في أمثال الجمل الصادق
والأسد الزاهد
[ ١٣٥ ]
فراغ
[ ١٣٦ ]
قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان فيما مضى أسد عظيم الخلقة جسيم الشقة كثير المكارم سليل الأكارم قد بلغ في الزهد الغاية وفي الورع والعفة النهاية حسن الأوصاف والشمائل كريم الأعطاف والخصائل جمع بين الهيبة والشفقة والصدق والصدقة وسياسة الملك بالفضل وكياسة العدل بالعقل هيبته ممزوجة بالدولة وعاطفته مدموجة في الصولة وقد عاهد الرحمن بالكف عن أذى الجيران وأن لا يريق دمًا ولا يتعاطى محرمًا ولا يأكل دسمًا ولا يتعدى عهده بأمر ما يتقوت بنبات القفار ويقوم الليل ويصوم النهار يرعى فيدولته الغنم والذئب وينام في ظل أمانه الثعلب والأرنب يعد الحرب في الأشهر الحرم لكل متعد مجرم ينطبق عليه قول الشاعر:
ولي البرية عد لنا فتمازجت أضدادها من شدة الإيناس
يحنو على ابن الماء أم الصقر بل يحمي أخو العصباء أخت كناس
وكان في جوازه دوحة كثيرة الثمار نضيرة الأزهار غزيرة الأنهار رائعة الماء والكلأ فائقة النمو والتمار رياحينها طرية ومروجها
[ ١٣٧ ]
شهية وغياضها بهية، وكان الأسد وما معه إذا أرادوا أن يريحوا أنفسهم من الاجتهاد الحاصل في العبادة المجاوز للعادة توجهوا إلى ذلك الروض الأريض والدوح العريض فيتبختر فيه ويسبح خالقه ومنشيه. فبينما هو يتبختر في بعض الأوقات ويتشمى في تلك الخضراوات صادفه دب عظيم الجسم مليح الرسم فقبل الأرض بين يديه وذكر له أنه أقبل لينتمي إليه فإنه قد سمع بأوصاف عدله ومكارم شيمه وفضله فقصده ليتشبث بأذياله وينتظم في سعد خيله ورجاله ويقضي في خدمته ما بقي من عمره متمسكا ببارز مرسومه ونافذ أمره، فتلقاه بالقبول والإقبال وشمله بالفضل والأفضال وقال طب نفسا وقر عينا لقيت زينا ووقيت شينا فانتظم في سلك خدمه وانغمر في بحر كرمه واشترط عليه أن يحتمي من لحوم الحيوان ولا يتعرض لطير ولا إنسان فامتثل ذلك بالسمع والطاعة وصار على سنن سنته مع الجماعة.
ثم بعد مدة يسيرة قصد الأسد سيره فخرج يسير على باكر وحوله طائفة من الجند والعسكر فلقوا جملا ضل في الطريق
[ ١٣٨ ]
وضاع عن الصاحب والرفيق فسار إليه جماعة الأسد وقصدوا تضييعه بالغاب والسر فإنهم كانوا لشدة القدم الهبوا بالضرم فناداهم الأسد ويلكم كفوا وعن هذا الغريب عفوا لئلا يصيبكم ما أصاب كسرى من الكيد لما ركب وخرج صباحا يريد الصيد، فقبل الجماعة الأرض ووقعوا في مقام العرض وقالوا ينعم مولانا بتقرير الحكاية وقاه الله تعالى من الأسواء والنكاية.
قال الأسد: ذكروا أن كسرى الملك خرج يوما في جماعته وأهل طاعته فصادفه رجل قبيح المنظر والصورة مشوه الخلقة أعور العين المنيرة فتشاءم من طلعته وتعوذ في رؤيته وأمر بضربه فضرب ولولا تداركته شفاعة من أهل الخير لصلب ثم تركه وسار نحو الصيد بالقفار فحاش الصيد واقتنصه من عسكره عمر وزيد ورجع مسرورا فرحا محبورا وقد أدركه المسا فلاقاه ذلك الرجل وهو ملتف بكسا وكان ذا لب صحيح وعقل رجيح وفهم مليح ولسان فصيح فأبدأ كسرى بالسلام وأوقف كسرى للكلام وقال
[ ١٣٩ ]
له: أيها الملك العادل والسلطان الفاضل أسألك بالله الذي ملكك رقاب الأمم وحكمك في طوائف العرب والعجم أنعم علي برد الجواب حتى يتميز الخطأ من الصواب فإنك ملك عادل حكيم فاضل حليم فوقف بعسكره وأنصت لخبره وقال: هات مقالك وقل ما بدا لك واذكر سؤالك، فقال يا مالكا زاد الأيد كيف حالك اليوم في الصيد؟ قال: على أتم ما تريد لقد ناله السادات والعبيد قال: فهل حصل في أمور السلطنة خلل أو في الخزائن المعمورة نقص أو ملل قال: لا بل أحوال السلطنة مستقيمة وديم الخزائن مقيمة مستديمة قال: فهل ورد اليوم خبر يؤذن بتشويش أو خلاف أو تغير أو تغلب أو اعتساف؟ قال لا بل الجوانب آمنة مطمئنة والثغور من الأعداء والمخالفين مستكنة قال: أصاب أحد من الخول أو الخدم مصب قال: لا بل كلهم آمنون من الضرر والضير، قال: فلم ضربتني وأهنتني وعلى ما أسرتني وطردتني؟ قال لأن الصباح بوجهك مشؤوم وهذا أمر معلوم قال: سألتك بالله الذي تتقلب في مواهبه إن كان الشام فعلى صاحبه أنا تصبحت بك وأنت تصبحت بي فأنت أصبت الذي ذكرت وقد علمت ما هو بي ومع جزائي إنما عبت الصائغ وغفلت عن ما أودعته قدرته من أسرار بدائع صنعته فإني لا اختيار لي فيما فطرني عليه ولا مدافع ولا حيلة فيما قدره ولا مانع، وكما يقول الشاع:
[ ١٤٠ ]
لقد كان قصدي أن أسود على الورى بقد وظرف كامل الخلق بارع
ووجه يفوق الشمس والبدر بهجة فعاكسني تقدير ربي وصانعي
فتنبه كسرى لكلامه وأمر بإعزازه وإكرامه وتدارك ما فرط منه بإحسانه وجوده وامتنان.
