-١-
وصلنا -بعد الذي قدمنا من شواهد وأدلة- إلى مفصل من الأمر نطمئن عنده إلى أن الكتابة كانت شائعة عند عرب الجاهلية شيوعًا يكفى لأن ينفي عنهم ما ألحقه بهم تاريخنا الأدبي من وصمة الجهل والأمية. ولعلنا في غنى عن أن نقرر أننا -في حكمنا هذا بشيوع الكتابة في الجاهلية- لا نملك الوسيلة التي تحدد لنا مدى هذه الوسيلة عند سائر الأمم التي سبقت عرب الجاهلية أو عاصرتهم أو تلتهم. فعلم الإحصاء علم حديث النشأة لم نعرفه إلا في عصرنا الحديث، وبغيره لا سبيل إلى القطع الجازم في مدى شيوع الكتابة عند أية أمة من الأمم الأرض١. وحكمنا على عرب الجاهلية لا يختلف عن حكمنا عن الإغريق أو
_________________
(١) ١ لقد أدرك الباحثون في هذا الضرب من الموضوعات كثرة العقبات التي تعترض سبيلهم فيقول بول مونرو the educational renaissance of the sixteenth century في مقدمة كتابه paul Monroe "إنه لمن الشاق العسير أن يحاول الإنسان أن يحصل على معلومات دقيقة عن النشاط التعليمي في العهود الماضية وبخاصة ما يتعلق بتفاصيل عن الحياة المدرسية". وقد أورد الدكتور أحمد شلبي هذا القول في كتابه "تاريخ التربية الإسلامية" "ط. دار الكشاف ١٩٥٤ ص١" ثم عقب عليه بقوله: "وقد لمست أن ما قرره بول مونرو عن صعوبة الحصول على هذه المادة فيما يتعلق بالتعليم في أوربا، ينطبق تمام الانطباق على النظم التعليمية عند المسلمين". فإذ كانت هذه الصعوبة قائمة عند المسلمين بعد أن كثر العلم وشاعت الكتابة وانتشرت المدارس، وإذا كانت كذلك قائمة عند الأوربيين، فما أحرى أن تكون قائمة عند دراستنا لهذا الموضوع في العصر الجاهلي.
[ ٥٩ ]
البابليين أو الفينيقيين أو المصريين القدماء في إبان حضارتهم. فهل كانت الكتابة شائعة عند الإغريق والفينيقيين والمصريين القدماء؟ أحسب أن نعم. وهل كان شيوعًا عامًّا يشمل كل فرد في تلك الأمم؟ أو كان تعميمًا غالبًا يشمل الكثرة الكاثرة منها؟ سؤال لا سبيل إلى القطع فيه، ولكن المنطق المادي لتاريخ أدوات الكتابة وآلاتها يجعلنا نرجح أن الشيوع العام الشامل أو التعميمي الغالب عسير المنال في مثل تلك الأطوار التاريخية. بل ما لنا نبعد والأمثلة قريبة بين أيدينا؟ فهل الكتابة شائعة الآن في البلاد العربية؟ لا ريب أنها كذلك، وأمثلة شيوعها واضحة في هذه الجامعات والمعاهد العالية، والمدارس المختلفة، والمطبوعات والمنشورات والصحف؛ فهل شيوعها عام شامل لكل فرد، أو هو تعميمي غالب يشمل الكثرة الكاثرة؟ الحق أنه لا هذا ولا ذاك. ومع أننا نفتقد الإحصاء الدقيق إلا أن المعروف أن شيوع الكتابة في البلاد العربية، لعصرنا هذا، لا يشمل إلى نسبة ضئيلة من قطان هذه البلاد تتراوح بين عشرين وثلاثين لكل مائة. أما الثمانون أو السبعون الباقون من كل مائة فما زالوا بعديدين عن أن تصل إليهم معرفة الكتابة. ومع أن هذه النسبة للكاتبين نسبة ضئيلة إلا أنه عددهم كبير، فهم -على قلتهم- يعدون بالملايين.
فنحن إذن لا نقصد بشيوع الكتابة بين عرب الجاهلية أن كل عربي آنذاك كان كاتبًا، بل لا نقصد أن الكثرة الغالبة كانت كاتبة، وإنما نقصد أن الكتابة كانت أمرًا معروفًا مألوفًا شائعًا عند قومنا آنذاك، كما كانت الأمية شائعة منتشرة؛ وأن عدد الكاتبين كان كبيرًا، كما كان عدد الأميين كبيرًا. أما تحديد العدد وتحديد النسبة فأمران لا سبيل لنا ولا لغيرنا إلى بيانهما.
بقي أمران يتم بهما هذا الفصل، أولهما: استقراء الموضوعات التي كان عرب الجاهلية يكتبونها، وثانيهما: الكشف عن أدوات الكتابة وآلاتها آنذاك.
