في اختيار الجار والصبر على أذاه وحسن الجوار
وقيل الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق، وقيل لبعضهم أين معك في القرآن الجار قبل الدار، فقال قوله تعالى: ﴿رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة﴾ وقال ﷺ: "من أشراط الساعة سوء الجار نعوذ بالله من ثلاث هن القوافر: إمام السوء إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، ومن جار السوء إن رأى حسنًا ستره وإن رأى قبيحًا أذاعه، ومن سوء امرأة إن غبت عنها خانتك وإن دخلت عليها لسنتك.
حكي: أبو السعادات بن الشجري (مولده سنة خمسين وأربعمائة وفاته اثنتين وأربعين وخمسمائة) في شرح الحماسة أن العباس بن الفرج الرياشي قال وفد زياد الأعجم على حبيب بن المهلب وهو بخراسان فبينما هما يشربان ذات عشية إذ سمع صوت زياد صوت حمامة تغني على شجرة في دار حبيب فقال:
تغني أنت في ذممي وعهدي بأن لا يذعروك ولا تضاري
إذا غنيتني وشربت كأسًا ذكرت أحبتي وذكرت داري
فإما يقتلوك طلبت ثأرًا لأنك في حماي وفي جواري
[ ٣ ]
فأخذ الحبيب سهمًا فرماها فأنفذها فقال زياد قتلت جاري، بيني وبينك المهلب فاختصما إليه فقال المهلب أبو أمامة لا يروع جاره، وقد ألزمتك العقل ألف دينار فدفعها إليه من يومه.
ولما بنى كسرى إيوانه كانت بجواره دويرة لعجوز لا يكمل تربيع الإيوان إلا بها فدفع لها جملة من المال، فقالت لا أبيع جوار الملك بملئها ذهبًا ولا أخرج من جواره طائعة فإن غصبني إياها فهو قادر على ذلك فعلم كسرى بذلك، فقال تترك ويبنى الإيوان فقيل لا يجيء مستحكم التربيع، فقال يبنى ما اتفق وكان فيه عوج، فكان بعد ذلك يقال لهما أحسن بناء هذا الإيوان ولولا هذا العوج فيقول بهذا العوج تم حسنه.
قلت: وعلى ذكر الإيوان ما أحسن ما أنشدني من لفظه لنفسه أجازه الشيخ عز الدين على ابن الشيخ بهاء الدين الحسن الموصلي رحمه الله تعالى أحجبيه كتب القاضي صلاح الدين الصفدي تغمده الله بالرحمة:
يا من له الطول في المعالي وبالمعاني لنا يبصر
إني كما قلت في سؤالي ما مثل قولي نعم مقصر
رجع: وكان لابن المقفع بجنب داره دار وكان يستامها من صاحبها وهو يمتنع من بيعها اتفق أن ركبه دين فاحتاج إلى بيعها فعرضت عيه فسأل عن سبب بيعه إياها بعد غبطة بها فأخبره بقصته، فقال ما قمت إذًا بحرمة الجار إن اشتريتها وقد باعها معدمًا فحمل إليه ثمن الدار وقال أبق دارك عليك بارك الله لك فيها ورد هذا في دينك.
وقال الأصمعي رأى بعضهم عدي بن حاتم الطائي يفت للنمل خبزًا بفناء داره، فقال له يا أبا طريف ما تصنع؟، فقال جارات ولهنّ حرمة.
قلت: وعلى ذكر حاتم الطائي ذكرت ما أنشدنيه سيدي الجناب المجدي فضل الله بن المرحوم الصاحب الفاضل فخر الدين عبد الرحم بن مكانس سلمه الله تعالى قال: أنشدني والدي من لفظه قال أنشدني صاحبنا الشيخ شمس الدين الواسطي (توفي المذكور قريبًا م سنة ثمانين وسبعمائة) لنفسه مواليًا:
ما مت حتى جفاني كل من فيالحي وملني وقلاني كل من لوشيّ
وأنت ما في العجم والعرب مثلك حيّ يا من طوى بالمكارم ذكر حاتم طيّ
قلت: وأنشدني من لنفسه الصاحب المرحوم فخر الدين بن مكانس من قصيدة (وتوفي تغمده الله بالرحمة سنة أربع وتسعين وسبعمائة) وذلك بمنزله بقنطرة قدادار بتاريخ عاشر صفر من شهور عام ثلاث وتسعين وسبعمائة:
وكم طربت لما أبدته من ملح يصبو له كل ذي عقل وآراء
وجدت بالتبر من مالي ومن أدبي فكنت في كل حال منهما الطائي
رجع إلى ما كنا بصدده وقال محمد بن عبد الرحمن الزهري كانت بيني وبين أبي العباس تعلب مودة أكيدة وكنت أستشيره في أموري فجئت يومًا أشاوره في الانتقال من دار إلى أخرى لتأذي بها بالجوار، فقال يا أبا محمد تقول صبرك على أدى من تعرفه خير لك من استحداث ما لا تعرفه.
من غريب الاتفاق أن بشار بن برد كان قد حلف أنه لا يجاور حماد عجرد ولا يضله وإياه سقف بيت ولا مسجد وأنه يهجوه بألف قصيدة، فاتفق أن مات حماد في قرية من سواد البصرة وعرضت لبشار هناك حاجة فمات فيها ودفن إلى جانب حماد عجرد.