وإنما أوردت هذا المثل لئلا يكون هذا الجمل مثل ذلك الرجل لأنه قد تصبح بي ولا يرى أبدًا مكروهًا بسببي بل يرد الخير ويكفي الضرر والضير وكذا كل من هو عندي ومنسوب إليّ من خولي وجندي. ثم دعا ذلك البعير وسأله عن جليل أمره والحقير فأخبره بأنه تاه عن أصحابه وأنه ممن يتعلق بأذياله وينزل بأعتابه فأكرم مثواه وأحسن مأواه وما زال مقبلًا عليه ومحسنًا إليه إلى أن صار من أكبر الخد وذا خول وحشم ورأس الندماء ورئيس الجلساء فأمن النكد والبؤس وسمن حتى صار كالعروس فحسده الدب لعدم اللب وعزم بمكره على إلقائه في الجب وإسقائه السم والبلاء الأصعب واشتد به الأمر في ذلك اليوم وعزم على أن يأكل لحم الجمل مع القوم وأخذ يضرب بذلك أخماس في الأسداس واستحوثه بسوطوتيه القلق والوسواس فلم ير أوفق من إفساد صورته وإظهار سوء سريرته فيهلكه ويبيده ويصل منه إلى كل ما يريده ويثمر مكره الحسد فأداه فكره إلى أن يغري به الأسد فاحتال بالجمل وابتدا في شر العمل وقال له: لي معك كلام على كتمه منك أريد أن لا ألام ولكنك لست موضعًا للسر لأنك سارح لم تعرف هذا وقد قيل الحماقة في الطويل ولولا وفور شفقتي وحنوي عليك ومودتي ما فهت لك بكلمة وأتركك مثل التيه في الظلمة، وقد قالت الحكماء
[ ١٤١ ]
لا تفش سرك إلى خمس طوائف أولها سليم الفطرة وثانيها مدمن الخمرة وثالثها كثير الكلام ورابعها الغلام وخامسها المرأة وهي أشدهم هتكًا للسترة فهؤلاء الخمس ليسوا محل الأسرار ويفشونها من غير اختيار وقد قيل كم إنسان أهلكه اللسان وكم من حرف أدى إلى حتف. فقال الجمل: يا أخي أنا تحققت شفقتك وتيقنت مودتك ونصيحتك وأنت لا تحتاج في تجربتي إلى دليل لأن لي في صحبتك الزمان الطويل وأنا أؤكد لك قولي بالإيمان وأعقد على تلقيه الجنان ولا أتفوه به لحمار ولا حيوان ولا لأنس ولا جان والشخص إذا لم يعرف ما يراد منه فلا فرق بينه وبين الحمار، ثم أنشأ إيمانًا غلاظًا أنه يبالغ فيما يسمعه من الدب احتفاظًا ولا يبدي منه لامًا ولا فاءً ولا ظاءً فلما وقف الدب على جوابه وربطه بزمام يمينه اختل به تعرف أنه ملك في غاية العفة والدين وعلى درجة العباد والزاهدين قد فطم نفسه عن الطعوم خصوصًا عن الدماء واللحوم ولكنه في ذلك غير معصوم فإنه قد تزلى بلحم الحيوان وتغذى بافتراس الأقران ورضع الدماء وانقطعت سرته على هذا الغذاء، وتزهده إنما هو تكلف ومصابرة ومكايدة وتعسف ولأن النفس تعمل خاصيتها وتجذب الشهوات إلى ناصيتها وتجمع إلى مركزها وتطمح إلى مبرزها قال الله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) وإذا كان كذلك فاحتفظ لنفسك واحفظ نصيحتي وأمسك فإنك في صحبة الأسد على خطر عظيم وأمر جسيم ولا تغفل عن ما قلت لك ولا تظن أنه لا يقتلك. فتداخل الجمل من هذا الكلام الخور ولم يبق له طاقة ولا مصطبر ثم تثبت في أمره وأجال قداح فكره وقال للدب: يا أخي فأي ضرورة دعت الأسد الغشوم حتى تعفف عن أكل اللحوم؟ قال الدب: أنا لا أشك في دينه ولا أرتاب ف حسن يقينه ولكن
[ ١٤٢ ]
ربما تعود المياه إلى مجاريها ويعطي القوس باريها وتتحرك النفس الأبية والشهوة التي طالما ألقت بصاحبها في بلية وأن الإنسان دائر مع اختلاف أخلاق الزمان فإن الزمان كالوعاء والإنسان فيه كالماء وإنه يعطيه من أخلاقه ما يقتضيه ويرتضيه من كدرته وصفائه، ولهذا قيل لون الماء لون إنائه وقد قيل الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم وناهيك يا ذا الكرامات بما قاله صاحب المقامات شعرًا:
ولما تعامى وهو أبو الورى عن الرشد في أنحائه ومقاصده
تعاميت حتى قيل أني أخو العمى ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده
والأسد في هذا الأوان ماش على ما يقتضيه الزمان وأن الزمان يتحول فيرجع إلى خلقه الأول، أما بلغك يا ذا العظمة قضية الحائك والحية قال الجمل لا والله أخبرنا كيف كانت تلك القضية، قال الدب: ذكروا أن حائكًا من الحياك له زوجة تخجل شمس الأفلاك، صورتها مليحة وسيرتها قبيحة فشم زوجها روائح مما هي عليه من القبائح فطلب تحقيق ذلك ليبلغها المهالك فقال لها إني مسافر إلى ضيعة لأجل فائدة في بيعة وغائب أيامًا يسيره لفائدة كثيرة فاقصري ما بك واحفظي من السوء جنابك فقالت: أنا بنت
[ ١٤٣ ]
رئيسه ومثلي عروسه أنى يحول حولي الفساد فأدرك سوقك قبل الكساد وجهزته أسرع وأحسن جهاز أتم من تجهيز الحاج إلى الحجاز فسافر من غير مريه ثم رجع إلى البيت في خفيه فاختبى تحت السرير لينظر ما تجري به أمور المقادير فبادرت الزوجة إلى النار ونفخت وأسرعت إلى الطعام فطبخت وخرجت من المخبأ وأتى على الطعام المهيأ ورجع إلى مكانه فنام بعد أكلة ذلك الطعام فجاءت المرأة بحريقها وقصدت الطعام لضيفها فصادفت يدها والحصير فعلمت أن البلاء تحت السرير فأخذت تطلب المخلص من ذلك المقنص فاتفق أن الملك رأى منا ما هاله ولكن نسي هيئته وحاله فنادى بطلب مخبر ولمنامه معبر فسارعت المرأة في باب الأمير ودخلت عليه وقالت: سقطت على الخبير إن لي زوجًا حكيمًا بتعبير المنام عليمًا لكنه يتعزز وعن تعبير المنام يتحرز حكيمًا بتعبير ولا يسمح فيه بالتفسير إلا بعد ضرب كثير وأنه ليس له في ذلك نظير فبعث وراه فحضر وأكرم لقاه وقال: رأيت منامًا راعني وفي الفلا ضاعني فدع عنك الاحتشام وأخبرني عن ذلك المنام ثم عبره لي فقد أخبرت بأنك حبيب لله وولي فقال: يا مولانا الملك أنا في الجهل مرتبك حائك فقير ما عندي من العلم نقير ولقد كذب علي من نسب هذا العلم إليّ والعين تعرف العين وأنا من أين وتعبير الرؤيا من أين فما صدقه ولا استوثقه بل
[ ١٤٤ ]
صدق قول المرأة فيه وحققه وتيقن قول المرأة فيه وأمر بإيصاله بما ينكيه ثم طلب المقارع وشد منه المكارع وضربوه ضربًا أعسفه إلى أن يتلفه فنادى الأمان الأمان أمهلني ثلاثة أيام من الزمان فتركوه وأمهلوه وقيدوه وأطلقوه فصار يدور في الخرائب ويتضرع تضرع الطيد النائب، ففي ثالث الأيام دخل إلى مكان خراب وأخذ في البكاء والانتحاب فنادته حية من بعض الشقوق ما بالك يا ذا العقوق فأخبرها بحاله وما جرى عليه من نكاله فقالت له: ماذا تجعل علي إذا أنا أخبرتك بالمناك وفضضت عن مسك تعبيره الختام؟ قال: أكون لك وصيفًا وأعطيك مما أ"طاه نصيفًا قالت له إن الملك رأى في منامه أن الجو يمطر من سمائه أسودًا ونمورًا وفهودًا وبيور وأن المساء بذلك تمور والأرض بهم تخور، وتعبير هذا المنام أنه يظهر للملك في هذا العام أعداء جواسر وحساد كواسر يقصدون هلكه ويرمون ملكه ولكن سيطفئ نارهم بمياه سيوفه ويسقيهم بجنوده كاسات حتوفه فلما كشفت الحية غمته قام فأصلح لباسه وعمته وقصد باب الملك ونادى غير مرتبك وذكر المنام وعبره ووعد السلطان بالنصر وبشره فتذكر المنام وحققه واعتمد عليه وصدقه وأمر له بألف دينار وصار له بذلك اعتبار فأخذ ذلك الذهب ومسرورًا به إلى أهله انقلب. ثم افتكر ما اشترط مع الحية فأبت عن الوفاء نفسه الأبية فخاف أن تطالبه بحصتها وأن تفضحه بقصتها فلم ير أوفق من قتلها وسد ذريعة سلبها فأخذ بيده عصار
[ ١٤٥ ]
ورام بذلك مخلصًا وقصد مأواها ووقف فناداها فخرجت مسرعة إليه وأقبلت بالوداد عليه فرأت العصا بيمينه فعلمت أنه خائن في عهده ناكث في يمينه فولت هاربة فضربها ضربة خائبة لكن جرحها وعمد إلى نفسه ففضحها وتركها وذهب فائزًا بما معه من الذهب.