[ ٦٠ ]
أما موضوعات الكتابة في العصر الجاهلي فقد كانت -فيما يبدو لنا من استقرائنا- كثيرة متنوعة، فقد كان القوم آنذاك يكتبون كثيرًا من شئون حياتهم وألوانًا متعددة من الموضوعات التي يفرضها عليهم نشاطهم العملي أو العلمي أو الوجداني. ومع اعترافنا بأن اسقراءنا ناقص -بسبب إغفال المصادر العربية هذا اللون من النشاط العلمي في الجاهلية- فقد وصلنا إلى أمور نراها جديرة بالذكر والتسجيل. وسنسردها هنا غير مراعين في ترتيبنا لها تقديم الأهم على المهم، ولا الأكثر على الكثير؛ لأن الحكم على أهمية هذه الموضوعات أو كثرتها حكم لا نملك الآن وسائله.
وأول هذه الموضوعات التي كانوا يدونونها: الكتب الدينية: ونحن لا نشك في أن أهل الكتاب: اليهود والنصارى، كانت كتبهم مدونة بين أيديهم يتلونها، وأن هذه الكتب لم تكن نسخًا قليلة العدد موقوفة على الرهبان والأحبار وحدهم، وإنما كانت مصاحف كثيرة يتداولها أهل هاتين الديانتين، حتى إن المسلمين بعد فتح خيبر وجدوا مصاحف فيها التوراة فجمعوها ثم ردوها على اليهود١.
وقد مر بنا أن ورقة بن نوفل "كان يكتب الكتاب العبراني فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب"٢. ومع أن هذا النص يشير إلى أن التوراة والإنجيل كانا مكتوبين بالعبرية أو السريانية٣، وأن بعض العرب كان يقرؤهما بهذه اللغة فإنه -مع ذلك- لا ينفي أن هذين الكتابين كانا يكتبان بالعربية، وأن بعض العرب كان يقرؤهما بهذه اللغة. فنحن نعلم أن قبائل عربية
_________________
(١) ١ المقريزي، إمتاع الأسماع: ٣٢٣. ٢ الأغاني "دار الكتب" ٣: ١٢٠. ٣ يذكر الأب لويس شيخو عند حديثه عن كتابة ورقة بالعبرانية أن "عبرانية ذلك العهد هي الآرامية أو السريانية" انظر كتابه "النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية" ص١٥٧.
[ ٦١ ]
كاملة كثيرة العدد كانت قد تهودت أو تنصرت١. فهل كان هؤلاء العرب لا يقرءون كتبهم الدينية؟ أو هل كانوا يقرءونها باللغة العبرية أو بغيرها من اللغات؟ وهل من المعقول أن نفترض أن هؤلاء العرب كانوا، حين يتهودون أو يتنصرون، يشترط فيهم أن يتعلمون العبرية أو الآرامية؟ الأقرب إلى المعقول أن نفترض أنهم كانوا يقرءون كتبهم الدينية مترجمة إلى لغتهم العربية. وليس هذا في الحق فرضًا أو استنتاجًا لا تدعمه النصوص، وإنما هو نتيجة أملتها علينا -مع سلامة المنطق- شواهد من الروايات:
ففي حديث سويد بن الصامت أنه قال لرسول الله ﷺ: لعل الذي معك مثل الذي معي! فقال: وما الذي معك؟ قال سويد: مجلة لقمان٢ يريد كتابًا فيه حكمة لقمان٣. فقال له رسول الله ﷺ: اعرضها علي. فعرضها عليه، فقال له: إن هذا لكلام حسن والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى، هو هدى ونور٤.
وقد مر بنا حديث خالد بن عرفطة حين كان جالسًا مع عمر بن الخطاب فأُتي برجل من عبد القيس نسخ كتاب دانيال، فضربه عمر وقال له: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ولا تقريه أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنك عقوبة. ثم قال عمر: انطلقت أنا فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله ﷺ: ما هذا في يدك يا عمر؟ قلت: يا رسول الله كتاب
_________________
(١) ١ ابن حزم. جمهرة أنساب العرب: ٤٥٧-٤٥٨. ٢ الزمخشري. الفائق ١: ٢٠٦. ٣ لسان العرب "حلل". ٤ ابن هشام. السيرة ٢: ٦٨.
[ ٦٢ ]
انتسخته. لنزداد به علمًا إلى علمنا فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه١.
وقال عمرو بن ميمون الأودي٢: كنا جلوسًا بالكوفة فجاء رجل، ومعه كتاب، فقلن: ما هذا الكتاب؟ قال: كتاب دانيال. فلولا أن الناس تحاجزوا عنه لقُتل، وقالوا: أكتاب سوى القرآن!
