وقد كان لبعض الشعراء، وخاصة الفحول منهم، راوٍ أو رواة، يصحبونهم ويلازمونهم في حلهم وترحالهم، ويحفظون شعرهم ويروونه وينشدونه في المجالس والمحافل. وقد جرى أمر الشعراء ورواتهم في العصور الإسلامية على ما جرى عليه
[ ٢٣٧ ]
في الجاهلية. فقد كان للفرزدق رواة أحدهم رجل من بني ربيعة بن مالك -وهم الذين يقال لهم ربيعة الجوع- ويبدو أن هذا الراوية كان يروي عامة شعر الفرزدق، بينما كان راوية آخر لا يروي من شعر الفرزدق إلا ما كان هجاء أو نقضًا لقصائد جرير وغيره من الشعراء، وكان اسم هذا الراوية عبيدًا وهو أحد بني ربيعة بن حنضة١. وبقي لنا من أسماء رواة جرير اسم واحد هو الحسين، وكان يكتب شعر جرير، وروى عنه العلماء بعض أخباره٢. وكان السائب بن ذكوان راوية كثير عزة٣. وأما راوية الكميت بن زيد الأسدي فهو محمد بن سهل٤. وكان كذلك للأحوص راويته٥، ولذي الرمة راويته٦.
وربما اجتمع بعض هؤلاء الرواة يتناشدون أشعار شعرائهم ويتفاخرون بها، كما حدث حين اجتمع بالمدينة راوية جرير، وراوية نصيب، وراوية كثير، وراوية جميل، وراوية الأحوص، وادعى كل رجل منهم أن صاحبه أشعر٧.
ولسنا في حل من الإسهاب في الحديث عن هؤلاء الرواة في العصر الأموي، فأخبارهم مستفيضة، وهي موجودة في مظانها التي أشرنا إليها. وإنما ذكرناهم هذا الذكر العابر العارض، لنستأنس به على أن رواة الشاعر كان أمرًا موروثًا وعادةً موصولةً منذ الجاهلية، وإن كان كتب الأدب العربي وتاريخه تسعفنا بوفرة من الأخبار عن العصور الإسلامية ثم تشح كلما استعنَّا بها في العصر الجاهلي.
ومع ذلك فقد بقي لنا من أسماء رواة الشعراء الجاهليين اسم راوية الأعشى، أو أسماء ثلاثة من رواته. أول هذه الأسماء: عبيد "وكان عبيد هذا يصحب
_________________
(١) ١ النقائض: ١٠٤٩، والموشح: ١٠٦-١٠٧. ٢ النقائض: ٤٣٠. ٣ الأغاني ٩: ٢٢٤، والموشح: ١٥٠، ١٥١. ٤ الأغاني ٢: ٤١٢، ٤١٧، والموشح: ١٩٣، ١٩٥. ٥ الأغاني ٤: ٢٤١-٢٤٢. ٦ الموشح: ١٨٤. ٧ الموشح: ١٥٩.
[ ٢٣٨ ]
الأعشى ويروي شعره، وكان عالمًا بالإبل، وله يقول الأعشى في ذكر الناقة:
لم تعطف على حوارٍ ولم يقـ ـطع عبيد عروقها من خمال١"
وقد روى عبيد هذا عن الأعشى نفسه خبر قدومه على النعمان وإنشاده بين يديه بعض شعره٢. وروى أيضًا أنه سأله٣: ماذا أردت بقولك:
ومدامة مما تعتق بابل كدم الذبيح سلبتها جريالها
فقال الأعشى: شربتها حمراء، وبلتها بيضاء [فسلبتها لونها] ٤.
وقد ذكر أبو الفرج اسمًا ثانيًا لراوية الأعشى وهو: يحيى بن متى، وقال عنه إنه٥ كان نصرانيًّا عباديًّا وكان معمرًا. قال: كان الأعشى قدريًّا وكان لبيد مثبتًا. قال لبيد:
من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل
وقال الأعشى:
استأثر الله بالوفاء وبالـ عدل وولى الملامة الرجلا
وحين سئل من أين أخذ الأعشى مذهبه، أجاب: "من قبل العباديين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك".
أما الجواليقي في المعرب فقد ذكر اسمًا ثالثًا لراوية الأعشى هو٦: يونس بن متى. ثم يورد الخبر الذي أوردناه آنفًا والذي سأل فيه هذا الراوية الأعشى عن معنى قوله: "سلبتها جريالها".
