١- نسخة السكري:
أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري "ولد سنة ٢١٢ وتوفي سنة ٢٧٥"، وهو ممن خلط المذهبين١: البصري والكوفي، فأخذ عن أبي حاتم السجستاني والعباس بن الفرج الرياشي، وهما من علماء المذهب البصري، وأخذ عن محمد بن حبيب ويعقوب بن السكيت، وهما من علماء المذهب الكوفي. وكان مشهورًا بكثرة الجمع والاستقصاء فيه، حتى قالوا عنه إنه "كان إذا جمع جمعًا فهو الغاية في الاستيعاب والكثرة"٢. وعرَّفوه بأنه "الراوية الثقة المكثر٣".
أما نسخته من ديوان امرئ القيس فليست -لسوء الحظ- بين أيدينا حتى ندرسها عن عيان ويقين. غير أن أهلوارد الذي طبع "العقد الثمين" ذكر في مقدمته أنه اطلع على هذه النسخة واعتمدها أصلًا في طبع شعر امرئ القيس الذي في مجموعته. ومخطوطة هذه النسخة موجودة في مكتبة ليدن وقد ذكر أهلوارد أنها كتبت سنة ٥٤٥هـ٤، وأن لكثير من القصائد التي تضمها مقدمات.
غير أن طبعة أهلوارد قد خلت من هذه المقدمات التي تسبق عادة القصائد،
_________________
(١) ١ الفهرست: ١١٧. ٢ ياقوت، إرشاد ٨: ٩٤. ٣ المصدر السابق. ٤ مقدمة العقد الثمين: ٢١.
[ ٤٩٤ ]
وإن كان أهلوارد جمعها، أو جمع بعضها، في آخر الديوان١. غير أن هذه المقدمات التي جمعها في آخر الديوان قد خلت خلوًّا تامًّا من الإشارة إلى الرواية والرواة، وهي لا تعدو أن تكون شرحًا مقتضبًا لمناسبة بعض القصائد أو سبب نظمها. ومع هذا كله فقد قال أهلوارد في مقدمة طبعته٢ "يبدو أن نسخة السكري مروية عن أبي عبيدة معمر بن المثنى البصري الذي يحتمل أنه رواها عن شيخه أبي عمرو معمر بن المثنى البصري الذي يحتمل أنه رواها عن شيخه أبي عمرو بن العلاء". ولسنا ندري ما الذي حمل أهلوارد على هذا الظن فليس فيما أورده في طبعته أية إشارة إلى إسناد أو رواية. ومع أن النسخة الأصلية ليست بين أيدينا، فإننا نرجح أن الأمر قد التبس على أهلوارد، ونكاد نذهب إلى أن نسخة السكري هذه ذات روايات مختلفة أكثرها كوفية، ولنا على ذلك ثلاثة أدلة: أولها جوهري ويكاد يكون يقينًا، وهو أن في هذه النسخة سبعًا وستين قصيدة ومقطعة لامرئ القيس، بينما شعر امرئ القيس في رواية الأصمعي ثمان وعشرون قصيدة ومقطعة فقط، وهو في نسخة الطوسي من الرواية الكوفية سبع وأربعون قصيدة، منها اثنتان وأربعون من رواية المفضل نفسه، والخمس الأخرى جمعها الطوسي من رواية غيره من الكوفيين، ونص في إحداها على أنها من رواية أبي عمرو الشيباني. وشعره في نسخة ابن النحاس ٥٦ قصيدة ومقطعة، وفي النسخة التي سميناها نسخة الطوسي قصائد كثيرة ألحقها جامع مجهول بنسخة الطوسي فجاء شعر امرئ القيس في هذه النسخة في ست وسبعين قصيدة.