وقال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم٣: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟
وقال مُرة٤: بينما نحن عند عبد الله بن مسعود إذ جاء ابن قرة بكتاب قال: وجدته بالشام، فأعجبني فجئتك به. فنظر فيه عبد الله ثم قال: إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب. وتركهم كتابهم. ثم دعا بطست فيه ماء فماثه فيه ثم محاه فقال مُرة٥: أما إنه لو كان من القرآن أو السنة لم يمحه ولكن كان من كتب أهل الكتاب.
يفهم من هذه الأخبار والأحاديث أن هذه الكتب كانت مكتوبة بالعربية لغة القوم، وإلا فهل كان سويد بن الصامت يحمل معه مجلة لقمان وهي مكتوبة بغير العربية؟ وهل قرأها على رسول الله بتلك اللغة وفهمها رسول الله؟ ثم هل كان هذا الرجل العربي من عبد القيس قد نسخ كتاب دانيال من لغة غير عربية؟ وهل نهاه عمر أن يقرأه وأن يقرئه أحدًا من الناس بتلك اللغة غير العربية؟ وهل كان ذلك شأن عمر حينما نسخ كتابًا من كتب أهل الكتاب فأغضب رسول الله؟ ثم هذا الكتاب الذي جاء به ابن قرة من الشام "فنظر فيه" عبد الله بن
_________________
(١) ١ تقييد العلم: ٥١-٥٢. ٢ تقييد العلم: ٥٦-٥٧ ٣ الفائق ٣: ٢١٨. ٤ تقييد العلم: ٥٣. ٥ سنن الدارمي ١: ١٢٣.
[ ٦٣ ]
مسعود ثم محاه؛ لأنه لم يكن من القرآن أو السنة وإنما كان من كتب أهل الكتاب، أترى عبد الله بن مسعود نظر فيه وعرف ذلك وهو مكتوب بغير العربية؟
فلعل القوم كانوا يكتبون الكتب الدينية بالكتابة العربية كما كانوا يكتبونها بغير العربية.
ومن الشعر الجاهلي الذي يشير إلى معرفة عرب الجاهلية بهذه الكتب الدينية قول خزز بن لوذان١:
وكذاك لا خير ولا شر على أحد بدائم
قد خط ذلك في الزبو ر الأوليات القدائم
ومنه قول امرئ القيس٢:
أتت حجج بعدي عليها فأصبحت كخط زبور في مصاحف رهبان
وقول السموءل يصف اليهود٣:
وبقايا الأسباط يعقو ب دراس التوراة والتابوت
وقول النابغة يمدح الغساسنة النصارى ويذكر الإنجيل٤:
مجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب
_________________
(١) ١ لسان العرب "حتم"، وانظر خزانة الأدب ٣: ١١ حيث يذكر أن خزز بن لوذان السدوسي جاهلي. ٢ ديوانه "ط. هندية سنة ١٩٠٦" ص١٢٥. ٣ ديوانه "ط. شيخو" ص١٢ ٤ ديوانه "خمسة دواوين سنة ١٢٩٣" ص٨، ويروى في عجز البيت: "خير العواقب" برفع "خير" خبر "ما يرجون".
[ ٦٤ ]
-٣-
ولعل الموضوع الثاني الذي كانوا يكتبونه، حريصين على كتابته ما وسعهم الحرص، هو هذه العهود والمواثيق والأحلاف التي يرتبطون بها فيما بينهم أفرادًا وجماعات. قال الجاحظ١: "كانوا يدعون في الجاهلية من يكتب لهم ذكر الحلف والهدنة تعظيمًا للأمر، وتبعيدًا من النسيان". وقد ورد ذكر هذه العهود المكتوبة في الشعر الجاهلي، قال الحارث بن حلزة اليشكري في شأن بكر وتغلب٢:
واذكروا حلف ذي المجاز وما قدم فيه، العهود والكفلاء٣
حذر الجور والتعدي، وهل ينـ ـقض ما في المهارق الأهواء؟
وذكر الجاحظ أنه "لا يقال للكتب:
مهارق، حتى تكون كتب دين أو كتب عهود وميثاق وأمان".
ومن الشعر الجاهلي الذي تذكر فيه هذه المهارق قول الأعشى٤:
ربي كريم لا يكدر نعمة وإذا يناشد بالمهارق أنشدا
وربه هذا إنما يعني به سيدًا كريمًا متفضلًا عليه -كما يتضح من البيت السابق لهذا البيت- والمهارق هنا قد تعني الكتب الدينية، فيصف هذا السيد بالتدين وبأنه يلبي داعي الدين إلى صلة المحروم وإعطاء المحتاج، وقد تعني المهارق كتب العهود والأحلاف، فيكون معنى البيت أن هذا السيد الكريم لا يخفر ذمته ولا ينقض عهده، وإنما يفي بما عاهد عليه، فإذا ما ذكره بهذه العهود المكتوبة في المهارق بادر إلى المحافظة عليها والوفاء بها.
