. قال الزكي: يا أخي هذا أمر محال ولا تعلق آمالي بشيءٍ لا ينال وكل من علق آماله بشيءٍ بعيد المنال وطمع في غير مطمع النوال أصابه ما أصاب مالك الحزين. قال المحتال وكيف كان ذلك الأمر؟
قال الزكي: ذكروا أنه كان في بعض الغياض جانب نهر يأوي إليه مالك الحزين وكان يتقوت من حشائش ذلك المكان فاتفق أنه أقام مدة أيام فلم يتحصل له شيءٍ يتقوت به فتطلب في نواحي الماء فوقع على سمكة صغيرة فلقفها وأراد ابتلاعها فقالت له: يا أخي أعلم أني بنت ملك هذا النهر وليس لأبي غيري وقد قيل في المثل مثل البرغوث ودمه والعصفور ودسمه لا يغني شيئًا وأنا لا أقع منك موقعًا ولا أسد لك جوعة فإن عاهدتني أحلف لك بالإيمان المغلظة أنك إن أطلقتني يحمل لك أبي الجميل ويلتزم لك كل يوم بعشر سمكات تأتيك هنية من غير تعب ولا مشقة، فلما سمع الطائر ذلك داخله الطمع وغلب عليه السرور إلى أن قال: كيف؟ قلت: فبمجرد ما فتح الطائر فمه بالكاف سقطت السمكة من فيه وذهبت، فلم يحصل له شيء غير الحرمان.
[ ٨٧ ]
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الطمع لا يوجد منه سوى وجع الخاطر وتفريق الفكر والحرمان فافتكر يا أخي في عقبي هذا الأمر قبل الشروع فيه، قال المحتال: نعم ولكن إذا ساعدني تقدير الله تعالى فكل شيء شرع الإنسان فيه نتج وتهيأت له أسباب حصوله من غير منة ولا قوة فلا تهتم أنت بهذا الأمر فإني رأيت فيك مخايل ذلك، فقال الزكي: يا أخي كف عن هذا الأمر قبل الشروع فيه فإن كل من طلب زيادة من الكفاف وقع في التعب وصار مثله مثل الذي يأكل ولا يشبع وأعلم أن لكل جمع تفريقًا ولكل صعود هبوطًا ولكل زيادة نقصانًا وأنا ما رأيت أحسن من القناعة وناهيك مثل صاحب الغنم، قال المحتال: من هو وما قصته؟
قال الزكي: إن صاحب الغنم التي كنت أحرسها كان له من الغنم ألف رأس فقط وكان عنده من المال ما يقدر بع على ألوف عديدة من الغنم وكل وقت تزداد مواشيه، غير أن صاحبي كان من عادته إذا زادت مواشيه، على ألف تصدق بالزائد ووهبه للفقراء وأخرجه عن ملكه بنوع من أنواع التصرفات الخيرية ولا يزيد على عدد الألف أبدًا. فاتفق أن راعيها سأله عن سبب ذلك فقال له أعلم أن أعلى مراتب الأعداد الألف فإذا جاوز الإنسان الأعلى هبط إلى الأدنى وما دام الإنسان قانعًا فهو مستريح.
[ ٨٨ ]
وكم رأيت أصحاب الألوف عدموها ولم يبق معهم منها واحد وأنا غنمي هي هي لا تزيد ولا تنقص. وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن القناعة راحة البدن وتخفيف في الحساب وتقليل في الهموم ومع ذلك فجميع أصحابي وأقراني يحسدونني ويبغضونني ويتعاطون أسباب هلاكي والأولى والأليق أنني لا أفعل شيئًا يؤدي إلى ذلك قال المحتال ما أحسن ما نظرت وأيمن ما أشرت ولكن كن كما قيل:
إذا هم الفتى بين عينيه عزمه ويكسب من ذكر العواقب جانبا
ثم إذا كان قصدك في الأمور جميلًا فلا تخش من حاسد ولا تتوقع الأذى من عدو فضلًا عن صديق، وإذا كان الله معك فلا تبال بأحد ولا زالت الناس تطلب الترفع على الأقران والمنازل العلية على غيرهم وإذا كانت مقاصد الإنسان سيئة كانت عواقبه وخيمة وحالاته ذميمة ولو نال قصده. وأنا لولا شاهدت فيك الخير وإشاراته ما أشرت عليك ورأي أن تشرع في هذا الأمر متوكلًا على الله تعالى، قال الزكي: إذا كان الأمر كذلك فإني فوضت إليك مقاليد هذا الأمر فافعل فيه ما تختار وقدم الاستخارة ولا تتوان وكن ثابت القدم ولا تقصر في السعي ما وصلت القدرة إليه فلعل الله تعالى يساعد على ذلك، قال المحتال: فإياك أن تتردد في أمر من الأمور أو يخطر ببالك خوف من شيء بل دم على حالة واحدة حتى تتم لك هذه الأمور ولي عليك شروط أقدمها بين يدي الشروع في المقصود فإن اليوم كلامي معك متيسر فإذا عليت مرتبتك وصرت سلطانًا فلا يليق التكلم معك إلا على قاعدة الملوك وإذا لم استوف كلامي معك في وقت الحاجة اختل النظام.