فإذا علمنا أن منهج البصريين التضييق في الرواية والتحري والتدقيق في مصادرها، وأن منهج الكوفيين التوسع في الرواية والمصادر معًا، وإذا قرنا هذا بما رأيناه من أن رواية الأصمعي البصري لشعر امرئ القيس جاءت في ثمان وعشرين قصيدة ومقطعة فقط -وهي أقل روايات هذا الشعر كافة- علمنا
_________________
(١) ١ العقد الثمين: ٢٢٠-٢٢٣. ٢ مقدمة العقد الثمين: ٦.
[ ٤٩٥ ]
أن نسخة السكري بقصائدها ومقطعاتها السبع والستين لا يمكن أن تكون عن بصري أو عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء.
والدليل الثاني: هذا النص الصريح الواضح الذي ذكره ابن النديم في معرض حديثه عن ديوان امرئ القيس ورواياته المختلفة، فقد قال١: "وصنعه من جميع الروايات أبو سعيد السكري فجود".
وأما الدليل الثالث: فهو أن السكري -على أخذه عن البصريين- قد كان، فيما يبدو لنا، أميل إلى الكوفيين وأكثر أخذًا عنهم، فهو متفق معهم في المنهج الذي يرمي إلى التوسع في المصادر، والتكثر في الرواية والجمع على ما بيناه في صدر حديثنا عن السكري. ومن أجل هذا نراه أكثر الأخذ عن محمد بن حبيب كما ذكر ياقوت٢. ومحمد بن حبيب روى كتب ابن الأعرابي تلميذ المفضل.
ودليل رابع: فرع للدليل الثالث يدعمه ويقويه، وهو أن الدواوين التي بين أيدينا من صنعة السكري إنما رواها كلها عن محمد بن حبيب الكوفي المذهب، ومنها ديوان حسان بن ثابت٣، وديوان الحطيئة٤، وديوان جران العود٥.
ومن أجل هذا كله -وخاصة من أجل الدليل الأول والثاني- نرجح أن نسخة السكري هذه صنعها من جميع الروايات كما ذكر ابن النديم، وأن معتمد هذه النسخة -لكثرة قصائدها- على الروايات الكوفية، وأنها لا يمكن أن تكون كلها من رواية أبي عبيدة وحده.
٢- نسخة ابن النحاس:
وهي مما صوره -على ميكروفيلم- معهد إحياء المخطوطات العربية
_________________
(١) ١ الفهرست: ٢٢٣. ٢ إرشاد ١٨: ١١٢. ٣ طبعة ليدن سنة ١٩١٠. ٤ طبعة مطبعة التقدم بتصحيح أحمد بن الأمين الشنقيطي. ٥ طبعة دار الكتب سنة ١٩٣١.
[ ٤٩٦ ]
بجامعة الدول العربية من مكتبة الأسكوريال، وأوراقها ١٥١ ورقة مكتوبة بخط النسخ، وليس عليها تاريخ كتابتها ولا اسم كاتبها، وإن كان الأرجح أنها كتبت في القرن السابع أو الثامن.
وأول إشكال يفجئونا في هذه النسخة هو تحقيق اسم صاحبها. فقد جاء في الورقة الأولى: "شرح ديوان امرئ القيس المسمى بالتعليقة للعلامة ابن النحاس" ثم كتب بجوار هذه الكنية بخط مائل "بهاء الدين أبي العباس أحمد"، وبجانبه علامة التصحيح والاستدراك "صح". وقد بذلنا جهدنا لمعرفة صاحب هذا الاسم، فلم نعثر له على أثر فيما بين أيدينا من كتب الرجال والتراجم والطبقات. وليس في هذه الكتب ممن يسمي ابن النحاس إلا اثنان، أولهما أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس. والثاني: أبو عبد الله بهاء الدين بن النحاس محمد بن إبراهيم بن محمد. فرجحنا أن يكون الكاتب الذي استدرك في نسختنا على اسم ابن النحاس فجعله أبا العباس أحمد قد أخطأ وأنه كان يقصد أبا عبد الله محمدًا هذا الذي ذكرناه، ولقبه بهاء الدين كما أثبته كاتب الاستدراك. فإذا كان ترجيحنا هذا صحيحًا -إذ لم نعثر على بهاء الدين أبي العباس أحمد، ولعله لا وجود له- فإننا نريد أن نرجح ترجيحًا آخر وهو أن صاحب هذا الشرح هو أبو جعفر بن النحاس المشهور، وليس البهاء بن النحاس. وتفصيل ذلك أن البهاء بن النحاس "ولد سنة ٦٢٧ وتوفي سنة ٦٩٨" كان شيخ الديار المصرية، وأكثر شهرته في النحو و"لم يصنف شيئًا إلا ما أملاه شرحًا لكتابه المقرب"١. فهو إذن من رجال القرن السابع، بينما لا نجد في النسخة التي بين أيدينا ذكرًا لأحد من الرواة بعد النصف الأول من القرن الرابع. بل إن في هذه النسخة نصين جديرين بالوقوف عندهما ودرسهما.