_________________
(١) ١ الحيوان ١: ٦٩-٧٠ ٢ شرح المعلقات للتبريزي: ٢٦٨-٢٦٩، وقد شرح التبريزي البيتين بقوله: إن كانت أهواؤكم زينت لكم الغدر والخيانة بعد ما تحالفنا وتعاقدنا، فكيف تصنعون بما هو في الصحف مكتوب عليكم من العهود والمواثيق والبينات فيما علينا وعليكم؟ ٣ الكفلاء: الرهائن. ٤ ديوانه: قصيدة: ٣٤، بيت: ١٣
[ ٦٥ ]
ومن أوضح الشعر الجاهلي الذي يذكر هذا الضرب من تسجيل الأحلاف والعهود: قول درهم بن زيد الأوسي يُذكِّر الخزرج ما بينهم من عهود مكتوبة على الصحف١:
وإن ما بيننا وبينكم حين يقال: الأرحام والصحف
وقول قيس بن الخطيم٢:
لما بدت غدوة جباههم حنت إلينا الأرحام والصحف
يعني بالصحف: العهود والمواثيق والأحلاف المسجلة في الصحائف.
ومن الأحلاف التي كتبت في الجاهلية حلف خزاعة، بين عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ ورجال من خزاعة، وكتب لهم الحلف أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة، وعلقوا الكتاب في الكعبة٣؛ وقد جاء خزاعة رسول الله يوم الحديبية بكتاب جده فقرأه عليه أبي بن كعب٤.
وقد زعم أبو حنيفة الدينوري٥ أن عمر بن إبراهيم من ولد أبرهة بن الصباح ملك حمير أرسل إلى الكرماني نسخة حلف اليمن وربيعة الذي كان بينهم في الجاهلية. ثم أورد نص هذا الحلف.
ومن أشهر هذه العهود والمواثيق: صحيفة قريش التي تعاقدوا فيها "على بني هاشم وبني المطلب على ألا ينكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم٦".
_________________
(١) ١ ديوان حسان بن ثابت. مخطوط في مكتبة أحمد الثالث بإسطنبول، رقم ٢٥٣٤، وميكروفيلم في معهد المخطوطات، ورقة: ٢٠. ٢ ديوانه: ١٩. ٣ ديوان حسان، مخطوطة أحمد الثالث، ورقة: ١٥-١٦. ٤ محمد حميد الله، الوثائق السياسية: ٥٠ وقد خرج هناك مصادره. ٥ الأخبار الطوال "ط. السعادة ١٣٣٠هـ" ص٣٣٦. ٦ ابن هشام، السيرة ١: ٣٧٥-٣٧٦.
[ ٦٦ ]
وكما كانوا يكتبون العهود والأحلاف بين الجماعات، كانوا كذلك يكتبون العهود والمواثيق بين الأفراد. ومن أمثلة ذلك حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال١: كاتبت أمية بن خلف كتابًا في أن يحفظني في صاغيى بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة٢.
ويبدو أنهم كانوا يسجلون كل أمر عام ذي بال يتصل بمجموع الناس أو بجماعات منهم -إذا أرادوا لهذا الأمر توكيدًا أو أرادوا أن يشهدوا عليه الملأ- ولا يقتصرون في ذلك على الأحلاف والمواثيق. فمن أمثلة هذه الأمور العامة التي كانوا يسجلونها ما قاله أبو جهل للعباس بن عبد المطلب حين شاعت في مكة رؤيا أخته عاتكة بنت عبد المطلب، قال٣: "يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال٤: انفروا من ثلاث. فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب".
ومما يتصل بكتابة العهود والمواثيق والأحلاف كتابة كتب الأمان، وربما كانت أقل من سابقتها إذ أنها لا تصدر إلا في حالات لا تتكرر كثيرًا. فمن ذلك كتاب النعمان الذي أرسله إلى الحارث بن ظالم وهو في مكة يؤمِّنه٥، فلما ذهب إليه الحارث ودخل عليه قال: أنعم صباحًا أبيت اللعن. قال النعمان: لا أنعم الله صباحك. فقال الحارث: هذا كتابك! قال النعمان: كتابي والله ما أنكره أنا كتبته لك
_________________
(١) ١ الزمخشري، الفائق ٢: ٢٦. ٢ الصاغية: هم الذين يصغون إلى المرء ويميلون إليه، أي: جماعته. ٣ ابن هشام، السيرة ٢: ٢٥٩-٢٦٠؛ وانظر أيضًا ابن سعد، الطبقات ٨: ٣٠؛ والأغاني "دار الكتب" ٤: ١٧٢. ٤ القائل هنا راكب رأته عاتكة في نومها مقبلًا على بعير له حتى وقف بالأبطح. ٥ الأغاني ١١: ١٢٠.
