وقد سبق لنا قول مفصل عن قيمة الشعر الجاهلي وخطره للقبيلة١؛ إذ هو ديوان أمجادها وأحسابها، وسجل مآثرها ومفاخرها، ومستودع آدابها وأنسابها وأخبارها. وأشرنا إلى عناية القبيلة بمدح الشعراء، وحرصها على إكرامهم واستمالتهم وذكرنا كيف كانت القبيلة تحتفي إذا نبغ فيها شاعر: فتصنع الأطعمة، وتجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعن في الأعراس، وتأتي القبائل فتهنئها٢. ودللنا على مبلغ عناية القبيلة بالشعر بأن بني تغلب كانوا يعظمون قصيدة عمرو بن كلثوم المعلقة، وكان يرويها صغارهم وكبارهم حتى هجوا بذلك، فقال بعض شعراء بكر بن وائل٣:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يروونها أبدًا مذ كان أولهم يا للرجال لشعر غير مسئوم
_________________
(١) ١ انظر الباب الثاني، الفصل الأول، فقرة "١". ٢ ابن رشيق، العمدة ١: ٤٩. ٣ الأغاني "دار الكتب" ١١: ٥٤.
[ ٢٣١ ]
ولذلك كانت القبيلة مصدرًا من مصادر شعر شعرائها، ومصدرًا من مصادر الشعر الذي يمدحها به شعراء القبائل الأخرى. ومن أجل ذلك أخذ العلماء الرواة في القرن الثاني بعد شعر الجاهلية من هذه القبائل، ومما يرويه رواة منها من شعر شعرائها. وسنسرد بعض الأمثلة على رواية أفراد من القبيلة لشعر شعرائها، مبتدئين بعصر الرسول الكريم ﷺ، ومنتهين بآخر القرن الثاني.
فهذا رسول الله ﷺ، حينما أراد أن يسمع بعض شعر أمية بن أبي الصلت الثقفي، استنشد رجلًا من ثقيف، قبيلة الشاعر، هو الشريد بن سويد الثقفي، فأنشده مائة بيت١.
وحينما أراد عبد الملك بن مروان أن يسأل عن ذي الإصبع العدواني وأخباره ونسبه، وحينما أراد أن يسمع من ينشده قصيدته "عذير الحي من عدوان.."
سأل في كل ذلك رجلًا من جديلة، وعدوان قبيلة ذي الإصبع بطن من جديلة فلما أجاب الرجل عن كل ذلك قال له عبد الملك٢: "ادن مني، فإني أراك بقومك عالمًا".
وكذلك روى خراش بن إسماعيل عن رجل من بني تغلب ثم من بني عتاب خبرًا عن بنت مهلهل وابنها عمرو بن كلثوم، وعمرو بن كلثوم من تغلب٣.
ويروي ابن الكلبي بعض أخبار حاتم عن أفراد قبيلته طيئ فيقول٤: "حدثني الطائيون "
وحينما دخل ثمامة بن الوليد على المنصور، قال له المنصور٥: يا ثمامة، أتحفظ حديث ابن عمك عروة الصعاليك بن الورد العبسي؟ فقال: أي حديثه
_________________
(١) ١ ابن سعد ٥: ٣٧٦، وانظر المزهر ٢: ٣٠٩، والخزانة ١: ٢٢٧. ٢ الأعاني ٣: ٩١-٩٣. ٣ الأغاني "دار الكتب" ١١: ٥٢. ٤ ديوان حاتم "ط. لندن" ص٣٠. ٥ الأغاني ٣: ٨٣-٨٥.
[ ٢٣٢ ]
يا أمير المؤمنين؟ فقد كان كثير الحديث حسنه. فلما ذكر له المنصور الحديث قال ثمامة: إن له عندنا أحاديث كثيرة ما سمعنا له بحديث هو أظرف من هذا.
وإذا رجعنا إلى كتاب واحد من كتب الأدب العامة هو كتاب "المعمرين من العرب" لأبي حاتم السجستاني، وجدنا كثيرًا من أخباره مرويةً عن أشياخ من قبيلة المعمر الذي يترجم له، فزهير بن جناب من كلب ولذلك قال١: "حدثنا أبو حاتم قال -وقال العمري- أخبرني محمد بن زياد الكلبي عن أشياخه من كلب قالوا: " وقال أيضًا٢: "حدثنا أبو حاتم قال: وزعم هشام بن محمد عن أبيه محمد بن السائب قال: سمعت أشياخنا الكلبيين يقولون.."، وشريح بن هانئ من بني الحارث بن كعب، ولذلك أورد بعض أخباره عن٣ "ابن الكلبي عن أبي مخنف قال: أخبرنا أشياخنا من بني الحارث قالوا " وشرية بن عبد جعفي، فأورد بعض أخباره عن٤ "ابن الكلبي قال: سمعت أبا بكر بن قيس الجعفي يذكر عن أشياخه".