ففي العام الذي بعده أذن الله وحده أن السلطان رأى منامًا أقلقه ومن نومه أرقه ومن شدة أهواله محاه الوهم من لوح خياله فدعاه هذا المعبر المعهود إليه وقص حاله عليه وطلب منه صورة المنام وما يترتب عليه من الكلام فاستمهله له الأيام المعدودات وقصد رئيسة الحيات وناداها عجلًا ووقف في مقام الاعتذار خجلًا ثم قالت له: أي غدر حلالك ما مضى من عمرك وحلالك وبأي وجه تقابلني وتخاطب وقد خلصتك من المعاطب ثم قابلت بسوء صنيعك إحساني وأذيتني بين أهلي وجيراني ولكن غدرك بك حف فقال: عفى الله عما سلف والصداقة بيننا من اليوم تستأنف ويكون الود ألطف والقلب أرأف ثم أنشأ إيمانًا أنه يبدل الإساءة إحسانًا وأنه لا يخون ولا يمين فيما يقع عليه العهد واليمين فقالت: أريد جميع الجائزة وأكون بها فائزة فأجاب إلى ما سألت وعاهدها على ذلك فقبلت ثم قالت: رأى الملك السماء تمطر قرودًا ونيرانًا وثعالب وجرذانًا، وتعبير المنام والله الخبير لعلام أن في هذا العام تكثر اللصوص والخوارج والمعتدون من كل خارج ويظهر في العساكر كل ماكر وشيطان ذاعر ولكن صولة الملك تمحقهم وبوارق سيوفه تصعقهم فأسرع إلى السلطان وأخبره بما رآه في منامه وعبره، فقال له الملك: بالحق أتيت وهذا الذي كنت رأيت ثم أمر له بجائزة سنية وخلعة بهية فصار في عيشة رضية وحالة مرضية ثم سلك طريقته الدنية فلم يلتفت إلى عهوده القوية ونبذ عهد الحية
[ ١٤٦ ]
الحيية وقال يكفيها مني كفي عنها البلية فلا أطلب إيذاها ولا تطلب مني رضاها.
ثم إن السلطان رأى في ثالث الأعوام على عادته منام فأرسل إليه فغشيه من الغم ما غشي فرعون وجنوده من أليم عندما سأله غمًا رآه وعن تعبير رؤياه فطلب المهلة كما كان وأحاط به موج الغم من كل مكان ولم يريد من معاودة الحية فأتاها وقد كواه الحيا أشأم كية وناداها بصوت خاشع ووقف في مقام الذليل الخاضع فخرجت إليه ورأته في حيرته فوبخته وزجرته وقالت له: يا خئن يا كذاب يا ناقض العهد يا مرتاب يا قليل الحيا يا كثير البذا ترى بأي لسان تخاطبني وبأي وجه تقابلني وقد ختلت وخنت وقتلت وفعلت فعلتك التي فعلت فقال: لم يبق للاعتذار مجال ولا للاستقالة مقال وما تم لي طريق معاملتك بالإفضال إن تفضلت بالإحسان وإن رددت فقدرك واضح البيان وهذه المرة الثالثة ليست يمينها حانثة ولا أحل مما بيننا عقودًا وأحلف وكفى بالله شهيدًا أني بعد اليوم لا أنكث عهدًا ولا آتي شيئًا أدًا فقالت له: لا أخبرك بشيء حتى تعهد إليّ بأن تعطيني جميع ما تعطى وتكف عن الإتيان بمثل ما جئت به الخطأ لأكشف لك الغطاء الذي لا يكشفه لك أحد قط، فسمع مقالها وأجاب سؤالها فقالت: رأى الملك في المنام ولذيد الأحلام كان الجو ممطرًا من غمامه ماءً ملأ الفضا وظرافًا وأغنام وتعبير هذا المنام يكون في هذا العام من الخيرات والإنعام ما يشمل الخاص والعام فتطيب الأردا وتتصالح الأعدا وتطيع العصاة وتثيب البغاة ويوافق المخالف ويكثر المحب والموالف فاحفظ ما قلت لك فقد حللت مشكلتك فتوجه بصدر فرح وخاطر منشرح وقص المنام وعبر ما فيه من الأحلام. فطار بالملك الفرح وتم سروره وانشرح وأمر بالجوائز فصبت عليه
[ ١٤٧ ]
وبالأموال فانهالت لديه فلم تلك العطية والخلع السنية وقصد باب الحية ليفي بعهده لها وإيمانه القوية ثم وقف وناداها وقدم إليها ذلك كله وأعطاها وشكر لها إحسانها وتحمل جميلها وامتنانها فقالت: أعلم يا لئيم أنه لا ذنب عليك ولا ملام فيما جنيته أو لا من الآثام ولا ما ارتكبته من العداوة والخيانة في العامين الأولين ولا فضل لك في هذه السنة فيما فعلته من الحسنة فإن ذينك العامين كانا مشتملين علي وإن النحسيين فكان مقتضى ما لهما فساد الزمان والوقوع بين الأصدقاء والأخوان فجريت على مقتضاهما حسب مرتضاهما، وفي هذا الأوان قد انصلح الزمان واستقام الطالع وزال الحسد والتقاطع واستقام الطالع بالموافقة والفلاح واقتضى الفلك الصلاح والإصلاح فمشيت على موجبه وتشبثت بذيل مذهبه فخذ هذا المال وتصرف فيه بارك الله فيه فلا حاجة لي إليه ولا معول لي عليه.
وإنما أوردت هذا المثل أيها الجمل لتعلم أن الزمان لتقلبه في الدوران يوقع بين الأصحاب والأخوان ويباين بين الأصدقاء والخلان، والأسد وإن كان زهد وترك من أخلاقه ما كان عهد فيمكن عوده إلى حالته الأولى والاحتراز منه في كل حال أحق وأولى. وهاأنا قد أخبرتك وعلى ما وصل جهدي إليه أطلعتك وفرط محبتي وشفقتي عليك اقتضى إفشاء هذا السر إليك ومن أنذر فقد أعذر ومن تصبر فما قصر، قال الجمل: يا أخي نترك هذا المقام وللبال نريح ونخدم في خدمته ونستريح. قال الدب: إن كان هذا الغادر الزاهد التقي النقي الراكع الساجد الذي تعفف عن أكل اللحوم والدما وقنع بأكل الحشيش وشرب الماء لا تؤمن غائلته ولا تعتمد حائلته فإلى أين نتحول وعلى من يكون المعول وأنى نذهب
[ ١٤٨ ]
وفيمن نرغب؟ قال الجمل: فكيف يكون العمل ولقد ضاقت بي السبل وتقطعت بي الحيل لا طريق للمفر ولا قرار للمستقر. ففكر الدب طويلًا ثم رأى رأيًا وبيلا وقال الرأي السديد والفكر المفيد أن تبادر الأسد قبل وقوع النكد وتقصده بما يقصده ولا توصله إلى ما يعتمده ويعول عليه ويجده فالعاقل يتفكر في عواقب الأمور ويفتش بفكر السرور والشرور ويستعمل الحزم وإذا قصد أمرًا يصمم بالعزم وناهيك بقصة الثعبان مع الإنسان قال الجمل: أخبرني بتلك القصة والقضية وما ذاك الإنسان وما تلك الحية؟
قال الدب: ذكروا أن شخصًا كان ماهرًا في صيد الأفاعي شديد الحرص في تلك المساعي يتشبث بصيدها ولا يبالي من كيدها فبينما هو في بعض الفلوات يسعى إذ صادف أفعى كما قيل:
[ ١٤٩ ]
أرقش ظمآن متى عض لفظ أمر من صبر ومر وخظظ
قد أثر في الحر الحرق واشتط في مكان وهو نائم طبق
فاستبشر الصياد لرؤيته ومديده لقبضه في عقصته فلم يفق الثعبان من رقدته إلا وهو في قبضته فما وسعه إلا أنه تماوت وامتد وتراعى حتى لم يتبق منه عرق مشتد فظن الصياد أنه مات وأن مراده منه قد فات فتحرق لذلك وتألم وحرق عليه الألم ورماه من يده فما استقر بالأرض حتى دار في كبده أن في بطنه خرزة ثمينة مشرقة بهية فاخرة مضيئة فأخرج الشفرة وقصده ومد لتقنيصه يده فلما تحقق الثعبان ما قصده ذلك الإنسان خدعه وختله ثم ضربه فقتله.