[ ٦٧ ]
وكما كانوا يكتبون العهود والأحلاف بين الجماعات، كانوا كذلك يكتبون العهود والمواثيق بين الأفراد. ومن أمثلة ذلك حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال١: كاتبت أمية بن خلف كتابًا في أن يحفظني في صاغيى بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة٢.
ويبدو أنهم كانوا يسجلون كل أمر عام ذي بال يتصل بمجموع الناس أو بجماعات منهم -إذا أرادوا لهذا الأمر توكيدًا أو أرادوا أن يشهدوا عليه الملأ- ولا يقتصرون في ذلك على الأحلاف والمواثيق. فمن أمثلة هذه الأمور العامة التي كانوا يسجلونها ما قاله أبو جهل للعباس بن عبد المطلب حين شاعت في مكة رؤيا أخته عاتكة بنت عبد المطلب، قال٣: "يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال٤: انفروا من ثلاث. فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب".
ومما يتصل بكتابة العهود والمواثيق والأحلاف كتابة كتب الأمان، وربما كانت أقل من سابقتها إذ أنها لا تصدر إلا في حالات لا تتكرر كثيرًا. فمن ذلك كتاب النعمان الذي أرسله إلى الحارث بن ظالم وهو في مكة يؤمِّنه٥، فلما ذهب إليه الحارث ودخل عليه قال: أنعم صباحًا أبيت اللعن. قال النعمان: لا أنعم الله صباحك. فقال الحارث: هذا كتابك! قال النعمان: كتابي والله ما أنكره أنا كتبته لك
_________________
(١) ١ الزمخشري، الفائق ٢: ٢٦. ٢ الصاغية: هم الذين يصغون إلى المرء ويميلون إليه، أي: جماعته. ٣ ابن هشام، السيرة ٢: ٢٥٩-٢٦٠؛ وانظر أيضًا ابن سعد، الطبقات ٨: ٣٠؛ والأغاني "دار الكتب" ٤: ١٧٢. ٤ القائل هنا راكب رأته عاتكة في نومها مقبلًا على بعير له حتى وقف بالأبطح. ٥ الأغاني ١١: ١٢٠.
[ ٦٨ ]
في آخر الخبر: "وكان الخط شبه خط النساء" ناقض لقوله إنه بخط عبد المطلب؟ أو أنه يقصد إلى القول إن هذا الخط الذي هو خط عبد المطلب شبه خط النساء؟ فنحن إذن نضعف ذلك الخبر على هذا الوجه الذي ورد عليه، وإن كنا مع ذلك لا نستطيع أن نقطع بنفيه؛ لأننا نرى أن الخبر في جوهره: وهو أن ثمة صكًّا ما فيه حق لعبد المطلب على رجل حميري لا سبيل إلى الطعن فيه.
وقد كان كثير من القوم آنذاك تجارًا، فكان من الطبيعي أن يكثر عندهم هذا الضرب من الكتابة يحفظون به حقوقهم أن تضيع، حتى لقد كانت النساء التاجرات يلجأن إلى هذه الوسيلة، شأنهن في ذلك شأن الرجال. فقد رُوي أن عبد الله بن أبي ربيعة كان يبعث بعطر من اليمن إلى أمه أسماء بنت مخربة، وهي أم أبي جهل، فكانت تبيعه إلى الأعطية، فذهبت إليها الربيع بنت معوذ في نسوة من الأنصار ليشترين منها العطر؛ قالت الربيع: فلما جعلت لي في قواريري، ووزنت لي كما وزنت لصواحبي، قالت: اكتبن لي عليكن حقي. فقلت: نعم، اكتب لها على الربيع بنت معوذ ١
وقد حفظ لنا الشعر الجاهلي ذكر هذا الضرب من الصحف التي يسجل فيها الدين، قال علباء بن أرقم بن عوف من بني بكر بن وائل٢:
أخذت لدين مطمئن صحيفة وخالفت فيها كل من جار أو ظلم
وقال أبو ذؤيب الهذلي يصف كاتبًا من اليمن يكتب دينه على رجل آخر يُثني عليه الناس بالوفاء٣:
عرفت الديار كرقم الدوا ة يزبره الكاتب الحميري
_________________
(١) ١ الواقدي، المغازي: ٦٥؛ وابن سعد، الطبقات ٨: ٢٢٠. ٢ الأصمعيات "برلين ١٩٠٢" ص٦٣، وانظر اسم الشاعر وبيتين من القصيدة في معجم المرزباني: ٣٠٤. ٣ ديوان الهذليين ١: ٦٤.