ويورد بعض أخبار ثعلبة بن كعب الأوسي عن٥ "ابن الكلبي عن عبد الحميد بن أبي عبس الأنصاري عن أشياخ قومه". ويورد بعض أخبار طيئ بن أدد عن٦ "هشام أنه سمع أشياخًا من طيئ يذكرون ذلك.." ويروي بعض أخبار هاجر بن عبد العزى عن أحد أفراد قبيلته خزاعة هو: طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي٧. وكذلك يروي بعض أخبار جليلة بن كعب عن بعض
_________________
(١) ١ كتاب المعمرين: ٢٥. ٢ ص٢٨. ٣ ص٣٨ رقم: ٣٦. ٤ ص٣٩ رقم ٣٧. ٥ ص٧١-٧٢ رقم ٧٣. ٦ ص٧٢ رقم ٧٤. ٧ ص٧٣رقم ٧٦.
[ ٢٣٣ ]
أفراد قبيلته بني جعفي هو: الوليد بن عبد الله الجعفي١. ويروي أخبار كعب بن رداة النخعي عن بعض النخعيين٢. ويروي بعض أخبار حارثة بن عبيد الكلبي عن: شملة بن مغيث وهو رجل من ولد حارثة٣. ويروي بعض أخبار القدار العنزي عن٤: خراش قال: حدثني به قوم من عنزة.
ومع ذلك فقد كان بعض أفراد القبائل يجهلون أخبار شعرائهم؛ وليس في الأمر ما يستغرب، فليس كل القبيلة معنيًّا بذلك، وإنما العناية بهذا الضرب من العلم مما تغني فيه معرفة طائفة دون أخرى؛ غير أن ابن فارس يقول٥ -ولعل في قوله هذا استنكارًا واستهجانًا-: "سمعت أبي يقول: حججت فلقيت بمكة ناسًا من هذيل، فجاريتهم في ذكر شعرائهم، فما عرفوا واحدًا منهم، ولكني رأيت أمثل الجماعة رجلًا فصيحًا وأنشدني " ثم يذكر أبياتًا.
فإذا كان أفراد القبيلة يعنون هذه العناية برواية شعر شعرائها، فما بالك بأولاد الشاعر صليبةً؟ لقد كان ابن الشاعر يروي شعر أبيه حتى لقد قال الراعي:٦ من لم يروِ من أولادي هذه القصيدة "قصيدته اللامية" وقصيدتي التي أولها:
بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا
فقد عقني.
وكثير من أبناء الشعراء الجاهليين عاشوا في الإسلام٧، وبعضهم عمر
_________________
(١) ١ ص٧٣ رقم ٧٧. ٢ ص٧٣ رقم ٧٨. ٣ ص٧٤-٧٥، رقم ٨١. ٤ ص٧٦ رقم ٨٤ وانظر كذلك رقم ٨٥، ٨٨٠. ٥ مقدمة الصاحبي، ص: ب، جـ ٦ البغدادي، الخزانة ٣: ١٣١. ٧ من أمثلة ذلك: ابن عبيد بن الأبرص الأسدي، وقد روى عن علي بن أبي طالب "ابن سعد ٦: ١٦٤" وعلي بن علقمة بن عبدة "الإصابة ٥: ١١٢"، والقاسم بن أمية بن أبي الصلت الثقفي "معجم المرزباني: ٣٣٢"، وحية بنت وهب بن أمية بن أبي الصلت تزوجها عبد الله بن صفوان "نسب قريش: ٣٩٠"، وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت وابنه سعيد بن عبد الرحمن "معجم المرزباني: ٣٦٦"، وكعب بن زهير بن أبي سلمى وابنه عقبة بن كعب "الشعر والشعراء ١: ٩٢"، ومكنف وحريث ابنا زيد الخيل بن مهلهل وقد شهدا قتال الردة "الشعر والشعراء ١: ٢٤٤"، وإبراهيم وداود ابنا متمم بن نويرة. ووفد إبراهيم على عبد الملك بن مزوان "الشعر والشعراء ١: ٢٩٨" وابن المتلمس، كان اسمه عبد المنان أدرك الإسلام "الأغاني: ساسي ٢١: ١٢٢".