وإنما أوردت لك هذا المثل لتحقق أيها الجمل أن المبادرة إلى هلاك العدو أقر للعين وأحلب للهدو وبدون مين ومن فات الفرصة وقع في عصية، وهذا الأسد أن غفلنا عنه أكلنا وأبادنا قصد دمارنا وفسادنا ولا يفيدنا إذ ذاك الندم أنى وقد زلت القدم وتحكم في وجودنا من مخاليب العدم. قال الجمل: أعلم أيها الرفيق الشفيق والصديق الحقيق أن هذا الملك آوانا وأكرم مثوانا ولم نشاهد منه سوءًا ولا من ظلمة باطنة علينا ضوءًا ولو قصد أذانا ما وجدنا دافعًا ولا مانعًا ولا مدافعًا وقد علمنا أنه ترك الأذى تعففًا لا تخوفًا وتكرمًا ولا تكلفًا واختيارًا إلا اضطرارًا وجبرًا لكسرنا إلا إجبارًا وأما أنا علي الخصوصية فلم أر منه إلا الجميل والفضل الجزيل والإحسان الطويل العريض والإمتنان الهني العويض ولأي شيء أسرع في نفسي وأنيه على ما يكدرها في حدسي ولم يظهر لي من ذلك إمارة لا بدلالة ولا بإشارة فضلًا من سباق أو سياق أو كلام يدل على الفراق والشقاق وأني لو مت كمدًا قصدته بأذى أبدًا والصيومي ابن الوقت لا يتقيد بنكد ولا مقت فإن قصدني بعد
[ ١٥٠ ]
ذلك بشر أو تعرض لي بغدر أو أذية أو إهلاك أو رزية أو فكاك لا يسعني فيه إلا التسليم للقضاء والانقياد لأمر ربي العزيز العليم والرضا على أني غير قادر على مقاومته ولا قوة لي على دفع مخاليبه ومصادمته. وأنا وإن كنت منسوبًا إلى التغفل فلا أدع من يدي ذيل التوكل فبالتقويض والتوكل يحصل النجاح والفوز والفلاح والظفر والصلاح، كما جرى لذلك الفلاح مع الذئب والشجاع حال التوكل والانقطاع، قال الدب: كيف كانت تلك القضية أخبرني عنها بعبارة جلية؟
قال الجمل: ذكروا أن رجلًا فلاحًا مضى في صبوته سياحًا من غير سلاح ولا رفيق فبينما هو في بيداء الطريق مار وسائر إذ صادفه ذئب ذاعر كاسر فقصده الذئب ليكسره ففر وصعد إلى الشجرة فراصد الذئب نزوله وانتظره ليغوله فحبسه وأسره وعن ضروراته
[ ١٥١ ]
حصره. وبينما هو في تلك البلية وقعت عينه على حيه ذات قرون صاعدة وهي على تلك الفروع راقدة فازداد همه وأحاط به وهمه وغمه فبقى بين بليتين وانحصر في داهيتين فلم يجد أوفق من التوكل على الله والإعراض عما سواه فاعتمد متوكلًا عليه وفوض الأمر إليه. وبينما هو في تلك الشدة وقد بلغ به ضره حده وإذا برجل أقبل من الفلا وعلى عاتقه عصا مقبل بها على الذئب مهرولًا فلما رآه الذئب على تلك الحالة من قريب وأيقن بهلاكه بما معه من السلاح فر هاربًا بالكلاحة فنزل الفلاح من فوق الشجرة وأزال الله تعالى همه وضرره.
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الله نعم الوكيل ومن عليه يتوكل فأخرج هذا الوسواس من القلب والرأس ولا تخلع الحذاء قبل الوصول للماء ولا تهتم لأمر ما سيما إذا لم يكن وقع فإن ذلك من أشر البدع فإن قصدنا بسوءٍ فالله بكافيه وسيكفينا فيه. قال الدب هذا رأي القاصر في البعر العاجز في الفكر وأما ذو الفكر الثاقب فلا يغفل عن العواقب وكل من قصر عن العواقب نظره ولم يسد في الأمور فكره فهو كمن تعلقت النار بأهدابه وتشبث لإحراق ثيابه وهو مشغول عن إطفائها متساهل في كشف أضرارها فلم يفق إلا وبه قد نشبت وأعضاؤه بالنار التهبت فماذا تفيده الإقامة وقد صار حراقه؟ قال الجمل: يا أخي
[ ١٥٢ ]
أفق من محالك وعالج فساد تصورك وخيالك وانظر قوة جلادك وكيفية حالك ألم تعلم بأن لحمي قد نبت من صدقات الأسد وحبه ثبت في دمي وعظمي وكيف لنعمه أجحد وكيف أريق دمه وأنا غرس صدقاته وبنيان نصفاته ورفيق حضرته وعتيق منته، مع أني لو نبذت عهده وقطعت ما قعطت وعزمت على مناوشته ما استطعت.
أما سمعت قول الشاعر:
هي العنقاء تكبر أن تصادا فعائد من قدرت له عنادا
أتريد صيد العقاب بفرخ أم اقتناص الذئاب بجرو الكلاب أم صيد الفهود تبغيه بالقرود أم بالسنانير صيد الأسود الهواصير؟ والله بالأذى لا أقصد الأسد ولا يطاوعني على ذلك قلبي أبدًا ولو فعلت ذلك لسعيت في دماري وخراب دياري وجدعت انفي بكفي وبحثت على حتفي بظلفي وجززت بيدي رأسي وقطعت ثديي بفأسي وقلعت بإصبعي مقلتي وسلمت للموت مهجتي وكنت من أكبر المعتدين وأفسدت ديني ودنياي، والله لا يصلح عمل المفسدين فاطو عني عنان هذا الكلام وارتجع عن ذكره بسلام. وكان بالقرب منهما وكر فارة وقد سمعت ملا جرى بينهما من تلك العبارة فوعت كلامهما وما قاله كل منهما فلما رأى الدب المريد أن كلامه مع الجمل لا يفيد أمسك واحتشم وأخذه على ذلك الندم، واستمر الجمل ف التفكر في معنى هذا الكلام والمقال حتى أداه إلى الهزال وصيره في الانتحال حتى صار كالخلال وذهب منه ما كان عليه من النشاط وداخله الفكر والاحتياط وصار كل يوم في انحطاط وتوهم واختباط. ولم يزل بين هم وغم ورجاء وخوف أعم ففطن له الأسد وتعجب من حاله
[ ١٥٣ ]
ولم يعرف ما سبب انهزاله وكان عنده غراب مقدم على جميع الأصحاب هو وزيره ومعتمده وصاحب أخباره وعضده فسأله عن حال الجمل وما شاهده عليه في شدة الخوف والوجل وقال له: أنا عففت عن لحوم الحيوانات وأكلها ورضيت في العيش بأدنى مطعوم من النباتات التي أجدها وهذا قد عرف واستقر مني عليه العمل وصار في بال كلكم حتى الجمل فما لي أراه ليس له مستقر ولا هدوء فكر فأريد أن تعرف لي حاله وتخبرني عن صدقه ومحاله. فتوجه الغراب إلى منزل الجمل وسأله عن هزاله وسبب سقمه وانتحاله فما أجاب جوابًا ولا حكي صوابًا فطار الغراب يرتقبه وحيث ما توجه يعتقبه ففي بعض الأيام كان الغراب على بعض الأكام فرأى الجمل مقبلًا إلى الماء ليطفي بشربه ثورة الظمأ فتخفى الغراب واقتفى أثره وقاربه واختفى وخلف صخرة فقال بعدما شرب وقد رأى سميكات الماء في اللعب: لك الحمد يا رب ما أرحمك وطوبى لك تبارك أسمك لا وزر يوشى تخفن ولا حشم يقوى ترجفن ولا ملك يهولكن ولا سلطان يعولكن ولكن البكاء على المسكين الجمل الذي به ضاقت الحيل وقد وقع في دور البلا المرتجى فصار لا يهتدي إلى طريق النجا بل ولا يدري عاقبة أمره المهول إلى ماذا يؤول إلى الغرق والندامة أم إلى بر السلامة. ثم أخذ في الانتحاب إلى أن أبكى الغراب وشاب من هذا الأمر
[ ١٥٤ ]
العجاب. ثم توجه إلى أسد الشرى وعرض عليه ما جرى فتشوش لذلك فكره وسره وضاق بالهم صدره فقال: أنا عففت عن الشر والأذى وفطمت نفسي عن طيبات الغذا ليأتيني صحابي ويستأنس بي أحبابي فإذا لم يستقر خاطرهم ولم تطمئن على محبتي سرائرهم فأي فائدة لي في الحياة وكيف أخلص في كعبة المودة من كدر العيش إلى صفاة فكل ملك لا تصفو له رعيته ولا ترسخ في قلوب جنده محبته كيف يثبت سلطانه ويساعده عند مهول الشدة أعوانه، أنا بذلت جهدي وطاقتي وتشبثت بأذيال العدل على قدر استطاعتي ليطمئن خاطر الرعية فلم أر لذلك تأثيرًا ولا أمنية فلم يبق لي إلا التضرع إلى مثبت القلوب وعلام الغيوب ليكشف لي عن هذه الغمة ويصلح لي هذه الأمة.