الأول قوله٢: "قال أصحابنا البصريون". والثاني قوله٣: "سمعت ابن دريد
_________________
(١) ١ بغية الوعاة ٦. ٢ تعليقة ابن النحاس ورقة: ٥. ٣ المصدر السابق: ٤٤.
[ ٤٩٧ ]
قال: "وهما من أسباب ترجيحنا أن أبا جعفر بن النحاس هو صاحب هذه التعليقة، وذلك أن أبا جعفر قد رحل إلى بغداد، وروى عن المبرد، والأخفش علي بن سليمان، والزجاج١، وهم جميعًا من علماء المذهب البصري.
وروى من الأخبار ما فيه تضعيف للكوفيين ونيل منهم٢. فمن المعقول إذن أن يقول من كان هذا شأنه "قال أصحابنا البصريون". ثم إن أبا جعفر بن النحاس توفي سنة ٣٧٧هـ، وتوفي ابن دريد سنة ٣٢١، وأخذ أبو جعفر عن شيوخ ابن دريد وعمن هم في طبقته مثل المبرد والأخفش والزجاج، وابن دريد بصري المذهب مثل ابن النحاس وشيوخه، فمن المعقول إذن لمن كان هذا شأنه أن يأخذ عن ابن دريد، وأن يقول "سمعت ابن دريد".
وشيء ثالث في النسخة نفسها، وذلك كثرة ما يرويه من شرح للألفاظ والأبيات عن أبي الحسن ونحن نستبعد أن يعني بأبي الحسن: الطوسي، وذلك لأنه ذكر الطوسي صراحة في مواطن كثيرة ولم يكنه. أما هذه الكنية التي تدل على الألفة والشهرة بحيث يُكتفَى بها ويُستغنَى عن التسمية فالمقصود بها -في رأينا- علي بن سليمان الأخفش، وهو أستاذ أبي جعفر بن النحاس "وله سماع كثير عنه"٣.
فإذا أضفنا إلى هذا كله ما ذكرناه من أن البهاء بن النحاس "لم يصنف شيئًا إلا ما أملاه شرحًا لكتاب المقرب"، بينما نجد أن أبا جعفر بن النحاس يُعنَى عناية كبيرة بالشعر ويؤلف فيه، فله "شرح المعلقات" و"شرح المفضليات"٤، و"فسر عشرة دواوين وأملاها"٥، وله "كتاب أخبار
_________________
(١) ١ طبقات اللغويين والنحويين: ٢٣٩، وياقوت، إرشاد ٤: ٢٢٤. ٢ طبقات اللغويين والنحويين: ٩٤. ٣ إنباه الرواة ١: ١٠١. ٤ السيوطي، البغية. ٥ إنباه الرواة ١: ١٠١.
[ ٤٩٨ ]
الشعراء١" إذا ذكرنا ذلك كله استبانت لنا الأسباب التي من أجلها رجحنا أن يكون أبو جعفر بن النحاس هو صاحب هذه النسخة وليس البهاء بن النحاس.