[ ٦٩ ]
برقم ووشي كما زخرفت بميشمها المزدهاة الهدى
أدان وأنبأه الأولو ن أن المدان الملي الوفي
فنمنم في صحف كالريا ط فيهن إرث كتابٍ محي
وثمة ضرب آخر من الصكوك، وهي التي يسجل فيها ما كان يقطعه الأمير أو السيد للمتعرض لنواله، وكان هذا الصك يُسمى: الوصر، والإصر، والأوصر، والوصرة. ووصره: أقطعه أرضًا وكتب له الوصر١. قال عدي بن زيد٢:
فأيكم لم ينله عرف نائله دثرًا سوامًا وفي الأرياف أوصارا
أي: أقطعكم وكتب لكم السجلات.
وذكر شاعر، بعده، هذا الضرب من الصكوك فقال -يشير إلى فرسه: صدام، ويخاطب خاتمه٣:
وما اتخذت صدامًا للمكوث بها ولا انتقشتك إلا للوصرات
وهذا الضرب من الصكوك قد يسمى أيضًا القط، وجمعها: قطوط. قال الأعشى٤:
ولا الملك النعمان يوم لقيته بإمته يُعطِي القطوط ويأفق
أي: يدفع إلى الناس صكوكهم بما أقطعهم أو بما قسم لهم من جوائز.
وقال المتلمس لما ألقى الصحيفة المشهورة في نهر الحيرة٥:
_________________
(١) ١ الزمخشري، أساس البلاغة "وصر". ٢ الزمخشري، الفائق٣: ١٦٦، والدثر: المال الكثير. ٣ أساس البلاغة "وصر"، وصدام: اسم فرسه. ٤ ديوانه ق: ٣٤، ب: ١٣، والإمة: النعمة؛ ويأفق: يطبع القطوط "أي: صكوك الجوائز" ويختمها. ٥ ابن السيد البطليوسي، الاقتضاب في شرح أدب الكتاب: ٩٣.
[ ٧٠ ]
وألقيتها بالثني من جنب كافر كذلك أُلقِي كل قط مضلل
وقد جاء ذكر القط أيضًا في التنزيل الحكيم، قال تعالى:
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ١
-٥-
وضرب رابع أحسبه لا يقصر عن الضروب السابقة كثرة واتساعًا وخطرًا، وهو كتابة الرسائل بين الأفراد، يحملونها أخبارهم، ويضمنونها ما تتطلبه شئون حياتهم. ومن يقرأ أخبار الجاهلية في كتب الأدب أو كتب التاريخ يعجب لكثرة رسائلهم آنذاك، ويكد يلمس أن كتابة الرسائل في الجاهلية أمر مألوف ميسور شائع في شتى الشئون. وسنكتفي -توخيًا للإيجاز- بذكر أمثلة قليلة، ثم لا نثبت نصوصها بل نشير إشارة مقتضية إلى موضوعها.
فمن رسائلهم التي كانوا يحملونها أخبارهم ما كتبه حنظلة بن أبي سفيان إلى أبيه -وكان أبو سفيان مع العباس بن عبد المطلب بنجران في اليمن- فكتب حنظلة إليه يخبره بقيام محمد بن عبد الله يدعو إلى الله٢.
ومنها كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ في أمرهم، وكان كتابه إلى ثلاثة نفر: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل، يقول فيه: إن رسول الله قد أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد بكتابي إليكم٣
_________________
(١) ١ سورة "ص" آية: ١٦. ٢ الأغاني "دار الكتب" ٦: ٢٥٠. ٣ المقريزي، إمتاع الأسماع: ٣٦٢.
[ ٧١ ]
ومنها رسالة الوليد بن الوليد بن المغيرة إلى أخيه خالد بن الوليد، وذلك أن خالدًا خرج من مكة فرارًا أن يرى رسول الله ﷺ وأصحابه في عمرة القضية، كراهة للإسلام وأهله، فسأل رسول الله ﷺ عنه الوليد، وقال: لو أتانا لأكرمناه، وما مثله سقط عليه الإسلام في عقله. فكتب بذلك الوليد إلى خالد أخيه، فوقع الإسلام في قلب خالد، وكان سبب هجرته١.
وقدم على الحارث بن مارية الغساني الجفني رجلان من بني نهد بن زيد يقال لهما: حزن وسهل ابنا رزاح. وكان عندهما حديث من أحاديث العرب، فاجتباهما الملك، ونزلا بالمكان الأثير عنده، فحسدهما زهير بن جناب الكلبي -وكان ينادم الحارث ويحادثه- فقال له إنهما عين عليه للمنذر الأكبر -جد النعمان بن المنذر- "وهما يكتبان إليه بعورتك وخلل ما يريان منك"٢.