قال الزكي: نعم وليت، ولكن أنت مرتبتك عندي علية
[ ٨٩ ]
ومكانتك عندي متميزة سمية وإذا لم يراع الشخص رفيقه في الشدة فلا خير فيه في الرخاء، وإذا كان كذلك فأنا أطلق لك الإذن في الكلام فيما اخترت وكيف ما شئت. قال المحتال: أول شروطي عليك أن لا تقرب المؤذي ولا قول العواني ولا تقربهما إليك ولا تلتفت إلى كلامهما، الثاني لا تعجل في فصل الخصومة حتى يتبين لك حقيقتها ومحقها ومبطلها وكل قضية تكون في عقباها ندامة لا تعلمها بالعجلة، الثالث لا تعود لسانك فحش الكلام وسب الناس فإن ذلك ينفرهم قيل: إن عيسى ﵇ مر بجيفة وكان مع حواريه فذكر كل منهم قباحتها ونتنها فقال عيسى ﵇: ما أشد بياض أسنانها فقيل له في ذلك فقال: لا أعود لساني الفحش، الرابع لا تصغي إلى سماع فاحش الكلام كما لا تعود لسانك قوله ولا تعود سمعك الإصغاء إليه، الخامس التحبب إلى الرعية بكل ما تصل إليه قدرتك، فإن السلطان إنما هو سلطان بالخدمة وكل ملك أحبته رعيته دام سلطانه وأعلم أن العدو القديم لا يأتي منه صديق وبأدنى شيء تفسد صداقته كما أنه بأبعد شيء حصلت مودته لا سيما إذا كان في الوسط حسود أو نمام وناهيك قصة الفأرة مع القط.
قال الزكي كيف كانت تلك القضية؟ قال المحتال ذكروا أن
[ ٩٠ ]
رجلًا فقيرًا كان في بيته قط قد رباه مثل الولد فكان القط لا يفارق بيت صاحبه ولأجل فقره كان بيته خاليًا عما يتقوت به القط فحصل له بسبب ذلك ضعف البدن بحيث سقطت قواه وعجز عن الصيد وكان في بيته وكر فأرة ولها منفذ إلى بيت جاره وهو رجل سمان وعنده أنواع المأكولات فكانت الفارة تنقل من السمن ومن طيب المأكولات وبواسطة ضعف القط كانت تقوى على الدخول والخروج إلى البيت، فتفكرت الفارة يومًا من الأيام في أن القط وإن كان عاجزًا عن معاناة الصيد الآن ربما حصلت له قوة في المستقبل لأن الدنيا لا تدوم بحالة واحدة كما قيل:
هي الدنيا تقول بملء فيها حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركم مني ابتسام فقولي مضحك والفعل مبكي
فإذا حصل له في نفسه قوة يمنعها من الدخول والخروج ويكون في نفسه حقد لها لما كان يراه من سالف حاله وحالها فأداها فكرها إلى مصادقته في حال ضعفه وتهدي إليه ما يتقوت به فربما يرجع عن غيظه ويفيدها ذلك في المستقبل فحملت من أنواع المأكولات ما قدرت على حمله وجاءت إلى القط وسلمت عليه سلام مشتاق وسألته عن خاطره وقالت: يعز علي أن أرى أبا عروان في هذه الحالة وهنا شيء بالمزيد وقد عزمت على مصادقتك فإن سمح خاطرك الكريم بالرغبة في مصادقتي ورفع العداوة القديمة وتأكيد ذلك بالإيمان التي يطمئن بها الخاطر فأنا أحمل كل يوم إلى حضرتك غداءٍ أو عشاءٍ يكفيك مؤونة التكسب وترجع نفسك إليك، فرغب القط في ذلك وحلف لها وتأكدت بينهما الصداقة وصارت الفأرة كل يوم تنقل إليه ما يكفيه إلى أن نصل من ضعفه وقوى وسمن وانعقدت بينهما الصحبة وتأكدت وانقطع القط إلى
[ ٩١ ]
محبة الفارة وكان للقط من الأصحاب القدماء ديك فلما رأى الديك انقطاع القط إلى الفأرة داخله الحسد فسعى في فساد ما بين القط والفأرة إلى أن غلبت العداوة القديمة وتحركت دواعي البغض والشيمة فعدى القط على الفارة. وهي آمنة وقتلها وأكلها.