ثم تضرع إلى عالم الأسرار أن يطلعه على حقيقة هذه الأخبار وأمر بالاجتماع لطائفة من رؤوس جماعته المقيمين على محبته وطاعته وعرض عليهم هذه الأحوال وطلب منهم اكتشاف ما فيها من الأهوال وقال: أعلموا أني أمنتكم من مخافتي وبذلت لكم بذل عفتي وطاقتي وقد حققتم مرامي وتحققتموه وصدقتم أخلاقي ومطلوبي عرفتموه وعلمتم أخلاقي ومبدأ أعلامي وكل هذا لتطبيب خواطركم وتصفية سرائركم ولم أفعل ذلك عجزًا ولا خورًا ولا تهاونًا ولا سخرًا وأنا الآن آمركم بواحدة هي أجل فائدة هي أن لا تكتموا عني شيئًا تكرهونه مني بل أوقعوني عليه وأرشدوني إليه ثم اجهدوا أني أمنعه عني فإني فيكم أجل محبوبي من أهدى إلى عيوبي، وقد قال سيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام اللهم بلغه التحية عنا من غشنا فليس منا.
وإنما أوردت هذا الكلام في هذا المقام بخصوص الخاص والعام
[ ١٥٥ ]
على سبيل التخيير والإعلام والتنذير وأقسم بالله العلي الكبير اللطيف الخبير الذي منه المبدأ وإليه المصير لم يكن في خاطري يمنى من أحد ولا هجس ببالي أذى ولا نكد وهاأنا قد أخبرتكم وبإطلاعي أمرتكم فلم يبق لي ذنب منه يستغفر ولا لكم في الإخفاء ما عنه يعتذر، وأن الله لا يعذب بضلال الأسافل بل يهب الأعالي للأراذل فإذا فسد الرأس تغير الناس فيحل البأس ويهيج الوسواس فقد قال مجري بحر البرية وباريها: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فنهض الحاضرون في مقام العبودية والولا وبسطوا ألسنتهم بأنواع الشكر والثناء والدعا ونادوا بكلمة واحدة متفقة متصاعدة حاشا لله ما علمنا عليه من سوء بل لم يزل يطيب على تقصيرنا وجراح خطايانا وأنت الأب الشفوق الذي لا نستطيع لك الوفاء بحقوق. وكان هذا الكلام للأكابر والبادي والحاضر والدب حاضر بينهم فأدرك أن هذا شيء حدث فيما بينهم وحدث نفسه بأن هذا العمل شيء شعر به الأسد من الجمل فأراد المبادرة ليدرك فرطه فسلك في ذلك سبيل المغالطة ثم اختلى بالأسد ولم يكن ثم معهما أحد وقال: كان مولانا الملك أدام الله
[ ١٥٦ ]
أيامه ورفع في ميادين العدل أعلامه بأحسن بشيء أوجب تقرير كلامه لطائفة جنده وخدامه وأنا عندي كلام لم يطلع عليه أحد من الأنام، فلذلك لم ابده بحضرة أحد من الجماعة فربما لم يقصد الملك في ذلك الإذاعة ولا يمكنني إخفاؤه وقد آن إبداؤه وأعلم أيها الملك وقاك الله شر كل مهلك أنه كما أن العالم يستخف الجاهل كذلك الجاهل يزدري العالم العاقل وذلك لقصور فهمه وعدم علمه ووكلما أحاط الخادم بمرتبة مخدومه وزاد على قدره في معلومه ازداد في قلبه وروحه وصارت كؤوس خشيته منادمته له في غبوقه وصبوحه، وقد قال رب الأرض والسماء إنما يخشى الله من عباده العلما وقول النبي ﷺ أنا أعلمكم بالله وأخشاكم لله إشارة إلى هذا المقام، وقال الشاعر:
على قدر علم المرء يعظم خوفه فلا عالم إلا من الله خائف
فآمن مكر الله بالله جاهل وخائف مكر الله بالله عارف
وكلما ضعفت مرتبة الخادم بالمخدوم قلت قيمته عنده وهذا أمر معلوم، ثم أعلم أن الجمل لطول الأمل قد اغتر بالملك إذ في ذرى أمره سلك وأحسن إليه غاية الإحسان وصار في عدم الوفاء كالإنسان وحصل له من صورة غضبه الأمان فجهل قدره وعدى طورهن وفي ذلك قال الشاعر:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أكرمت اللئيم تمردا
فوضع الندا في موضع السيف بالعدا مضر كوضع السيف في موضع الندا
وقد قال الله تعالى: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغني وكل نفس لا تحتمل صنع الجميل وحوصلة العصفور لا تسع اللقمة التي يبتلعها الفيل. وناهيك بما قد قيل في بعض الأقاويل عن حماقة كل
[ ١٥٧ ]
طويل فلا جرم في فساد دماغه حين حصل على فراغه وتطاولت نفسه في سراها إلى أشياء لا يمكن إفشاها لأن ذكرها قبيح والكناية أبلغ من التصريح. فلما سمع الأسد هذا المقال والبيان علم ببديهة العقل أنه زور ومحال وبهتان ثم أرسل إلى الغراب ليميز الخطأ من الصواب ويبين القشر من اللباب والماء من الحباب فاستدعاه إلى حضرته وجلا صورة هذا القول على مراتب فكرته فقال الغراب: ضميرك المبارك في حل هذا المشكل لا يشارك فإنه حلال المشكلات موضح المعضلات، وأما أنا فلا أقبل هذا الكلام ولا يقبل في الجمل عندي ما فإني أعرف تواضعه وسكنته وصبره واحتماله وطاعته وإخلاصه وقناعته وأنه صادق في محبته مخلص في هبوديته فاعرف أن خوفه من الملك غالب على رجائه وأنه مقيم على سنن عهوده ووفائه ولو أراد الذهاب لذهب بسلام فلا في وطيفته قيد ولا في وتيرته حزام، ثم قال الغراب والغالب على ظن ذوي الألباب أن الدب قصد بإلقاء الفتنة إلقاء الجمل في الجب فالملك لا يبادر في هذه القضية حتى يتبصر الأمر على حقيقة جلية وحاشاه أن يفرط في عبيده المخلصين من غير أن يتدبر أمرهم بيقين، فالملك يختلي بعبده أبي أيوب ويستكشف منه أستار العيوب بعد استجلاب خاطره وتطييب ضمائره وسرائره فاستصوب. الأسد هذا الفضل واستخلى بالجمل ليقف منه على الأصل ويسكن جأشه وأزال بلطف الكلام الجأشه وشكر في خدمته مساعيه وطلب بملاطفته مراضيه ثم طلب من الجمل تفصيل ما بلغه من جهل وأكد قوله بالإيمان أنه لو صدر منه تقصير ونقصان فإنه قد عفا عن هفواته ولا يطالبه أبدًا بذلاته فيطلقه على كيفية الحال ويذكر ما دفع منه من فعل وقال، فافتكر الجمل في معاهدته مع الدب وأنه لا يفشي سره لأحد وشهد بذلك الرب وقال: إن
[ ١٥٨ ]
تكلمت أضعت صاحبي وإن سكت قصرت في جانبي ثم اختار كتم الأسرار وسلوك طريق الأحرار على حد قول الشاعر:
وإن أودعوا سرًا رأيت صدورهم كنوزًا لأسرار تنزه عن نقل
