الحديث والفقه:
لقد رُوي عن رسول الله ﷺ وعن بعض الصحابة ما يستفاد منه كراهة كتابة الحديث. وقد جمع الخطيب البغدادي هذه الأحاديث والآثار في القسم الأول من كتابه "تقييد العلم"١. ولكنه في القسم الثاني من كتابه جمع من الأحاديث والآثار ما يكشف عن سبب هذه الكراهة، ثم يعقد عليها بما يُغني عن إطالة الحديث، قال٢: فقد ثبت أن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول، إنما هي لئلا يضاهي بكتاب الله غيره أو يُشتغل عن القرآن بسواه، ونُهي عن الكتب القديمة أن تُتخذ؛ لأنه لا يُعرف حقها من باطلها، وصحيحها من فاسدها، مع أن القرآن كفى منها، وصار مهيمنًا عليها. ونُهي عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدته لقلة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين بين الوحي وغيره؛ لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يُؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام الرحمن".
غير أنه وردت كذلك أحاديث عن رسول الله ﷺ وأخبار عن صحابته ﵃، تحض على كتابة الحديث، وقد جمعها الخطيب كذلك في القسم الثالث من كتابه٣.
ولن نعرض لهذه الأحاديث والآثار بشيء، ففيما صنعه الخطيب البغدادي ما يكفينا ويكفي غيرنا ممن يحب التوسع في هذا الموضوع. ولكننا سنورد من الأخبار ما يدحض الزعم الشائع أن الحديث ظل أكثر من مائة سنة يتناقله
_________________
(١) ١ من ص٢٩ إلى ص٤٩. ٢ ص٥٧. ٣ من ص٦٤ إلى ص١١٤
[ ١٤٣ ]
العلماء حفظًا دون أن يكتب. وسنبين أن الحديث قد دُوِّن على عهد رسول الله ﷺ، وواصل الصحابة والتابعون تدوينه بعد ذلك؛ وأن الحفظ والرواية الشفهية قد سارتا جنبًا إلى جنب مع الكتابة والتدوين لا يفصل بينهما فاصل من الزمن، ولا ينفي وجود إحداهما وجود الأخرى.
فعبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب أحاديث رسول الله ﷺ بعلمه وإذنه، ولقد سأل رسول الله ﷺبعد أن أذن له بكتابة حديثه-: هل يكتب كل ما يسمع؟ فقال ﷺ: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق١. وكان عبد الله بن عمرو يُسمي صحيفته التي كتب عليها الأحاديث: الصادقة. قال مجاهد٢: رأيت عند عبد الله بن عمرو صحيفة، فسألته عنها، فقال: هذه الصادقة فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ، ليس بيني وبينه فيها أحد. ويقال إن فيها ألفًا من الأحاديث١، وقد بقيت هذه الصحيفة عند أهل بيته فكان حفيده عمرو بن شعيب يحدِّث٤ منها. وقد ضمن أحمد بن حنبل هذه الصحيفة مسنده فصانها من الضياع٥.
وصحابي جليل آخر كتب الأحاديث الشريفة هو عبد الله بن عباس. ذكر موسى بن عقبة قال٦: وضع عندنا كريب حمل بعير من كتب ابن عباس، فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب، كتب إليه: ابعث إلي بصحيفة كذا وكذا، فينسخها ويبعث بها.
وصحابي جليل ثالث هو أنس بن مالك خادم رسول الله وملازمه في بيته ليلًا
_________________
(١) ١ مسند أحمد: حديث رقم ٦٥١٠ رقم ٦٨٠٢. ٢ ابن سعد ٧/ ٢: ١٨٩. ٣ أسد الغابة ٣: ٢٣٣. ٤ تهذيب التهذيب ٨: ٤٨-٤٩. ٥ الدكتور محمد حميد الله: أقدم تأليف في الحديث النبوي، مقالة في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، الجزء الأول سنة ١٩٥٣ ص١٠٥. ٦ ابن سعد ٥: ٢١٦.