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم مواقع الصداقة والعداوة فتضع كلًا منهما في محله. قال الزكي: جزاك الله خيرًا فلقد بالغت في النصيحة وأبلغت في العبارة. قال المحتال: ولي عليك شرط آخر قال: قل ما شئت! قال: أريد أن تكون مكانتي عندك علية وحرمتي موفورة وفية بحيث تكون لي كلمة نافذة وهيبة ساطعة وسطوة جامعة وحرمة يانعة من ابتداء اليافعة وأكون مميزًا على من دوني من خدمك، فإن حرمة الخادم من حرمة مخدومه وإذا ابتذل المخدوم خادمه وتركه وراء ظهره لا يلتفت إليه أحد ممن هو دونه، والملك إذا ألقى حرمة وزيره احتقرته الرعية وكان مثله مثل بنت الزاغة. قال الزكي: كيف كانت تلك الحكاية؟
قال المحتال: ذكروا أن زاغة كان لها بنت قد نشأت في غاية الحسن والجمال وكانت أولاد الطير يخطبونها من أمها وكانت أمها تخفيها وتخاف عليها من زوج يتعبها ولا يهنيها فتأبى عليها ولا تزوجها لأجل ذلك، إلى أن خطبها فرخ بومة كان بين أمه وبين الزاغة صداقة قديمة فرغبت فيه لأجل ذلك ثم قالت لبنتها: يا ابنتي
[ ٩٢ ]
إن أولاد ملوك الطير خطبوك وأنا أخشى أن أزوجك لمن لا يعرف مقدارك فلا تستريحي معه وقد خطبك ابن صاحبتي القديمة فلانة البومة وهي تحت أمرك وطوع يدك ومعك كما تحبين، مع أنه ليس في الطير من ينصره علينا ولا يقوم معه إذا أراد أن يظلمنا فإن الطيور جميعها تكرهه فما ترين؟ قالت يا أماه إن الله تعالى يقول: الرجال قوامون على النساء وقال وللرجال عليهن درجة ولقد حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء ماذا صنعك بزوج ليس له همة ذليل بين الأصحاب هذا يخطفه وهذا ينتفه وهذا ينقره وإذا لم يكن للزوج حرمة عند زوجته وفي بيته وبين أقرانه فأي حرمة تكون لزوجته عنده فضلًا عن جيرانها وأصحابها، ومقدار المرأة إنما يعرف من مقدار زوجها وكيف يكون حالي إذا تزوجت بزوج مقل ذليل ورجل مفلس حقير بين أخوتي وصويحباتي وأمثالي سيما وأنا من أبرعهم في الجمال ومن أحسنهم في القد والاعتدال وإذا كان الأمر هكذا فأنا لا أرغب في هذا الأمر.
وإنما أوردت لك هذا المثل لتعلم أنه لو لم يحصل لي إدراك حرمة بارتفاع منزلتي على أقراني واعتبار شأني من بين إخواني فلا الصديق يرجوني ولا العدو يخافني ويتعدى الوهن مني إلى وهن مخدومي. فقال له الزكي: أبشر بالرتبة العلية والدرجة السنية والكلمة المسموعة والأمر المطاع ولكن أعطيك جميع ما اشترطت علي وأوصيتني به وإلا أكن كما قال الله تعالى: (لم تقولون ما لا تفعلون) وإياك
[ ٩٣ ]
أن تدلني على مظلمة أو توقعني فيما نهيتني عنه أو تقبل الرشا على الحكم لتظلم الرعية وتميل إلى الأغراض الدنيوية ولا تبني أمورك إلا على التقوى فإنها لك قوى، وأعلم أن الأمور إذا أريد بها وجه الله تعالى فإنها تفلح وإذا دخلها هوى النفس والغرض الفاسد فإنها لا تتم أبدًا ويصير مثلها كمثل الرجل مع الشجرة، قال المحتال: وكيف كانت تلك القضية؟