وحفظ العهود ووفى بالعقود وقال أسعد الله مولانا الذي بجهوده ووجوده أحيانًا وبخير أنه ربانا أني أتفكر في عواقب الأمور وتقلبات الدهور وأخشى سطوات السلطان وأخاف من حوادث الزمان فلا أزال في هذا الخيال في انتحال وهزال إلى أن صرت في هذا الحال، فإن كان هذا ذنبًا يوجب العقوبة فإن في إزالته من خاطري صعوبة فإن هذه أوهام لا أملك منعهما ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. قال الأسد له: هل أطلعت على ما يوجب ذلك أو يدل على الإلقاء في المهالك وتضييق المسالك من حركات أفعالي أو فلتات أقوالي أو تقلبات أحوالي أو نقل إليك ناقل من عاقل أو جاهل؟ فأفحم الجمل عن الجواب وأطرق فلم ينطق بخطأ ولا صواب فقال الغراب: يا جمل لا ينجيك إلا الصدق وكشف ابتعاد الدب عن وجه الحق، وكان حاضر هذه النجوى بقر وحشي أعمى وهم عنه غافلون وعن استماعه ذاهلون ففي الحال توجه إلى الدب وحكى صورة ما جرى كتخبير البائع لمن اشترى:
[ ١٥٩ ]
فعلم الدب أنه افتضح وسره اتضح فنهض وما قعد ودخل على الأسد فرأى الجمل مطرقًا فأبقوه منطقًا فمد صولجان اللسان وخلف كثرة البيان وسابق بالكلام خوفًا من الكلام وقال بلسان طلق كلامًا غير قلق أعلم يا لئيم أنك لو سكت عن كلامك القبيح في وقتك الفسيح لكن أصوب وأحسن وأعجب، ألم تعلم أنك لما فهت بما فهت وقلت ما قلت قصدت به هلاك الملك وهذا من قبح شيمك وقد أزال الله سترك وأبدى أمرك لا جرم جرمك حسبك يكفيك أمسك أخرصك ربك العظيم بإثمك، فأبهت الأسد من هذا الكلام وتحير الغراب من هذا الأمر العجاب ووقعوا في الارتياب واشتبه الباطل بالصواب فقال الجمل للدب: يا فقير اللب يا قليل الصفة وعديم المعرفة وأنحس أفاك وأنجس تباك أتظن أني عاجزًا عن كلامك وخطابك م قاصر عن تجيهك وملامك أما تعي أني قصدت ستر عورتك وأطفأ نارك وهلكتك وتفكري في تلافي قضيتك وإخماد شر مصيبتك وإهماد ضرام فتنتك وعلى تقدير
[ ١٦٠ ]
التسليم وإني قلت هذا القول العظيم أكنت معك منفردًا أم رأيت بيننًا أحدًا؟ فإن كان بيننا أحد فاحضره إلى حضرة الملك فإني أرضى به أن يبين ولا دافع لي فيما أقول وأمعن ولا مطعن وإن كنت أنت وحدك فما منعك عن نصح الملك وسدك فأنت إذًا خائن أو بائن وهذا أمر ظاهر باين والله مالك مثل مع المسكين الجمل إلا امرأة النجار لما دخلت الدار قال الأسد الهصور: اخبرنا يا أبا أيوب كيف كان هذا الحديث؟ لنقف به على سر هذا الدب الخبيث.
قال الجمل: بلغني من رواة الأخبار أنه كان رجل نجار له زوجة تخجل الأقهمار كأنها الدنيا بحسن صورتها وتقبح بخبث سيرتها فكانت كلما رقد زوجها وهو تعبان انسابت إلى الرفاق والإخوان انسياب الثعبان فتقضي الليل بالانشارح وتغيب إلى وقت الصباح ثم تنشيى عائدة فلا يستيقظ الزوج إلا وهي عنده، راقدة ففطن النجار لفعلها وراقب ليلة ختلها فتراقد في الفراش وخرجت هي لطلب الهراش فنهض ورآها النجار وأرصد باب الدار واستمرت هي وصاحبها وزوجها يراقبها فلما عادت راجعة وجدت الدار مانعة فطرقت الباب من غير اكتراث وارتياب فناداها يا خائنة اذهبي حيث كنت كائنة فقالت استر لي هذه الذنوب فإني بعد اليوم أتوب فقال: لا والله الرحمن حتى تفتضحي بين هؤلاء الجيران فقالت الموت أهون لي من الفضيحة فاستر لي هذه القبيحة ولحت عليه وتضرعت لديه فلم يفتح لها بابًا ولم يرد عليها جوابًا فقالت والله اللطيف الخبير لئن لم تفتح لي لألقين نفسي في هذا البير ولأرمينك في فتيل بين الجليل ووالحقير ثم عمدت إلى حجر كبير وطرحته ف البير ثم التصقت بالباب لتنظر ما يبرزه القضاء من الحجاب، فلما سمع زوجها حسن إلقاء الحجر فتح الباب وإلى البئر
[ ١٦١ ]
ابتدر وتصور أن تلك الباغية ألقت نفسها في الهاوية فما توقفت أن دخلت الدار وأغلقت الباب دون زوجها النجار وأحكمت الابتهاج وأوقدت السراج وملأت الدنيا بالعياط وأخذت في الهباط والمياط، فاجتمع الجيران ونظروا ما هذا الإنسان فقالت هذا الرجل الظالم لم يتركني كل ليلة حتى أنام ثم يتوجه إلى الزواني ويتركني حتى أقاسي القلق والوحدة والهيام فأخذ الزوج يحلف بالله ذي الجلال ويذكر للجماعة حقيقة هذا الحال فمنهم من يصدق ومنهم من يكذب وهو ما بين مصدق ومكذب فلم يزالا على عويل وصياح إلى الفجر والصباح فحضرا إلى القاضي واختصمها وشهدوا بصلاح الرجل والصلحا والعلما واحتمعت الألسن الصادقة وأجمعت بمقالاتها ناطقة أن المرأة زانية فاسقة ولولا ذلك لذهب البري غلطًا وانقلب صواب المحق الصادق خطأً والرجل إذا غلب عن فعل الشجعان يستعمل أفعال حبائل الشيطان ويتشبث بمكر النسوان العظيم الخسران وإنما أوردت هذا المثل لتعلم خيانة الدب وبراءة الجمل فعلم الأسد باطن القضية بالقوة الذهنية وكان اسجان ماهر ثعلب وصفه كاسمه ساحر أمره بتسلمهما وأوصاه أن يحتفظ بهما لما استقرا في قبضة الحبس واستمر أمرهما تحت آثار اللبس توجهت الفأرة التي كانت سمعت مناجاتهما واطلعت من أول الأمر على حكاياتهما إلى الساحر السجان وسأله عما آل إليه أمرهما من الشأن فأخبرهما بحالهما وعن عاقبة أمرهما وأنه ليس
[ ١٦٢ ]
بعالم أيهما المظلوم وأيهما الظالم فقال الفأرة أسألك يا ذا الشطارة والذكاء والمهارة أن ترجح لأحدهما الجانب وتبين الصادق من الكاذب وتبين المرضى عنه والمغضوب عليه تطلعني على ذلك لأنظر إليه فقال الساحر للفأرة: لقد فهمت عنك الإشارة أن لك إطلاعًا على هذا الأمر وفرقًا جليًا بين التمر والجمر فإن كنت شممت من ذلك روائح فبادري بأداء تلك النصائح فإن قولك مقبول ولك الفضل على الفضول ولا تقصدي بهذا الإرشاد إلا مصلحة العباد وكشف الغمة وبراءة الذمة وردع الظالم وخلاص ذمة الحاكم قالت الفأرة لا أقصد الإصلاح ذات البين وشمولها بطاعة الملك حتى يصيرا متحابين ويرتفع النكد ويحصل رضاء الأسد ويزول الضرر والضمير ويختم عاقبتهما بالخير قالت لقد سمعت من العلما ونصائح الحكما ومقالات ذوي الآراء قالوا لا يتكلم في أمور الملك بيضاء ولا سوداء وابن الجرزان من الأسد والقطران من الشهد قال الساحر: لا تقولي ذلك ولا تستحقري بحالح ودونك القول الصادر الذي قاله الشاعر:
لا تحقرن الرأي وهو موافق حكيك الصواب إذا أتى من ناقص
فالدر وهو أجل شيء يقتنى ما حط قيمته هوان الغائص
وقال الآخر:
لا تحقر الرأي يأتيك الحقير به فالنحل وهو ذباب طائر العسل
[ ١٦٣ ]
والنصيحة كالعسل والحق يصدع كالأسل فالعسل يعطي الحلاوة في ذوقه سواء كان في صحيفة الذهب أو في زقه وقاصد الصلاح والنصيحة ومن أعراضه لدفع الفساد صحيحه مخاطر بنفسه وماله ويراقب حسن حاله وأفضل المعروف إغاثة الملهوف وقد سمعت في المثل السائر أفضل الجهاد كلمة حق عند أمير جائر وهذا الطول عند ضمر الحول وكيف وملكنا أعدل الحكام وناصر دين الإسلام منصفه بمكارم الأخلاق والشيم يعامل الكبير والصغير بالمراحم والكرم فإن كنت تدري بهجة الانتفاع أو لك على قضايا الدب والجمل اطلاع فقولي وانصحي واظهري الحق تنجي وتفلحي كما فعل الوزير المنتخب مع كسرى لما استولى عليه الغضب قالت الفأرة أخبرني أيها الأمين بذلك الفعل الكمين قال الساحر: ذكر المؤرخون وسطر المسطرون أنه كان فيما تقدم من الزمان لكسرى أنوشروان زوجة يخجل الأغصان قدها ويفضح الأقمار خدمها وهي من بنات الملوك قتل أباها وأخاها زوجها الفتوك وكان مشغوفًا بحبها ومتخوفًا من تشويش فكره لئلا تتذكر قتيلها وتتحيل في أخذ ثأرها وهو لم يزل متحرزًا من أفعالها مراقبًا من أحوالها وفلتات لسانها في أقوالهان فاتفق أنه كان جالسًا معها على السرير وحولها من الجواري الحسان كل بدر منير فاشتاقت نفسه إليها فوضع يده عليها فنظرت إلى الجواري فرأت أعينهن إليها ناظرة فصارت بين طرفي الانقياد والامتناع حائرة، وكانت قد سمعت من أبيها ما روته عن أقاربها وذويها وهو أني لأستحي أن أباضع في بيت فيه نرجس لأنه يشبه العيون الناظرة فخطر ببالها أنه إذا استحى من عيون النرجس وهي جامدة فكيف لا أستحي أنا من النساء في المراقبة وهي غير راقدة، فغلب عليها وأراد قضاء وطره منها فانكمشت وزادها الحيا من كسرى انقباضًا فجذبها إليه
[ ١٦٤ ]
فانفلتت منه وعليه استعصت فوقع عن سريره العالي وعلا خلقه الغالي وتذكر ما هي عليه من أخذ الثأر وأسود قلبه لما غار وأضرمت في أحشائه النار فدعا وزيره الكبير ودفع إليه ربة السرير وأمره بإزهاق نفسها وإسكانها في رمسها من غير مراجعة ولا شفاعة ولا مدافعة، فحملها إلى منزله ووقع في صعب الأمر ومشكله ولم يفعل شيئًا من إمضاء مرسومه وامتثال أوامر مخدومه ثم تدبر في المآل ونادته ربة الخلخال وقالت: أيها الوزير الناصح المشير صاحب الرأي والتدبير هبني أنا خاطيه ولا يرضى الملك بتائبة فما ذنب الذي في بطني المودع من الملك الذي لم يجني فلا بأس من أن تعاوده وبالإشارة تراوده وإن كان ولابد من قتلي فاستمهله إلى أن أضع ثم تهلك الأم ويبقى التبع، فإنه كان يعطى النذور والمال ويطلب الولد في ظلمات الليالي ويدعو بذلك ربه ذا الجلال، وإن أبى إلا القتل فعلى الله المتكل فعرض الوزير ذلك على آرائه بالصريح لا الإشارة واستعمل فيه أحسن عبارة فأبى فعرف أخلاقه ثائرة وأنه لابد من أن تنطفي تلك الثائرة فإذا برد قلبه وزال كربه فيطالبه بالفرع إن لم يطلب الأصل وبعد القطع لا يمكن الوصل. فرأى الوزير المصلحة في التأخير فأودعها عند الحريم
[ ١٦٥ ]
للتخليد وسلك في الحزم الرأي السديد وجعل نفسه لها وقاية إلى أن أخذت مدتها النهاية فوضعت ولدًا ذكرًا كأنه غصن بان مثمرًا قمرًا فقام الوزير بتربيته وإصلاح إرضاعه وأغذيته إلى أن بلغ سبع سنين وهو كالبدر المنير والدر الثمين مربى بالدلال معبا بالكمال كأنه هو المقصود في قول الشاعر:
في تلمهد ينطق عن سعادة جده أثر الحنا به ساطع البرهان
فاتفق أن كسرى ركب للصيد في عسكر ونرايد فتفرق العساكر عدا وبقي كسرى فصادف غزالين يسوقان لهما ولدًا خشفًا بلا مين كما قيل شعر:
بروحي أغن كأن إبرة روقه قلم أصاب من الدواة مدادها
فهجم عليهما فتخليا عن ولدهما ففوق السهم الخفيف نحو الحشف الضعيف فلما رأت أمه السهم داخلها الوهم فتصدرت للسهم دون ولدها واستقبلت نصله بكبدها فأراد إطلاق السهم من الكبد ليصيب به الولد فاعترضه الوالد بصدره وتلقاه دونها بنحره وجعل نفسه وقاية لأم ولده وفداها بروحه وجسده فتذكر كسرى أم ولده وندم على ما قدمه وتضاعف حزنه عليها وهمه وغمه وتذكر ما سلف منه في حق زوجته وما عاملها وولدها فاشتعلت النار في مهجته وقال: إذا كان هذا الحيوان الخلي من العقل حمى بروحه ولده وزوجته وجعل نفسه من الأذى لهما وقاية حيث ألفته
[ ١٦٦ ]
ومع ذلك فهو حيوان أبكم صامت لا يتكلم، فإذا كانت هذه حالته فلم لم يفعل ذلك الحيوان. الناطق ثم فاضت دموع عينيه ورمى القوس من يديه ورجع مفكرًا وعلى ما فرط منه متحسرًا ودعى ذلك الوزير وقال: الصبر نعم النصير وكان قد سبق من المملوك الإشارة ولكن المفرط أولى بالخسارة، فالصديق الصادق والشفيق الموافق يقول ما أنصع نصحت فلم يسمع والمحب الممارق والحسود المنافق يقول أردت أقول ولكن تركت الفضول ولا حيلة للملك والوزير فيما جرى به التقدير، ثم دعى للملك وانصرف وعبأ حملًا من الهدايا والتحف وألبس ابن الملك أفخر ملبوس وجهز أمه كما تجهز العروس وأضاف إلى ذلك من المراكب الملوكية والخدامات السلطانية وأقبل بها عليه وأعرض ذلك إليه وقال: يا ملك الزمان أنا كنت راقبت هذا اليوم في ذلك الزمان وعلمت أن الندم سيعم من الرأس إلى القدم وها قد قدمت للملك من التحف الدر مع الصدف والثمر مع الشجر والشمس مع القمر متعك الله بهما ومتعهما بك وحرس من الأسواء عزيز جنابك، فلما رأى كسرى ذلك سر قلبه وانشرح صدره وأغمي عليه من شدة الفرح كما قال الشاعر:
طفح السرور علي حتى أنه من عظم ما قد سرني أبكاني
يا عين قد صار البكا لك عادة تبكين من فرح ومن أحزاني
ثم أمر ببساط السرور وجلس في النشاط والحبور وقال أيضًا شعرًا:
أهلًا وسهلًا بالتي جادت علي بليلتي
أهلًا بها وبوصلها من بعد طول الهجرة
أدر المدام وغن لي أهلًا وسهلًا بالتي
[ ١٦٧ ]
ثم أفاض خلع الأنعام والكرم والاحترام على الوزير وشكر له حسن التدبير وارتفعت عنده منزلته وتضاعفت في الارتقاء مرتبته.