وكانوا يكتبون الرسائل يطلبون فيها العون والنصرة، ومن أمثلة ذلك: كتاب قصي بن كلاب إلى أخيه ابن أمه رزاح بن ربيعة بن حرام العذري يدعوه إلى نصرته٣، وكتاب السموءل إلى الحارث بن أبي شمر الغساني يوصي بامرئ القيس لعله يمده بما يحقق له أمله٤.
وكان المسافرون النازحون يكتبون إلى أهلهم بما يعرض لهم من أمور. فهذه أم سلمة لما قدمت المدينة، وذلك قبل زواجها برسول الله ﷺ، أخبرتهم أنها بنت أبي أمية بن المغيرة، فكذبوها، وقالوا: ما أكذب الغرائب! "حتى أنشأ ناس منهم للحج، فقالوا: أتكتبين إلى أهلك؟ فكتبت معهم. فرجعوا إلى المدينة فصدقوها"٥.
_________________
(١) ١ نسب قريش: ٣٢٤. ٢ الأغاني "دار الكتب" ٥: ١١٨. ٣ ابن هشام، السيرة ١: ١٢٤؛ وابن سعد؛ الطبقات ١: ٣٨. ٤ الأغاني "دار الكتب" ٩: ٩٩. ٥ ابن سعد، الطبقات ٨: ٦٥.
[ ٧٢ ]
وكتب الزبرقان بن بدر إلى زوجته أن تحسن إلى الحطيئة وتستوصي به خيرًا١.
وقد كانوا يبدءون كتبهم هذه بـ "باسمك اللهم"، ويقال إن أمية بن أبي الصلت هو الذي علم أهل مكة ذلك فجعلوها في أول كتبهم٢. فكانت قريش تكتب في جاهليتها "باسمك اللهم" وكان النبي ﷺ كذلك، ثم نزلت سورة "هود" وفيها ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، فأمر النبي ﷺ بأن يكتب في صدر كتبه "بسم الله"، ثم نزلت في سورة "بني إسرائيل: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فكتب "بسم الله الرحمن" ثم نزلت في سورة "النمل": ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فجعل ذلك في صدر الكتب إلى الساعة٣.
-٦-
وضرب سادس من الكتابة لا ندري عنه إلا النزر اليسير، ولكنا مع ذلك لا نستبيح إغفاله؛ لأننا في هذا الاستقصاء إنما نثبت كل ما عثرنا عليه، وعسى أن يكمل غيرنا ما فيه من نقص، أو يفصل ما فيه من إيجاز. وهذا الضرب السادس هو: مكاتبة الرقيق. وذلك أن يتفق العبد وسيده على قدر معلوم من المال يكون في الغالب مساويًا لثمنه، فإذا أداه لسيده عتق وأصبح حرًّا.
وأغلب الظن أن هذا الاتفاق كان يتم في بعض الأحوال شفاهًا لا تسجيل فيه، ولكنه في حالات أخرى يسجل ويكتب، فقد رُوي أن أبا أيوب
_________________
(١) ١ الأغاني ٢: ١٨٠. ٢ الأغاني ٣: ١٢٣. ٣ الصولي، أدب الكتاب: ٣١؛ وابن السيد البطليوسي، الاقتضاب، ١٠٣-١٠٤.
[ ٧٣ ]
الأنصاري ندم على مكاتبة مولاه أفلح، فأرسل إليه فقال: إني أحب أن ترد إليَّ الكتاب، وأن ترجع كما كنت. فقد لأفلح ولده وأهله: أترجع رقيقًا وقد أعتقك الله؟ فقال أفلح: والله لا يسألني شيئًا إلا أعطيته إياه. فجاءه بمكاتبته فكسرها١.
وكذلك قال بكار بن محمد: "مكاتبة أنس بن مالك سيرين الصك في صحيفة حمراء عندنا: هذا ما كاتب عليه ، قال بكار: الطينة التي فيها الخاتم وسط الصحيفة والكتاب حولها"٢.
والمرجح أن هذه المكاتبة لم تكن أمرًا مستحدثًا في الإسلام، وإنما كانت من أمور الجاهلية التي أقرها الإسلام وثبتها، وإنما كانت في الجاهلية تتوقف على رغبة السيد أو المالك، فقد يأذن لعبده أن يكاتبه وقد يمنعه. فلما جاء الإسلام فرض على المسلم أن يستجيب لعبده إذا أراد المكاتبة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ ٣.
ودليل وجود هذا الضرب من الكتابة في الجاهلية ما تذكره كتب التفسير من أسباب نزول هذه الآية، وذلك أنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له: صبح -وقيل صبيح- طلب من مولاه أن يكاتبه، فأبى، فأنزل الله تعالى هذه الآية فكاتبه حويطب٤. فقد طلب الغلام المكاتبة إذن قبل نزول هذه الآية، وذلك امتداد لما ألفوه قبل الإسلام، ولكن مولاه أبى عليه، حتى إذا نزلت الآية كاتبه. وبذلك أصبحت المكاتبة نظامًا ملزمًا في الإسلام.