قال الزكي: ذكروا أنه كان في أقصى بلاد الصين شجرة تعبد من دون الله تعالى وقد ضل بها كثير من الناس وكان قد دخلها شيطان يخاطبه الناس من وسطها وكانت في غاية الخضرة والنضارة، فقدم تلك البلاد رجل صالح مسلم فلما رأى الناس وما هم فيه من عبادة الشجرة أخذته غيرة الإسلام فحمل فاسًا وتوجه لقلعها فلما وصل إليها وأراد أن يضرب ساقها ناداه الشيطان من وسطها وقال له: يا أيها الرجل الصالح ماذا تريد؟ قال: أريد أن أقطعك وأريح الناس منك ومن ضلالك فإنك لا تضرين ولا تنفعين وقد أضللت كثيرًا من الناس فقالت: لا تفعل فإنك رجل فقير وما عليك مني فارجع وأنا أتكفل لك كل يوم بخمسة دنانير تحت فراشك إذا قمت من نومك فخذها وأنفقها وتقوى بها على طاعة فراشك إذا قمت من نومك فخذها وأنفقها وتقوى بها على طاعة الله معبودك، فلما سمع الصالح هذا القول داخله الطمع وانكسرت مروءته ورجع فنام فلما أصبح رأى تحت وسادته خمسة دنانير
[ ٩٤ ]
واستمر على ذلك عدة أيام ثم إنه فقد ذلك ولم يجد شيئًا فأخذ الفأس وتوجه إلى الشجرة فلما دنا منها ناداه الشيطان وقال: لم جئت؟ قال: لأقطعك لأنك تعبدين من دون الله قال: ارجع فوالله إن دنوت مني لأقطعن عنقك بفأسك التي معك، أنت تظن أني لا أضر ولا أنفع فقد رأيت مني المنفعة حيث وجدت الذهب تحت الفرش ورأيت مني المضرة حين منعتك إياه وحرمتك منه وأذهبت حب الله معبودك من قلبك بحب الدنيا الفانية وأتلفتك بضياع سرك فإنك لما جئتني أول مرة كنت خالصًا لوجه الله فخشيتك وخفتك وهبتك ولو دمت على حالك الأول ما استطاع أحد ردك، وأما الآن فقد داخلك الهوى وشهوة النفس والأعراض الفاسدة فلا تقدر على نفوذ ما عزمت عليه أصلًا.
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم فائدة من أراد وجه الله تعالى وكل عمل دليله الغرض الفاسد فلا يقدر أحد على إمضائه ويعقبه الندامة وكل من شرع فيما لا يعنيه أدى به ذلك إلى ما لا يرضيه، كما جرى لزوجة الحريري مع الإسكافي عشيقها. قال المحتال: كيف كانت تلك الحكاية؟
قال الزكي: ذكروا أنه كان حريري له زوجة تخجل الأقمار في كمالها والشمس قبل زوالها وكان يحبها محبة عظيمة واتفق أنه كان بجواره شاب إسكافي يخجل الغصن بقامته والمسك بشامته وبينه وبين زوجة الحريري ما يكون بين العشاق والخلان، فكان الحريري قد شم روائح ذلك ولغلبة حب المرأة كان يتغافل عن ذلك فرأى يومًا مع الصياد طيرًا في شكل حسن، فسأله عن أمره فقال: هذا الطائر مع حسن شكله يخبر صاحب البيت عن أفعال زوجته فاشتراه وأتى به إلى منزله فسألته زوجته عن حال الطير فقال لها:
[ ٩٥ ]
احتفظي به وأكرميه فإن من خاصيته أنه مهما رأى في بيت صاحبه أخبره به ثم خرج إلى دكانه بالسوق فدخل الإسكافي فرأى عند عشيقته هذا الطائر الغريب الشكل فقالت له: ذكر زوجي أن له من الخواص كذا فقهقه الإسكافي وقال: صدق من قال إن النساء ناقصات عقل وروادها عن نفسها فقالت: إن الطائر يفتن علينا فاقسم أنه لا يجامعها إلا بحضرته وإذا فرغ يمسح ذكره في رقبته ففعل وكان الطائر جائعًا وهو من الجوارح، فلما رأى ذكره تصور أنه قطعة يلحم فنط وأخذه بمنقاره ومخلابه وقبض عليه قبضة عنيفة وثيقة فاستغاث بالمرأة أن تخلصه فلم تقدر فأشار عليها أن تكشف فرجعها وتدنو من الطائر لربما أنه يطمع فيه فيترك ذكره ليقبض عليه فتخلص بذلك ففعلت فلما رآه الطائر قبض على فرجها أيضًا بمخلاب يده الأخرى طمعًا في أنه إذا أكل ما في فمه أكل الآخر وشد عليهما شدًا وثيقًا، فبينما هما كذلك إذ حضر الزوج ودخل عليهما فرآهما على تلك الحالة العجيبة فقبض عليهما وفعل معهما ما يجب فعله عليه من السب والضرب والتشبع.