_________________
(١) ١ الشعر والشعراء ١: ٢١٦. الحوار: ولد الناقة. والخمال: داء يصيب القوائم. ٢ المصدر السابق ١: ٢١٥. ٣ المصدر السابق ١: ٢١٥-٢١٦. ٤ الزيادة بين المعكفين من الجواليقي، المعرب "ط. ليبسك" ص٤٦. ٥ الأغاني ٩: ١١٢، وقد ذكره أبو الفرج في موطن آخر "الآغاني، ساسي ٢١: ١٢٦" باسم: عبيد. ٦ المعرب ص٤٦، وانظر أيضًا البغدادي، الخزانة "سلفية" ٤: ١٩٧.
[ ٢٣٩ ]
فنحن إذن أمام ثلاثة أسماء؛ فهل هي لثلاثة رواة مختلفين، أو أنه راوية واحد وأخطأ القدماء في اسمه١؟
أما نحن فنذهب إلى أن الأسماء الثلاثة كلها صواب، ولكنها إنما تدل على رجل واحد لا ثلاثة رجال. وليس بين أيدينا الدليل القاطع، وإنما ثمة أمران نستأنس بهما فيكون من ذلك ترجيح ما ذهبنا إليه. الأمر الأول أن الراوية الذي يروي عن هذا الراوية -راوية الأعشى- واحد في جميع الروايات وهو سماك بن حرب٢. فابن قتيبة يروي عن: حماد الراوية قال: حدثني سماك عن عبيد راوية الأعشى؛ ثم يقول في موطن آخر: وحدثني الرياشي عن مؤرج عن شعبة عن سماك عن عبيد راوية الأعشى؛ وأبو الفرج يروي عن رجاله عن: أبان بن تغلب عن سماك بن حرب قال: قال لي يحيى بن متى راوية الأعشى.
ويقول الجواليقي: رُوي عن الأصمعي عن شعبة عن سماك بن حرب عن يونس بن متى راوية الأعشى. فسماك بن حرب هو وحده الراوية الذي يروي عن راوية الأعشى الذي يدعى حينًا عبيدًا، وحينًا آخر يحيى، وحينًا ثالثًا يونس. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الخبر الذي يورده ابن قتيبة مرويًّا عن: الرياشي مؤرج عن شعبة عن سماك عن عبيد راوية الأعشى، هو الخبر نفسه الذي يورده الجواليقي مرويًّا عن الأصمعي عن شعبة عن سماك بن حرب عن يونس بن متى راوية الأعشى، وهو سؤاله إياه عن معنى قوله "سلبتها جريالها" وتكاد ألفاظ الروايتين تكون واحدة إذا أضفنا هذا إلى ذلك رجحنا أن راوية الأعشى هو رجل واحد وليس ثلاثة رجال.
_________________
(١) ١ ذهب الأستاذ أحمد محمد شاكر في تحقيقه لكتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة "ص٢١٦ هامش: ١" إلى أن الجواليقي أخطأ في اسم راوية الأعشى حينما ذكر أنه يونس بن متى. ٢ ترجمته في القفطي، إنباه الرواة على أنباه النحاة ٢: ٦٥ وانظر تخريج ترجمته هناك في الحاشية.
[ ٢٤٠ ]
فكيف اختلفت الأسماء إذن؟ لقد كان هذا الراوية عباديًّا من نصارى الحيرة، فالغالب على ظننا أن يكون اسمه في أصله: يوهانس أو يوحانس، ثم مر هذا الاسم عند العرب في طورين؛ الأول: الترجمة؛ والثاني: التعريب.
ففي الطور الأول ترجموا معنى اسمه الذي يدل على العبودية للخالق فجعلوه في العربية: عبيدًا. وأما طور التعريب فقد مر أيضًا في مرحلتين، الأولى: مرحلة حرفية لا تتغير عن الأصل كثيرًا، فعربوا يوهانس وجعلوه: يونس. وأما المرحلة الثانية فقد كانت مرحلة غير مباشرة، وذلك أن يوحنا هو طور من أطوار هذا الاسم: يوحانس، فجاء العرب فعربوا يوحنا وجعلوه يحيى.
فنحن إذن نرجح، لما فصلناه من وجوه الرأي، أن هذه الأسماء الثلاثة، المختلفة في ظاهرها، ليست إلا اسمًا واحدًا في حقيقتها، يدل على راوية واحد بعينه.
[ ٢٤١ ]