_________________
(١) ١ ابن سعد ٥: ٦٢. ٢ ابن سعد ٧: ٨٧. ٣ سورة النور، آية: ٣٣. ٤ تفسير القرطبي ١٢: ٢٤٤.
[ ٧٤ ]
-٧-
وثمة موضوعات أخرى للكتابة فرعية جزئية، آثرنا أن نجمعها معًا ونقرنها في عقال واحد. فمنها: النقش في الخاتم. والخاتم على أنواع:
أ- فمنها الخاتم الذي تختم به الرسائل، وقد ورد ذكره في الشعر الجاهلي، فمن ذلك قول امرئ القيس١:
ترى أثر القرح في جلده كنقش الخواتم في الجرجس
والجرجس هنا: إما الطين الذي يختم به، وإما الصحيفة نفسها.
وقال المخبل السعدي يذكر رجلًا أعطاه النعمان بن المنذر خاتمه، ويقال لخاتم الملك الحلق٢:
وأُعطِي منَّا الحلق منا الحلق أبيض ماجد رديف ملوك ما تغب نوافله
ويقال إن أول من ختم الرسائل وطبعها عمرو بن هند٣ وذلك بعد الذي حدث من المتلمس في صحيفته.
وقد كان لرسول الله ﷺ خاتم من ورق نقش عيه "محمد رسول الله"٤؛ وكذلك اتخذ الصحابة رضوان الله عليهم نقوشًا مختلفة٥.
_________________
(١) ١ ديوانه "السندوبي": ١٠٢، وقد ورد البيت في الاقتضاب البطليوسي ص٩٧ هكذا: ترى أثر القرح في جلدتي كما أثر الختم في الجرجس ٢ البطليوسي، الاقتضاب: ٩٧. ٣ الاقتضاب: ١٠٤. ٤ الصولي، أدب الكتاب: ١٣٩؛ والزمخشري، الفائق٢: ٧٢-٧٣. ٥ ابن سعد، الطبقات ٣/ ١: ١٩-٢٠، ١٥٠، ٢٨٠، ٣٠٠، وج٦: ٢٦، ٥١، ٩٦، ١٤٦، وج٧: ٥، ١١، ١٤.
[ ٧٥ ]
وكانت هذه النقوش إما كتابة عربية وإما علامات وصورًا١.
ب- ومن أنواع الخاتم: الطابع الذي تُطبع وتختم به أوعية الطعام أو الشراب، قال الأعشى٢:
وصهباء طاف يهوديها وأبرزها وعليها ختم
ومن أسماء هذا الضرب من خاتم الطعام: الروسم، وهي خشبة مكتوبة بالنقر يختم بها الطعام والأكداس. والرواسيم كتب كانت في الجاهلية٣.
ومن أنواع النقش: الحفر والكتابة على الخشب، فقد رُوي أن أبا سفيان حين أراد الخروج إلى أحد امتنعت عليه رجاله. فأخذ سهمين من سهامه، فكتب على أحدهما: نعم، وعلى الآخر: لا، ثم أجالهما عند هبل، فخرج سهم الإنعام، فاستجرهم بذلك٤!
ومن تمام الحديث على النقش أن نشير إلى موضوع آخر كانوا ينقشونه وهو: شواهد القبور على الحجارة والصخور. وقد مر بنا طرف من ذلك حين تحدثنا عن نشأة الخط العربي، ونزيد عليه ما ذكره ابن النديم٥ من أن حجرًا عثر عليه بمسجد السور عند قبر المريين حينما حسم السيل عن الأرض، وفيه كتابة نقشها أسيد بن أبي العيص تشبه أن تكون شاهد قبر.
بقي موضوع أخير هو كتابة النسب والشعر والأخبار: وقد أخرنا الإشارة إلى هذا الضرب من موضوعات الكتابة؛ لأننا نقصد إلى أن نخصه وحده بحديث وافٍ سنجعله موضوع الباب الثاني.
_________________
(١) ١ ابن سعد ٦: ٩٦، ١٤٦، وج٧: ٥؛ ويذكر الأستاذ جروهمان أنه عثر على ورقة بردي كتبها عمرو بن العاص نفسه وعليها خاتمه وهو صورة ثور هائج، انظر: Dr. A. Grohmann، from the world of Arabic papyri، Cairo، ١٩٥٢، p. ١١٥. ٢ ديوانه ق: ٤، ب: ١٠. ٣ لسان العرب والتاج "رسم". ٤ الفائق ٣: ١٩٠. ٥ الفهرست: ٨.
[ ٧٦ ]