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى
[ ٩٦ ]
في شيء لا حاجة له به ولا يصغي لمن يتكلم في شيء من ذلك، قال المحتال: قد طالت المحاورة ولم يبق إلا الشروع في المقصود وتقديم الاستخارة وتعاطي أسباب ذلك. وكانت هذه المحاورات تحت شجرة فيها وكر حمامة وقد سمعت جميع ما جرى بين الزكي والمحتال من المحاورات والمناظرات فافتكرت في نفسها وعلمت أنه سيصير له شأن عظيم فأداها افتكارها أنها تسارع إلى التقرب منهما فربما تنال مقصودها بسببهما إذا ارتفع شأنهما، فإن محاورتهما صادرة عن معرفة ورأي وتدبير فسارعت إليهما ونزلت كما قيل شعر:
هبطت إليك من المقام الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع
ونزلت وابتدأت وقبلت الأرض بين يدي الزكي ووقفت في مقام الخدمة وابتدأت بالتهنئة والسرور والبشارة والحبور وقالت: قد سمعت مناجاة مولانا الملك وحضرة الوزير وكل ما قالاه صادر عن مشكاة السعادة وموافق مراتب السيادة وقد أحببت أن أكون مساعده فإني خل وافي وخادم كافي وصديق مصافي، فاستبشرا بورودها واقتضى رأيهم إرسالها لدعوة الطيور وامتثالهم بذلك وتطيب خواطرهم وتسكين قلوبهم وتنادي أن الزكي قد صار ملك الوحوش والطيور فليدخلوا تحت طاعته ولهم الأمن والرعاية والأمان والحماية وتصحب منهم جماعة كثيرة لنأخذ لهم العهد والميثاق، فأسرعت الحمامة إلى ذلك ورأت من الطيور والوحوش جماعة كثيرة فسلمت عليهم سلام مشتاق فتلقوها بالترحاب
[ ٩٧ ]
والإكرام ثم سألوها عن موجب قدومها فقالت: الاشتياق وما حدث في عالم الكون وأخبرتهم بمحاسن الزكي والمحتال وما هما عليه من الفقه والدين وما قد عزما عليه وأن الزكي قد صار ملكهم وحاميًا لحوزتهم ونادت فيهم بذلك فأجابوا كلهم بالسمع والطاعة واتباع السنة والجماعة وأخذوا في التوجه إلى خدمة املك وأحضروا الهدايا وتوجهوا مع بعضهم إلى الزكي إلى أن دخلوا عليه وأكرمهم وأجلهم وأعطى كلًا منهم منزلته وبالغ في إكرامهم وأعطاهم العهد والميثاق أن لا يظلم أحدًا منهم ولا يؤذيهم بغير حق وقرر كلًا منهم في وظيفته.
ثم أخذ في استدعاء سائر الوحوش وأرسل الحمامة إليهم فقابلتهم وبغت الرسالة بأوفق عبارة وأرشق إشارة وتشاوروا فيما بينهم وذكروا فضائل الكلاب وخصائصهم وما فيها من صفات فضلت بها على غيرهم من الوحوش واتفقوا أن يسعوا له ويسمعوا كلامه ويطيعوه فقام، من بينهم أرنب مشهور بالذكاء والتمييز فابتدر من بين جماعة الوحوش وقال: أيها الأغمار الخارجون من الديار والعمران كيف يصلح الكلب للرياسة مع ما فيه من الخساسة؟ ولعن الله زمانًا صار في الكلب سلطانًا، وذكر مساوئ الكلب وخساسته وأوصافه الدنيئة ونجاسته وأوصافه الخسيسة، فتصدت الحمامة للجواب وقالت بأفصح خطاب: إن الأصل والنسب لا يضران بالشخص إذا كان ذا حسب بأن تكون خصائله حميدة وحركاته مفيدة قال الله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا
[ ٩٨ ]
أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون) والأصل في استحقاق الملك الهمة العلية والأخلاق الكريمة ومكارم الشيم، وأما الجنسية فغير معتبرة في بيان الهمم العلية، فكلب أصحاب الكهف بحسن الصحبة صار منهم وأضيف إليهم بالذكر معهم قال تعالى: (وثامنهم كلبهم) وناهيك بتفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب وفاؤه بحق صاحبه وحفظه على صديقه ومصاحبه وسهره الليالي وعفافه بالنهار ودوام خضوعه وإدمان خشوعه وأمانته وصيانته، والعاقل من تصفح أحواله وصفاته فإن رأى عيبًا أزاله وأقلع عنه وإن رأى خيرًا حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وناهيك بقصة اللص مع المرأة قال الأرنب: أخبرني بذلك؟ قالت الحمامة: ذكروا أنه كان لص مشهور بالسرقة بارع فيها بحيث أن الناس قد عجزوا عنه وأعياهم أمره، ففي بعض الأيام كان مختفيًا يترقب الفرصة ليسرق من بعض الأماكن وإذا بالوالي مار ومعه امرأة خاطئة مسلسلة وهي تنادي وتستغيث وتقول يا أمة محمد أغيثوني أدركوني لا ذنب لي وأي شيء هو فوالله ما سرقت ولا نقبت ولا أخذت مالًا من أحد ولا قطعت الطريق ولا أنا لصة، فلما سمع الحرامي هذه المقالة من المرأة نبه وقال أف على صنعة تستنكف من فعلها الزواني وتتبرأ من النسبة إليها القحاب ثم إنه عاهد الله تعالى وتاب لوقته وحسنت توبته.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم أن المقصود ممن حوى مكارم الأخلاق وتخلى عن كثافة الطباع اتباع هذا الملك وليعلم أنه لولا يستحق الرفعة بتخليه عن الرذائل وتحليه بأنواع الفضائل ما رفعه الله تعالى عليكم، وقد اشتهر ذلك عنه
[ ٩٩ ]
وإطاعة سائر الوحوش والطيور فلا يرد الأخير أو أنا، أشر عليكم برأي لكم فيه إصلاح وسداد وهو أن ترسلوا معي قاصدًا تختارونه فينظر مصداق ما قررته لكم ثم يأخذ لكم منه عهدًا بما يقع عليه الاتفاق، فأعجبهم هذا الرأي وأرسلوا معه ظبيًا عاقلًا لبيبًا وتوجه مع الحمامة فلما قربا من المعسكر سبقت الحمامة وأخبرت بما وقع فتقدم المقدم وقبل الأرض وقال: أسأل صدقات الملك إذا وقع من القاصد سؤال أن أتصدى لجوابه بإجازتكم، فإن الصواب أن يكون في خدمة الملك من يرد الجواب عنه فربما حصل خطأ في الجواب فينسب إليه ذلك الخطأ فإن نسبة الخطأ إلى الخادم أهون من نسبته إلى المخدوم. فاستحسن الملك ذلك وأجاب إليه ثم إنهم تلقوا الظبي بالترحاب فلما وصل إلى حضرة الملك قبل الأرض بين يديه وأدى الرسالة بعد أن قرب من الحضرة وأذن له في جلوسه وخاطبه بما أزال دهشته وأبعد وحشته وأجاب سؤاله وأعطاه عهدًا وميثاقًا بكل ما سأله لجماعة من الوحوش والغزلان وأن لا يريق لهم دمًا ولا يهتك لهم حرمًا وأنهم يرعون حيث شاءوا ويسرحون أينما أرادوا آمنين مطمئنين ثم قال الطير: يا مولانا الملك نحن قوم ضعاف مختلفو الأماكن متباينو الأجناس لم تزل العداوة بيننا قائمة ونار الفتنة مشتعلة فينا غير نائمة يمزق القوي منا الضعيف ويأكل القادر لحم العاجز بعضنا في الجبال وبعضنا في الغياض وبعضنا تحت الأرض والأوكار كقطيع الغنم مجتمعين واجتماعنا يعسر علينا وحفظنا يشق على الملك ولابد من ترتيب قاعدة وتأسيس أمر يكون فيه اجتماعنا هينًا وحفظنا جميعًا متيسرًا.