[ ١٤٤ ]
ونهارًا عشر سنوات. فقد روى هبيرة بن عبد الرحمن أن أنس مالك كان إذا حدث فكثر عليه الناس، جاء بمجال من كتب، فألقاها ثم قال: هذه أحاديث سمعتها وكتبتها عن رسول الله ﷺ وعرضتها عليه١.
وكان أنس يحض بينه على كتابة الحديث٢.
وصحابي جليل رابع هو أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث. قال ابن لعمرو بن أمية الضمري٣: تحدثت عند أبي هريرة بحديث، فأنكر، فقلت: إني قد سمعته منك. فقال: إن كنت سمعته مني فهو مكتوب عندي.
فأخذ بيدي إلى بيته، فأرانا كتبًا كثيرة من حديث رسول الله ﷺ، فوجد ذلك الحديث. وقد كتب عبد العزيز بن مروان إلى كثير بن مرة الحضرمي -وكان قد أدرك سبعين بدريًّا من أصحاب رسول الله ﷺ- أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله ﷺ من أحاديثهم، إلا حديث أبي هريرة فقد ذكر أنه عنده٤. وعن بشير بن نهيك٥ قال: أتيت أبا هريرة بكتابي الذي كتبته فقرأته عليه، فقلت: هذا سمعته منك؟ قال: نعم.
ومن كبار التابعين الذين دونوا الحديث: عروة بن الزبير "المتوفى سنة ٩٤" -وكانت عائشة خالته- قال هشام بن عروة بن الزبير٦: أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له؛ فكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب إلي من أن يكون لي مثل أهلي ومالي.
_________________
(١) ١ تقييد العلم: ٩٥. ٢ ابن سعد ٧: ١٤. ٣ الدكتور حميد الله -المقالة المذكورة سابقًا- نقلًا من جامع بيان العلم ١: ٧٤. ٤ ابن سعد ٧/ ٢: ١٥٧. ٥ ابن سعد ٧: ١٦٢. ٦ المصدر السابق ٥: ١٣٣.
[ ١٤٥ ]
وكان أول كتاب ظهر للشيعة: كتاب سليم بن قيس الهلالي من أصحاب علي١.
وكان سعيد بن جبير يسائل ابن عباس وابن عمر، فيكتب ما يسمع منهما من الحديث٢. وكانت للحسن البصري كتب حديث وفقه، وكان بعض أصحابه يأخذها فينسخها ثم يردها٣.
وهمام بن منبه جالس أبا هريرة، وسمع منه أحاديث، وكتبها في مجموعة سماها: الصحيفة الصحيحة، كأنه سماها على مثال الصحيفة الصادقة التي كتبها عبد الله بن عمرو. والراجح أن همامًا كتبها في حياة أبي هريرة قبل سنة ٥٨ هجرية. وقد نقل أحمد بن حنبل هذه الصحيفة كاملة في مسنده٤؛ ونقل البخاري عددًا كبيرًا من أحاديثها في أبواب شتى٥. وقد عُثر حديثًا على مخطوطتين من هذه الصحيفة، ونشرت في مجلة المجمع العلمي بدمشق٦.
فلم يبق عندنا شك إذن في أن بعض حديث رسول الله ﷺ قد كتب منذ عهده، واستمر الصحابة والتابعون في كتابته، وليس من الصواب في شيء أن يُزعم أن الحديث الشريف بقي مائة سنة أو تزيد يتناقله الناس حفظًا، ولم يدونوه إلا في منتصف القرن الثاني للهجرة.
_________________
(١) ١ ابن النديم: الفهرست: ٣٠٧-٣٠٨. ٢ ابن سعد ٦: ١٧٩-١٨٠. ٣ المصدر السابق ٧/ ٢: ١٧. ٤ ج٢ ص٣١٢-٣١٤. ٥ انظر مقالة الدكتور محمد حميد الله السابق ذكرها. ٦ الجزء الثاني والجزء الثالث من المجلد الثامن والعشرين سنة ١٩٥٣.
[ ١٤٦ ]