[ ٢٣٤ ]
طويلًا؛ وقد وفد بعضهم على خلفاء بني أمية فاستنشدوهم شعر آبائهم، وأخذ العلماء الرواة بعض هذا الشعر عنهم. فمن أمثلة ذلك:
أن معاوية بن أبي سفيان حج فرأى شيخًا يصلي في المسجد الحرام، فسأل عنه فقالوا١: سعية بن غريض. فاستدعاه، في حديث طويل، ثم قال له: أنشدني شعر أبيك يرثي به نفسه "أي شعر السموءل" فقال: قال أبي:
يا ليت شعري حين أندب هالكًا ماذا توبنني به أنواحي
أيقلن: لا تبعد قرب كريهة فرجتها بشجاعةٍ وسماح
وهي خمسة أبيات:
ويُروى أن عدي بن حاتم الطائي عاش مائة وثمانين سنة٢، وقد رووا عنه بعض أخبار أبيه حاتم٣.
ودخل إبراهيم بن متمم بن نويرة على عبد الملك بن مروان، فرأى فيه عقلًا وفضلًا، فقال له: أنشدنا بعض مراثي أبيك عمك. فأنشده٤:
نعم الفوارس يوم نشبة غادروا تحت التراب قتيلك ابن الأزور
حتى انتهى إلى قوله:
_________________
(١) ١ الأغاني ٣: ١٣٠-١٣١. ٢ المعمرين: ٣٦. ٣ ديوان حاتم "ط. لندن". ٣١. ٤ الموشح المرزباني: ٢٤٠.
[ ٢٣٥ ]
أدعوته بالله ثم قتلته لو هو دعاك بمثلها لم يغدر
وأخذ الرواة العلماء متمم بن نويرة عن حفيده ابن داود بن متمم، قال ابن سلام١: أخبرني أبو عبيدة أن ابن داود بن متمم بن نويرة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي في الجلب والميرة، فنزل النحيت، فأتيته أنا وابن نوح العطاردي، فسألناه عن شعر أبيه متمم وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته.
فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله.
وذكر الأصمعي أن حماد بن ربيعة بن النمر بن تولب قد روى٢:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت أوص بدعد من يهيم بها بعدي
ونسبه إلى جده النمر بن تولب مع أن الناس يروون البيت لنصيب.
ودخل ابن أبي محجن الثقفي على معاوية فقال له معاوية٣: أبوك الذي يقول:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
فقال ابن أبي محجن: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره قال: وما ذاك؟ قال: قوله:
لا تسألي الناس ما مالي وكثرته وسائلي القوم ما حزمي وما خلقي
القوم أعلم أني من سراتهم إذا تطيش يد الرعديدة الفرق
_________________
(١) ١ طبقات فحول الشعراء: ٤٠. ٢ الشعر والشعراء ١: ٢٦٩. ٣ الشعر والشعراء ١: ٣٨٨.
[ ٢٣٦ ]
قد أركب الهول مسدولًا عساكره وأكتم السر فيه ضربة العنق
ووفد على عبد الملك وفد أهل الكوفة، فلما دخلوا عليه وكلمهم رأى فيهم رجلًا آدم طويلًا، فكلمه فأعجبه بيانه، فلما تولى تمثل عبد الملك بقول عمرو بن شأس١:
وإن عرارًا إن يكن غير واضحٍ فإني أحب الجون ذا المنكب العمم
فالتفت الآدم إلى عبد الملك فضحك؛ فقال عبد الملك: علي به. فلما جيء به قال: ما أضحكك؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين عرار! فأقعده وقدمه وسامره.
وقد أخذ العلماء بعض شعر تميم بن أبي بن مقبل عن ابنته أم شريك، بل إنهم رووا عنها تفسيرها لكلمات في شعره٢.
وقد روى العلماء شعرًا لعمرو بن العاص، قال الواقدي٣: أخبرني ابن أبي الزناد أنه سمع ذلك من ابن ابن ابنه: عمرو بن شعيب بن عبد الله بن عمرو يذكره لجده.
ولا سبيل إلى الإطالة في إيراد الأمثلة فحسبنا ما قدمنا فإن فيه لغناء.
_________________
(١) ١ الشعر والشعراء ١: ٣٨٨، وانظر معجم المرزباني: ٢١٢-٢١٣. ٢ البكري، معجم ما استعجم "أذرع" ١: ١٣١. ٣ الأغاني ٩: ٥٨.
[ ٢٣٧ ]