[ ١٠٠ ]
فتلفت الزكي إلى المحتال وقال: أجب أيها الوزير فقال المحتال: هذا من قصور النظر وعدم التأمل وإلا فالسلطان كالشمس إذا استوت في قبة الفلك عم شعاعها البر والبحر ووصل نورها من المشرق إلى المغرب واستوى فيه الجبال والتلال والوعر والحضيض واملك إذا اشتهر صيت عدله في الأقاليم وسكنت هيبته في القلوب وشمل عدله القاصي والداني وعم فضله الرفيع والوضيع فإنه كالغمام الماطر إذا أرسل ما فيه بلغ نواله العامر والغامر والسهل والوعر، ومتى علمت الرعايا أنكم مشمولون بالمراحم السلطانية وداخلون تحت الطاعة الشريفة والعواطف الملوكية لا يتجرأ أحد على التعرض إليكم، وإذا كانت نية الملك الخير والعدل أبلغ الله تعالى بركة ذلك جميع الآفاق وناهيك بقصة كسرة أنوشروان مع حمار الطحان. قال الطير: كيف كانت تلك القضية؟
قال المحتال: ذكر المؤرخون أن كسرى اجتهد في إجراء العدل
[ ١٠١ ]
فأداه اجتهاده أن يحصل شيئًا يظهر له به أحوال المظلومين من غير توقف على حجاب أو بواب أو أذن أو استئذان لما رأى عدم وصولهم إليه بسبب الحجاب فأداه اجتهاده أن يربط في شرافة قصره حبلًا مبرومًا من الحرير الأبيض إلى أن يصل إلى حلقة الباب البراني الذي يمر به عامة الناس وعلق فيه من الجلاجل والأجراس فإذا حرك الحبل صوتت وأذن بالندا بأن كل من له ظلامة ولا يقدر على الدخول على الملك يحرك ذلك الحبل واشتهر هذا العدل. ففي بعض الأيام كان كسرى راقدًا في بيته وإذا بالجلاجل والأجراس تصوت فاستيقظ كسرى وطلب المحرك لها فلم يجدوا إلا حمارًا كبيرًا مهزولًا قد حصل له حكة وهو يحك ذلك الحبل وليس عنده أحد فأحضره وطلب صاحبه فوجده طحانًا فسأله عنه وعن أسباب هزاله حتى تبين له أنه يكلفه من الحمل فوق طاقته ويستعمله في غير مقدرته ويقصر في حقه في العليق فأمر أن تزال ظلومته وأن ينادي أن كل من عنده دابة يفتقدها ولا يقصر في حقها.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم مولانا الملك أن تكون هذه الأمور دائمة غير منقطعة لتعتادها الأخلاق العلية والشمائل السنية والمراحم الملوكية والشيم المرضية فإنها إذا اعتادت بها انتقلت عن درجة التكليف وصارت سجية بكل معنى ظريف كما قال المغني لما دعي إلى عرس جاره قال المحتال: كيف كانت تلك الحكاية؟
قال الزكي: ذكروا أن شابًا قصد التزويج ودعا أصحابه وكان له جار مغني من أحسن الناس غناءً فتوجه قاصدًا لطلبه حتى يشغل الوقت فلما جاءه القاصد قال: قل لي من أرسلك صاحب العرس أم غيره؟ قال: غيره فامتنع من إتيان الدعوة فقيل له في ذلك فقال إذا كان بأمر صاحب العرس ورغبته كان غنائي مطربًا وكلامي
[ ١٠٢ ]
مفيدًا وسماعي محركًا وإن كان ذلك بغير رغبته ورضاه وأمره فلا غنائي يكون مطربًا ولا قولي يكون معربًا، لأن كل شيء لا يجيء على القلب عنايته صعب والقصد من هذا الكلام أن لا يتولى أمرنا إلا من له عناية وشفقة على كبيرنا وصغيرنا، قال الوزير: نعم ما قلت ولقد نصحت من وراءك فاحتفظ بما رأيت وسمعت وتوجه إلى أصحابك فإنك قمت بواجب حقهم فإنهم منتظروك. ثم أضافوا إليه الحمامة وردوه إلى جماعته مكرمًا فوصل إليهم مطمئن الخاطر منشرح الصدر وابلغهم الرسالة وطابت قلوبهم وانشرحت خواطرهم فهيئوا التقادم والخدم وأخذوا في أسباب التوجه إلى حضرة الملك بذلك فدعا الوزير وقال له: إن هؤلاء الجماعة قد توجهوا إلينا وفيهم من لا يعرف حقائق الأمور ولا اطلع على قضية الصلح فبمجرد ما يقع نظره علينا ويرى هيبة الملوك يرجف فؤاده ويستطير قلبه ويداخله الفشل فربما فر واتبعه غيره لا سيما إذا كان ممن سبقت له منافي ميادين الصيد سابقه فيهدم جميع ما بنينا ويفسد غالب ما قصدنا واللبيب من تفكر في عواقب الأمور قبل وقوعها وغالب هذه الحيوانات لا تقدر على مشاهدتها وناهيك بقضية الديك والثعلب. قال المحتال: وكيف كانت تلك الحكاية يا مولانا السلطان؟