وقريب من هذه الحكاية ما حكي أن روحًا بن حاتم بن قبيصة بن المهلب كان واليًا على السند وأخوه يزيد واليًا على أفريقيا فتوفي بها في سنة سبعين ومائة بالقيرون، فقال أهل المدينة وأعني أفريقية ما أبعد ما يكون بين قبري هذين الأخوين فإن أخاه بالسند وهذا هنا فاتفق أن الرشيد عزل روحًا عن السند وسيره إلى موضع أخيه يزيد فدخل إلى أفريقية فلم يزل واليًا بها إلى أن مات ودفن مع أخيه في قبر واحد فعجب الناس من غريب هذا الاتفاق.
عود: وكان لأبي حنيفة جارًا إسكاف بالكوفة يعمل نهاره أجمع فإذا جن الليل رجع إلى منزله بلحم أو سمك فيطبخ اللحم أو يشوي السمك فإذا دب فيه السكر أنشد:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
[ ٤ ]
فلا يزال يشرب ويردد البيت إلى أن يغلبه السكر وينام وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله ويسمع جلبته وإنشاده ففقد صوته ليال فسأل عنه، فقيل أخذه العسس منذ ثلاثة أيام وهو محبوس فصلى صلاة الفجر وركب بغلته ومشى واستأذن على الأمير، فقال ائذنوا له وأقبلوا به راكبًا حتى يطأ البساط ففعل لك به فوسع له الأمير في مجلسه وقال له ما حاجتك؟ فقال لي جارًا سكاف أخذه العسس منذ ثلاثة ليال فتأمر بتخليته، فقال نعم وكل من أخذ من تلك الليلة إلى يومنا هذا، ثم أمر بتخليته وتخليتهم أجمعين فركب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وتبعه جاره الاسكاف فلما وصل إلى داره قال له أبو حنيفة أترانا أضعناك، فقال لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرًا عن صحبة الجوار ورعاية الحق ولله علي أن لا أشرب خمرًا ابدًا فتاب ولم يعد إلى ما كان عليه.
قلت: وقد ضمن هذا البيت الشيخ برهان الدين القيراطي تضمينًا حسنًا (ومولده سنة ست وعشرين وشبعمائة، ووفاته سنة إحدى وثمانين وسبعمائة):
فقال دعاني منيتي لكريه راح ورشف الثغر منه عقيب سكر
فقلت له دعوت فتى يرجى ليوم كريهة وسداد ثغر
ونقلت من المستجاد في فعلات الأجواد عرض محمد بن الجهم دارًا بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشتروا مني جوار سعيد بن العاص وكان بجواره فقالوا وإن الجوار ليباع، فقال وكيف لا يباع ويفرد بثمن وهو جوار من إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتدأك، وإن أسأت أحسن فبلغ ذلك سعيدًا فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك عليك دارك.
وعلى ذكر الجار فما أحسن قول الشيخ جمال الدين بن نباتة (ومولده سنة ست وستمائة، ووفاته سنة ثمان وستين وسبعمائة) .
بروحي جيرة أبقوا دموعي وقد رحلوا بقلبي واصطباري
كأنا للمجاورة اقتسمنا فقلبي جارهم والدمع جاري
وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب (ومولده سنة ست عشرة وسبعمائة، ووفاته سنة ثمان وثمانين وسبعمائة) وقد انتقل النيل السعيد عن بر مصر إلى البر الغربي شط الجيزة.
يا أيها السلطان إن النيل عن مصر تنقل بعد طول جوار
فاحفظ لنا جريانه وجواره فالله قد أوصى بحفظ الجار
وأنشدني سيدي وأخي الجناب المجدي فضل الله بن مكانس أبقاه الله_تعالى_من موشحة لنفسه
أجريت ما بين دموعي الغزار*مثل البحار*ولم يدع لي طول دهري قرار
هجر حبيبي وهو مني قريب*مع الرقيب*قد صيراني بين قومي غريب
دأبي النحيب*فآه من جورك يا ذا الحبيب*على الكثيب
وما احتيالي في قريب الديار*ونائي المزار*هو على الحالين يا قلب جار
رجع إلى ما كنا فيه: كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له يا هذا إنك قد اخترتني جارًا واخترت داري دارًا فجناية يدك على دونك وإن جنيت عليك فاحتكم حكم الصبي على أهله.
وذكر ابن الجوزي في كتاب الأذكياء قال رجل يا رسول الله إن لي جارًا يؤذيني قال انطلق وأخرج متاعك إلى الطريق، فانطلق فأخرج متاعه فاجتمع الناس إليه فقالوا ما شأنك؟ قال لي جار يؤذيني فجعلوا يقولون الله العنه اللهم اخزه اللهم أخرجه، فبلغه ذلك فأتاه فقال ارجع إلى بيتك فوالله لا أوذيك بعدها. وهذه من الحيل التي أباحها الشرع الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده.
وورد أن أبا مسلم الخراساني صاحب الدعوة عرض عليه فرس سابق فقال لأصحابه لما يصلح هذا الفرس؟ فقالوا ليوم الحرب، فقال كلا ولكن ليهرب عليه من جار السوء.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث كن في الجاهلية الإسلام أولى بها: كان الرجل منهم إذا نزل به ضيف سعى له أهل البيت كبيرهم وصغيرهم حتى ينقلب وهو راض، وكان الرجل منهم إذا طال ثواء امرأته معه كره طلاقها لئلا تذل بعده، وكان الرجل إذا جنى جاره جريمة باع فيها ولو ولده حتى ينقذ جاره.