وإنما أوردت هذه الأمثال لتجري على هذا المنوال فإن كان عندك ما ينفي الشك والأغاليط ويحقق الحق ويميز الأخاليط فإن في إبدائه منة عظيمة ونعمة على الملك جسيمة ستبلغين بها إلى العيش الهني والمقام العلي السني. وإن أنت أخرت النصيحة فقد شاركت الخائن في أفعاله القبيحة. قالت الفأرة: ما أدق ما نظرت وأحق ما إليه أشرت لا تردد للعقل في هذا النقل ولكن من أنا في الرقعة وما الفأرة حتى تطلب الرفعة وأنا لست في العير ولا في النفير وإني من أول عمري ومبدأ أمري في زوايا الخمول أتحرز من فضلات الفضول لا لصحة في ولا لي صورة جميلة ولا لي في طريق السلوك سيرة نبيلة لا أمينة ولا ثقة وخير أسمائي الفاسقة فأنى أصير مصدقة أو أمينة موثقة وقد أباح سيد العرب والعجم معدن الفضل والكرم المبعوث لتتميم مكارم الشيم ﷺ قتلي في الحرم والحل فلو طلبت محلة من فوقي لخرجت عن طائرة طوقي وصيرت نفسي ضحكة للناظرين ومرآة للساخرين خصوصًا ملك الأسود وسلطان النمور والفهود ورحم الله امرءًا عرف قدره ولم يتعد طوره، ومن أعجب العجب أن نخشى من شوك العنب ومن أحسن الأمثال ما يقال إن السلطان للأنام بمنزلة الحمام، البعيد عنه يطلب قربه والداخل فيه يشكو كربه فاللائق بحالي أن لا أشغل بالي الخالي بما لا يليق بي وبأمثالي حيث أشرت إلى بادي النصيحة في بيان الحال الفاسدة من الحالة الصحيحة طلبًا لمرضات الملك وصونًا لخاطره عن الأمر المشتبك المرتبك، فأنا أمتثل مرسومك وأودع ذلك معلومك بشرط أن لا تذكرني بصفة ولا
[ ١٦٨ ]
تشير بنكرة ولا معرفة لا لصوني ورفعة قدري بل لتنزيه الأفواه عن ذكرى مقاصدها على ما اشترطت، فمدت القول وبسطت ثم ذكرت ما جرى وما كانت وقعت عليه من ذلك الخبر من كلام الدب في الجمل وما صدر بينهما من قول وعمل وفصلت تلك الفصول وقررت براءة الجمل بطريق المعقول والمنقول.
فلما اتضح للثعلب براءة ساحة عرض الجمل وأن الدب هو الذي أغراه على قصد الأسد وحمل وتحقق ذلك بالبرهان الساطع والدليل القاطع توجه إلى حضرة الأسد وأخبره بما صلح من الأمر وما فسد وإنما تأخر عن خدمة مخدومه ليصل ما في جيب الغيب من مكتومه، فلما اتضح لليث ما في هذا الأمر من صلاح وغش وتبين أن الصالح الجمل والطالح الدب أرسل إلى الغارب وأعرض عليه هذا الأمر العجاب وطلب منه الإرشاد إلى هدم ما بناه الدب من الإيقاع وشاد، قال الرأي عندي أن تجتمع العساكر وتجهز الندا بالاجتماع للبادي والحاضر وتحضر الدب والجمل وتعرض على الجميع هذا العمل فإذا ظهر الحق وانكشف الباطل عن وجه الصدوق وتبين الظالم من المظلوم وتعيين الصحيح من المثلوم ترآى برأيك السعيد ما يقتضيه وتسلك ما ترتضيه بحيث لا ينتظر في ذلك عنزان ولا يختلف عليك اثنان.
فلما كان ثاني يوم من أمر الأسد اجتمع القوم الكبير والصغير والمأمور والأمير ثم اعتلى الأسد أعلى السرير وأثنى على الله اللطيف الخبير ثم ذكر ما أهمه من هذه القضية المهمة وذكر فضل هذه الأمة وما لها من رفعة وجلالة وأنها لا تجتمع على ضلالة ثم قال ما تقولون في رفيقين شقيقين صديقين لم تكن بينهما مكالحة ولا منازعة ولا محايمة سوى المحبة والممالحة والمودة الصالحة يبيتان
[ ١٦٩ ]
في فراش ويستعينان على حسن المعاش أحدهما خان رفيقه من غير سبب وسعى في إراقة دمه وإذلال قدره وعدم وجوده بوجود عدمه فماذا يجب على هذا الحاسد المنافق الفاسد في ترويج باطله الكاسد وقصده ذلك البري الصالح السري الفاهم والسعي به إلى الحاكم وإلقائهم بسببه الآثام وارتكاب الجرائم وحمل هذه العظائم؟ فأجاب الجمهور أن من أكبر الكبائر قول الزور وأن مرتكبه الأثيم استوجب العذاب الأليم ومن هو هذا الجريء الكذاب الذي يرتكب مثل هذه العظائم الهائلة في مثل هذه الدولة العظيمة العادلة ولأي شيء يؤخر جزاه ولا يحسم دواه ولا يضرب ولا يشهر ولا يؤمر بالمعروف في مثل هذا المنكر. قال الأسد فاكتبوا ما قلتم محاضر وليعلم الغائب الحاضر حتى إذا وقع الاتفاق وارتفع هذا الخلاف والشقاق وأجمع على ذلك العقل والجمع، فقالوا فيه ما يقتضيه الشرع فاتبعوا شرورهم وكتبوا بذلك خطوطهم فعند ذلك طلب الأسد الفأرة واستنطقها بما تعلم واستشهدها على الدب بما تكلم فشهدت بما به سمعت في وجهه ورقمت بذلك خطها ووضعته في مبيضته وزكاها الحاضرون وشهد بزهدها وصلاحها السامعون والناظرون واتفقوا على حقيقة صدقها وتحقق منطوقها فتهلل وجه الجمل بهذا القول والعمل، وظهرت على صفحات الدب العديم اللب علامة الفضيحة والانكسار والخسران والدمار والبوار فلم يسعه أنه أذعن حيث لم يكن له في ذلك رافع ولا مطعن، فأمر الأسد بالدب أن يلقى من العلا في جب وأن السباع تحتوشه والضباع تفترسه، ففي الحال نهشته الذئاب وفرسته الكلاب وخطفته النمور وقطعته الببور والتهمه السباع والتقمه الضباع فبعضوعه وقطعوه ووزعوه وحرقوه ومزقوه ولم يكتفوا بعظمه وأهابه حتى لحسوا دمه من يابس ترابه وكانوا قد امتد بهم الغم
[ ١٧٠ ]
فأطفئوا بدمه ولحمه بعض الضرم وزال عن أبي أيوب الضرر وضاعف الله تعالى عبر براءة ساحته أصناف الحمد والشكر وارتفعت منزلة ذلك الحر وزادت حرمته وعلت مروءته ومرتبته.
وفايدة هذا المثل الجاري بين الدب والجمل معرفة فائدة الأمانة ووخامة المكر والخيانة وأن الله تعالى غير مضيع أهله وأن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله وهذا آخر باب الأسد الصالح والجمل الأمين الناصح والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والله الموفق والمعين والحمد لله رب العالمين.
[ ١٧١ ]
فراغ
[ ١٧٢ ]