قال الزكي: كان في بعض القرى ديك قد جرب أمور الدنيا كلها وذاق حلو الدهر ومره وعرف مداخله ومخارجه ففي بعض الأيام داخله الطمع فبعد
[ ١٠٣ ]
عن القرية التي هو بها وقت الظهر فصعد على شجرة عالية وأذن عليها فأعجبه صوته فسمعه ثعلب كان في ذلك المكان له وكر فسرت نفسه بذلك وخرج مسرعًا إليه فلما رآه الديك نط إلى أعلى الشجرة فقرب الثعلب إلى الشجرة بحيث يراه فلما رآه سلم عليه سلام مشتاق محب وقال له: شكر الله سعيك لقد أحييت قلوبنا بطيب آذانك وقد جئت لأتبرك بك وأبشرك ببشارة لم يقع مثلها منذ قامت الدنيا، وهي أن الملك نادى أن جميع الوحوش تتعاشر وتتصاحب وتتزاور بحيث لا يبغي بعضها على بعض ويتصاحب الذئب مع النعجة والثور واللبوة والقط مع الفار والديك والثعلب فالحمد لله الذي قد حصلت المصافاة وذهب الأحقاد والمنافاة، كل ذلك والديك فتحرز منه ولا يلتفت إليه ولا إلى خزعبلاته وتحيلاته بل نظر إليه نظر متملق وقال يا أخي يا ثعلب وأنا أبشرك ببشارة ثم سكت والتفت يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا فقال الثعلب للديك: يا أخي أنا أبشرك ببشارة وأنت لا تلتفت إليّ ولا تنظر لي بل تتشاوف من بعيد فأخبرني ما شأنك وما أمرك؟ فإن أمرك أعياني وشأنك كشأن من لا نظرني ولا رآني. قال لديك: أجل أيها المحب ما يشغلني عنك جد ولا أب وإنما أنا رآني غيرة قائمة من بعيد أريد أن تحققها فإني لم أقع على ما هي!؟ فقال الثعلب: بالله حقق النظر وأخبرني، فنظر طويلًا وقال: أرى حيوانًا رقيق الخلقة طويل الأذنين يجري كالريح وليس له غبار يدرك إلا قليل فقال الديك: اصبر حتى تنظر ما هو؟ فقال: والله ما بقي لي صبر وقد رفرف فؤادي، فقال له الديك: أما قلت إن السلطان قد رسم بالصلح بين الحيوانات فأي شيء بقي للكلب عندنا وإذا جاء إلينا يكون صاحبنا وعشيرنا؟ فقال الثعلب: لعل هذا الكلب لم يكن سمع الندا والإجهاز ولا طاقة لي به ثم فر هاربًا.
[ ١٠٤ ]
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن يكون في هذه الوحوش من لم يكن له إطلاع على صلحنا وتوافقنا فبمجرد ما ينظرنا يتخلف أو يهرب فيحصل لغيره بسببه قتل ويقع خلل فيما أمرنا به، فالمصلحة تقتضي أن تذهب الحمامة إليهم وتشهر الندا والأمان والاطمئنان حتى يطلع على هذا الأمر كل واحد منهم ثم تتوجه أنت ورؤوس الحاضرين وتجتمع بطوائفهم وتقرر معهم الأمور بحيث تطيب خواطرهم ولا يقع منهم شيء تختل به القاعدة، فتوجه الوزير ورؤساء الجند للملاقاة وقد سبقت الحمامة وأشهرت المناداة حسبما ذكر ثم وصل الوزير مع رؤساء الجند ولاقى الحيوانات والوحوش وتسامع بذلك سكان الصحارى والقفار والجبال وسكان الفلاة والغابات والأحجار، ثم أقبلوا يسعون جميعًا إلى خدمة الزكي فأنزل كلًا منهم في محله وأقام كلًا منهم في وظيفته ليعمل فيها بالإخلاص والنصح واستقام له الأمر بواسطة عدله فيهم وإصابة رأي وزيره.
وفائدة هذا المثل أنه ينبغي لأشرف المخلوقات وهم جنس بني آدم أن ينتبهوا لمثل هذه الأمور وما احتوت عليه من رموز الإشارات ويسلكوا إذا سادوا ورأسوا ويتأملوا أن مثل هذه الأشياء إذا كانت صادرة عن الكلاب التي هي من أحسن المخلوقات فبالطريق الأولى أن يتلبس بها أشرف المخلوقات الذي رفع الله مقداره بقوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وأي إكرام أحسن من العقل وأفضل من عدل الملوك الذين ملكهم الله تعالى رقاب المخلوقات وحكمهم في أموالهم ولابد يسألهم عنهم لأن كل راع مسؤول عن رعيته وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا المعللون.
[ ١٠٥ ]
فراغ
[ ١٠٦ ]