ولا يختلف التفسير عما قدمنا من أمر الحديث، فسبيلهما في ذلك واحدة. إذ يبدو لنا أن كتابة التفسير قد بدأت كذلك من عهد الصحابة،
[ ١٤٦ ]
وتابعهم فيها التابعون، حتى وصلت إلى ما نعرف من أوائل كتب التفسير التي بين أيدينا.
فقد مر بنا أن كتب عبد الله بن عباس بلغت حمل بعير، وأن كُرَيبًا وضعها عند موسى بن عقبة، فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إلى موسى أن يبعث إليه بالصحيفة التي يريدها، فينسخها علي ويردها إليه. وقد أوردنا هذا النص في حديثنا عن الحديث النبوي، غير أن كتب ابن عباس هذه لم تكن كلها في الحديث، وإنما كان بعضها في التفسير وما يتصل به من أسباب النزول وأحكام القرآن: فقد كان لابن عباس كتاب في التفسير رواه عند مجاهد١، وعكرمة٢. وروى عكرمة كذلك كتاب ابن عباس في نزول القرآن٣. أما كتاب ابن عباس في أحكام القرآن فقد رواه عنه الكلبي٤.
وممن كتب التفسير أيضًا عروة بن الزبير، وقد مر بنا أن عروة كتب الحديث كذلك. ونجد في سيرة ابن هشام٥ وطبقات ابن سعد٦ قطعة طويلة من تفسيره تتضمن ما يتصل بالآيات من حوادث تاريخية وأسباب النزول.
وذلك أن ابن أبي هنيدة٧ صاحب الوليد بن عبد الملك كتب إلى عروة بن الزبير يسأله عن قول الله ﷿:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ ٨ فكتب إلى عروة: إن رسول الله ﷺ كان صالح قريشًا يوم
_________________
(١) ١ الفهرست: ٥٠. ٢ الفهرست: ٥١. ٣ المصدر السابق: ٥٧. ٤ المصدر السابق: ٥٧. ٥ ج٣ ص٣٤٠-٣٤١. ٦ ج٨ ص٦-٧. ٧ في طبقات ابن سعد "هبيرة" مكان "ابن أبي هنيدة". ٨ سورة "الممتحنة" آية ١٠.
[ ١٤٧ ]
الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساء إلى رسول الله ﷺ وإلى الإسلام، أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هن امتحن بمحنة الإسلام "إلى آخر النص".
وممن كتب التفسير من التابعين أيضًا: سعيد بن جبير؛ فقد أرسل إليه عبد الملك بن مروان أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير إليه بتفسيره، فحفظه عبد الملك عنده في الديوان. وقد روى عطاء بن دينار التفسير عن سعيد بن جبير، ولكنه لم يسمعه منه، وإنما وجد عطاء هذا التفسير في الديوان، فأخذه، فأرسله عن سعيد بن جبير١. ومع أن عطاء لم يسمعه من سعيد بن جبير إلا أن غيره سمعه منه وكتبه عنه، فقد كان عزرة يختلف إلى سعيد "معه التفسير في كتاب ومعه الدواة يغير"٢.
وقد كان كثير من التابعين يكتبون التفسير. وحسبنا أن نذكر كتابين من هذه الكتب: الأول: كتاب تفسير الحسن بن أبي الحسن البصري٣. والثاني: كتاب تفسير السدي، هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة المتوفى سنة ١٢٧، روى عن أنس وغيره من الصحابة. وقد جمع السدي تفسيره بطرق ثلاث: عن اثنين من التابعين عن ابن عباس، وعن تابعي واحد عن ابن مسعود، ومن رواية نفسه عن ناس من الصحابة، وقد رأى تفسيره الإمام أحمد بن حنبل، ونقل منه كثيرًا الطبري في تفسيره٤.
_________________
(١) ١ ابن أبي حاتم الجرح والتعديل ٣/ ١: ٣٣٢. ٢ ابن سعد ٦: ١٨٦. ٣ الفهرست: ٥١. ٤ انظر تفسير الطبري ط. دار المعارف ١: ١٥٧-١٥٩ من كلام الشيخ أحمد محمد شاكر.
[ ١٤٨ ]