أما النسخة نفسها ففيها ست وخمسون قصيدة ومقطعة لامرئ القيس، وهي مجموعة من روايات مختلفة متداخلة: بصرية وكوفية، وفي كثير منها نص على راويها، أو نص على أن فلانًا؟؟؟ وأنكر نسبتها لامرئ القيس، أو أن فلانًا لم يعرفها. ويبدو أن ابن النحاس قد اعتمد نسخة اليزيدي من ديوان امرئ القيس أصلًا، وهو أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن يحيى بن المبارك اليزيدي المتوفى سنة ٣١٠هـ. ويبدو كذلك أن نسخة اليزيدي هذه قد قرئت على ابن دريد، قرأها رجل كنيته أبو عمران فاعتمد ابن النحاس نسخة اليزيدي أصلًا ثم أضاف إليها ما ذكره ابن دريد وغيره من الزيادات أو الشروح أو الاستدراكات. وحديث ابن النحاس عن هذه النسخة يدل على هذا الذي ذكرناه، فهو يقول٢: "كان في نسخة اليزيدي كذا وهو خطأ وحقه كذا "، و"في نسخة اليزيدي كذا..٣"، و"قال ابن دريد: دفعها الأصمعي ورواها قوم لابن أحمر، وهي في أصل اليزيدي"٤، و"هذا البيت ليس في اليزيدي وقد قرأه أبو عمران"٥، و"هذا البيت ليس في نسخة اليزيدي وقد قرأه أبو عمران على ابن دريد"٦، و"زيادة على اليزيدي قرأها أبو عمران"٧، و"روى الأصمعي وقرأه أبو عمران على ابن دريد"٨، و"كذا هو في اليزيدي٩".
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١: ١٠٣. ٢ تعليقة ابن النحاس ورقة: ٤٩. ٣ المصدر السابق: ٥٣. ٤ المصدر السابق: ٥٣. ٥ المصدر السابق: ٥٨. ٦ المصدر السابق: ٩١. ٧ المصدر السابق: ١٠٩. ٨ المصدر السابق: ١٢٢. ٩ المصدر السابق: ١٢٦.
[ ٤٩٩ ]
أما الرواة العلماء الذين يرد ذكر رواياتهم أو شروحهم في هذه النسخة فهم: الأصمعي وأبو عبيدة وأبو حاتم والفراء والطوسي وأبو سعيد السكري وابن حبيب والمفضل وأبو عمرو الشيباني وابن الأعرابي وابن دريد واليزيدي.
وفي هذه النسخة أمر جدير بالنظر انفردت به نسخة ابن النحاس دون غيرها من النسخ والروايات، وهو ترتيب القصائد على حروف الروي. غير أنه بدأ بالمعلقة، ثم أورد جميع القصائد اللامية، ثم أتبعها بالرائيات، ثم البائيات، ثم تسلسل مع حروف الهجاء إلى الياء، غير أنه قدم الضاد على الصاد. ويبدو أن سبب هذا الترتيب أنه بدأ بالمعلقة لشهرتها وقيمتها، ولما كانت المعلقة لامية فقد أتبعها بجميع القصائد اللاميات، ثم ثنَّى بالرائيات لأنها أكثر عددًا من قصائد الحروف الأخرى، فلما انتهى منها تساوت عنده القصائد الباقية فسردها على تتابع حروف الهجاء.
وأمر آخر جدير بالنظر ويدل على عناية ابن النحاس بالترتيب والتبويب والتقسيم: أنه يذكر بعد كل بيت ثلاثة عناوين: "ما فيه من الغريب"، و"ما فيه من الروايات"، و"ما فيه من المعنى.." ثم يذكر بعد كل عنوان ما يجده في بابه، وهو يتبع هذا التقسيم بعد كل بيت ولا يكاد يخرج عنه إلا حيث لا يجد شيئًا يذكره بعد أحد هذه العناوين.
[ ٥٠٠ ]